بين عامي 2008 و2018 شهدت معدلات الزواج ارتفاعاً ملحوظاً، إذ تجاوز عددها 40 ألف حالة سنوياً في معظم تلك السنوات بحسب بيانات رسمية. مما ساهم في ذلك الازدهار المالي وسهولة الوصول إلى الائتمان، ما مكّن الأزواج الشباب من الاقتراض لتغطية تكاليف الزواج والسكن وتأسيس الأسر. لكن اللافت أن معدلات الطلاق ارتفعت خلال الفترة نفسها من نحو 5,400 حالة إلى 8,700 حالة خلال العقد الذي سبق الانهيار المالي.
ومع دخول لبنان الانهيار المالي المديد عام 2019، تدهورت قيمة الليرة اللبنانية وارتفع التضخم بشكل حاد وتآكلت معدلات الدخل الحقيقي، فيما حُجزت مدخرات الكثيرين في المصارف. وفي هذه الفترة أصبحت كلفة تربية الأطفال تفوق قدرة كثير من الأسر حتى التي يعمل فيها الزوجان. انهارت معدلات الزواج بالنتيجة، إذ انخفض عدد حالات الزواج في 2025 بنسبة 35% مقارنة بمستويات ما قبل 2019، أما معدلات الطلاق تذبذبت. غير أن المؤشر الأبرز تمثّل في بلوغ نسبة الطلاق إلى الزواج نحو 28% في عام 2023، ما يعني أن زواجاً واحداً كان ينهار مقابل كل ثلاثة زيجات جديدة تقريباً.
أما بالنسبة للأسر التي بقيت متماسكة (ولو شكلياً) فإن دراسة صادرة في 2025 عن المركز الديمقراطي العربي استنتجت أن الأزمة الاقتصادية أدّت إلى تراجع مستويات المعيشة وانخفاض التحصيل الدراسي للأطفال، وأيضاً تفاقم النزاعات الزوجية. أشارت الدراسة إلى أن جزءاً كبيراً من هذه النزاعات نابع من «الخلافات حول توزيع المسؤوليات المنزلية بعد دخول النساء إلى سوق العمل، وما رافق ذلك من أعباء إضافية على الزوجات». شملت الدراسة 289 أسرة لبنانية في بيروت وضواحيها، وكشفت عن زيادة بنسبة 45% في النزاعات الزوجية المرتبطة بعجز الأسر عن تلبية احتياجاتها المالية الأساسية، وهي نزاعات اتخذت أشكالاً من العنف النفسي (31%) والعنف اللفظي (11%) والعنف الجسدي (2%).
ورغم تباين معدلات الطلاق منذ 2019 إلا أنها لم تستمر في الارتفاع بعد الأزمة بسبب الكلفة الباهظة للإجراءات القانونية ومتطلبات العيش في مساكن منفصلة، بحسب ريما ماجد الأستاذة المساعدة في علم الاجتماع في الجامعة الأميركية في بيروت، والتي أشارت إلى أن هذه القيود المالية تدفع كثيراً من الأزواج إلى البقاء في علاقات متصدعة أو مأزومة بدل إنهائها.
الدولة أمام مفترق طرق
السؤال اليوم ليس ما إذا كانت الأسر اللبنانية ستتكيّف، بل بأي كلفة؟ وكيف ستبدو وحدة الأسرة اللبنانية مستقبلاً؟ أولاً على اللبنانيين مطالبة الدولة بإعادة بناء ما سمحت هي بانهياره. ففي ظل أن السكنٍ غير ميسور، وقطاع التعليمٍ في تدهور، والرعايةٍ الصحية صعبة المنال للكثيرين، ودعمٍ للدخل يكاد يكون معدوماً، فإن التنفيذ الكامل للاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية قد يكون أول الخطوات الكبرى نحو تثبيت الوضع ووقف مسار التفكك الأسري في لبنان.
ويتطلّب وقف تفكك الأسرة إعادة بناء الشروط الاجتماعية التي تسمح لها بالاستمرار. ويشمل ذلك (على سبيل المثال لا الحصر) توفير رعاية شاملة للأطفال وإجازات مدفوعة الأجر وسكناً ميسور الكلفة وتعليماً مجانياً حتى المستوى الجامعي، وشبكات أمان اجتماعي متكاملة ممولة عبر نظام ضريبي تصاعدي. هذه السياسات ليست استثنائية للبنان، بل هي معتمدة على نطاق واسع في الاقتصادات المتقدمة وتشكل ركيزة أساسية لتقدمها.
أمام الدولة خياران لا ثالث لهما: إما الاستثمار في الأسرة اللبنانية فوراً، أو مواجهة تراجع ديموغرافي متسارع وصعب الاستدراك. وكلفة التقاعس تتراكم يوماً بعد يوم.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسات البديلة أو فريق التحرير.