نوافذٌ بلا ضوء: تفكك الأسرة اللبنانية في عتمة الانهيار

يتقلّص الجيل القادم من الأسر اللبنانية ويتأخّر تكوّنُه، في ظل تراجع معدلات الولادة والهجرة الجماعية وانخفاض معدلات الزواج وتفاقم الضغوط الاقتصادية.

23 كانون الثاني، 2026

الأسرة اللبنانية حجر الزاوية في المجتمع، والمساحة التي نشأ فيها الجيل التالي وتلقى تعليمه واستعدّ لحياة منتجة. لكن هذا الأساس يتصدّع اليوم.

والأمر لا يقتصر على إنخفاض معدل إنجاب الأطفال. فسنّ الزواج يتأخر والطلاق يرتفع رغم كلفته القانونية التي تُبقي كثيرين عالقين في علاقات متصدعة، فيما تدفع الهجرةُ الشبابَ والمهنيين المهرة (أي الذين يُفترض أن يؤسّسوا أسرًا جديدة) إلى الخارج. في حين يفاقم اليأس الاقتصادي التوترات ويؤجّج الصراعات داخل الأسر نفسها، وصولاً إلى التصاعد المطّرد في العنف المنزلي.

هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لتخلّي الدولة عن مسؤولياتها، وعقود من الفشل في بناء البنية التحتية الاجتماعية من سكن ورعاية صحية وتعليم وخدمات أساسية، أي تلك التي تقوم عليها الحياة الأسرية القابلة للاستمرار. ومنذ انهيار المنظومة الاقتصادية عام 2019 تُرك نصف اللبنانيين يرزحون تحت خط الفقر، وبدأت الأسرة اللبنانية تتفكك بشكل متسارع. فهل ستتدخل الحكومة لوقف هذا الانحدار أم ستكتفي بمراقبة دوامة تدهور تتسارع أكثر فأكثر؟

 

انخفاض عدد السكان: مواليد أقل، وهجرة أكثر

يبلغ متوسط عدد المواليد لكل امرأة (أو ما يُعرف بمعدل الخصوبة الكلي) والذي يحتاجه أي بلد للحفاظ على استقرار عدد سكانه ذاتياً نحو 2.1. وقد سجّل أكثر من نصف دول العالم معدلات خصوبة أدنى من هذا المستوى في السنوات الأخيرة. ويؤدي انخفاض عدد المواليد (إلى جانب شيخوخة السكان) إلى تقلّص حجم القوى العاملة وإجهاد الاقتصادات، إذ يتراجع إجمالي الدخل المتحقق في مقابل ارتفاع كلفة الرعاية الصحية والإنفاق الاجتماعي على من خرجوا من سوق العمل.

وفقاً لتقديرات معهد التمويل الدولي، هاجر أكثر من 250 ألف لبناني من لبنان بين عامي 2019 و2024 أي ما يقارب 7% من السكان. تلت ذلك مغادرة ما يقارب 220 ألف لبناني في عام 2025 وحده.

تمكّنت العديد من الدول الغنية والمتقدمة من تجنّب أخطار الانكماش السكاني حتى الآن عبر توسيع نطاق الهجرة. فمثلاً تراجع متوسط معدل الخصوبة الكلي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) من 3.3 عام 1960 إلى 1.5 عام 2022. يُعزى هذا الانخفاض إلى ارتفاع كلفة تربية الأطفال وعدم اليقين المالي وزيادة نفقات السكن، وتأجيل الإنجاب في ظل تزايد الأسر التي يعمل فيها الزوجان معاً. إلا أن النمو السكاني في معظم دول الاتحاد الأوروبي بقي إيجابياً بفعل الهجرة، حيث شكّل المهاجرون إلى الولايات المتحدة وأوروبا نحو 47% و70% من نمو القوى العاملة على التوالي بين عامي 2011 و2021.

شهد لبنان مساراً مشابهاً منذ عقود. ففي عام 1963، بلغ متوسط عدد المواليد لكل امرأة لبنانية ذروته عند 5.91 قبل أن يبدأ بالانخفاض تدريجياً ليصل إلى 2.17 بحلول عام 2008. ثم سجّل المعدّل تعافياً طفيفاً خلال السنوات السبع التالية، ليبلغ 2.39 في عام 2016 قبل أن يعود إلى مساره التراجعي الطويل ويستقر اليوم عند نحو 2.21.

غير أن الانخفاض الفعلي في عدد السكان تسارع بشكل حاد منذ الانهيار المالي الذي شهده لبنان عام 2019 وما تلاه من اضطرابات سياسية واقتصادية وأمنية. وفقاً لتقديرات معهد التمويل الدولي، هاجر أكثر من 250 ألف لبناني من لبنان بين عامي 2019 و2024 أي ما يقارب 7% من السكان. تلت ذلك مغادرة ما يقارب 220 ألف لبناني في عام 2025 وحده. أكثر من 70% ممن غادر كانوا من العمال المهرة، بمتوسط عمر يبلغ 32 عاماً أي الفئة الديموغرافية التي يُفترض أن تُنشئ الأسر وتربي الأطفال، وتقود النمو الاقتصادي.

 

تأخّر الزواج وتفكك الأسرة

بعد انتهاء الحرب الأهلية عام 1990 بدأ سنّ الزواج الأول في لبنان بالارتفاع بشكل مطّرد إلى حدّ بات فيه سنّ الزواج في لبنان الأعلى في العالم العربي، بمتوسط 30.4 عاماً للنساء و34.4 عاماً للرجال.

هناك جملة من العوامل التي ساهمت في هذا المسار. ففي مرحلة ما بعد الحرب أدّت السياسات النيوليبرالية المتعاقبة إلى تقويض أنظمة الحماية الاجتماعية، ما رفع كلفة المعيشة ودفع مزيداً من النساء إلى سوق العمل في مقابل تسارع هجرة الشباب ولا سيما الرجال. وبالتوازي ارتفعت كلفة الزواج وتبدّلت الأعراف الاجتماعية المرتبطة بالزواج والإنجاب وتمكين النساء اقتصادياً.

ومع دخول لبنان الانهيار المالي المديد عام 2019، تدهورت قيمة الليرة اللبنانية وارتفع التضخم بشكل حاد وتآكلت معدلات الدخل الحقيقي، فيما حُجزت مدخرات الكثيرين في المصارف. وفي هذه الفترة أصبحت كلفة تربية الأطفال تفوق قدرة كثير من الأسر حتى التي يعمل فيها الزوجان.

بين عامي 2008 و2018 شهدت معدلات الزواج ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تجاوز عددها 40 ألف حالة سنوياً في معظم تلك السنوات بحسب بيانات رسمية. مما ساهم في ذلك الازدهار المالي وسهولة الوصول إلى الائتمان، ما مكّن الأزواج الشباب من الاقتراض لتغطية تكاليف الزواج والسكن وتأسيس الأسر. لكن اللافت أن معدلات الطلاق ارتفعت خلال الفترة نفسها من نحو 5,400 حالة إلى 8,700 حالة خلال العقد الذي سبق الانهيار المالي.

ومع دخول لبنان الانهيار المالي المديد عام 2019، تدهورت قيمة الليرة اللبنانية وارتفع التضخم بشكل حاد وتآكلت معدلات الدخل الحقيقي، فيما حُجزت مدخرات الكثيرين في المصارف. وفي هذه الفترة أصبحت كلفة تربية الأطفال تفوق قدرة كثير من الأسر حتى التي يعمل فيها الزوجان. انهارت معدلات الزواج بالنتيجة، إذ انخفض عدد حالات الزواج في 2025 بنسبة 35% مقارنة بمستويات ما قبل 2019، أما معدلات الطلاق تذبذبت. غير أن المؤشر الأبرز تمثّل في بلوغ نسبة الطلاق إلى الزواج نحو 28% في عام 2023، ما يعني أن زواجاً واحداً كان ينهار مقابل كل ثلاثة زيجات جديدة تقريباً.

أما بالنسبة للأسر التي بقيت متماسكة (ولو شكلياً) فإن دراسة صادرة في 2025 عن المركز الديمقراطي العربي استنتجت أن الأزمة الاقتصادية أدّت إلى تراجع مستويات المعيشة وانخفاض التحصيل الدراسي للأطفال، وأيضاً تفاقم النزاعات الزوجية. أشارت الدراسة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه النزاعات نابع من «الخلافات حول توزيع المسؤوليات المنزلية بعد دخول النساء إلى سوق العمل، وما رافق ذلك من أعباء إضافية على الزوجات». شملت الدراسة 289 أسرة لبنانية في بيروت وضواحيها، وكشفت عن زيادة بنسبة 45% في النزاعات الزوجية المرتبطة بعجز الأسر عن تلبية احتياجاتها المالية الأساسية، وهي نزاعات اتخذت أشكالاً من العنف النفسي (31%) والعنف اللفظي (11%) والعنف الجسدي (2%).

ورغم تباين معدلات الطلاق منذ 2019 إلا أنها لم تستمر في الارتفاع بعد الأزمة بسبب الكلفة الباهظة للإجراءات القانونية ومتطلبات العيش في مساكن منفصلة، بحسب ريما ماجد الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي أشارت إلى أن هذه القيود المالية تدفع كثيراً من الأزواج إلى البقاء في علاقات متصدعة أو مأزومة بدل إنهائها.

 

الدولة أمام مفترق طرق

السؤال اليوم ليس ما إذا كانت الأسر اللبنانية ستتكيّف، بل بأي كلفة؟ وكيف ستبدو وحدة الأسرة اللبنانية مستقبلاً؟ أولاً على اللبنانيين مطالبة الدولة بإعادة بناء ما سمحت هي بانهياره. ففي ظل أن السكنٍ غير ميسور، وقطاع التعليمٍ في تدهور، والرعايةٍ الصحية صعبة المنال للكثيرين، ودعمٍ للدخل يكاد يكون معدوماً، فإن التنفيذ الكامل للاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية قد يكون أول الخطوات الكبرى نحو تثبيت الوضع ووقف مسار التفكك الأسري في لبنان.

ويتطلّب وقف تفكك الأسرة إعادة بناء الشروط الاجتماعية التي تسمح لها بالاستمرار. ويشمل ذلك (على سبيل المثال لا الحصر) توفير رعاية شاملة للأطفال وإجازات مدفوعة الأجر وسكناً ميسور الكلفة وتعليماً مجانياً حتى المستوى الجامعي، وشبكات أمان اجتماعي متكاملة ممولة عبر نظام ضريبي تصاعدي. هذه السياسات ليست استثنائية للبنان، بل هي معتمدة على نطاق واسع في الاقتصادات المتقدمة وتشكل ركيزة أساسية لتقدمها.

أمام الدولة خياران لا ثالث لهما: إما الاستثمار في الأسرة اللبنانية فوراً، أو مواجهة تراجع ديموغرافي متسارع وصعب الاستدراك. وكلفة التقاعس تتراكم يوماً بعد يوم.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسات البديلة أو فريق التحرير.

المواضيع ذات الصلة