تتجه الطبقة السياسية اللبنانية اليوم (وتدريجياً) نحو قرار قد يُعيد تحديد الجهة التي تتحمل تبعات الانهيار المالي في لبنان. وإلى اليوم ما يُسمى بقانون الفجوة المالية، أي القانون الذي يُحدد الخسائر المالية وكيفية توزيعها بين البنوك والبنك المركزي والدولة والمودعين… ينتقل من مجلس الوزراء إلى البرلمان. البنود المتضمنة في قانون الفجوة تُتيح للدولة استخدام أصول مصرف لبنان، ولا سيما احتياطياته من الذهب، لضمان سندات طويلة الأمد لكبار المودعين – أي من تزيد ودائعهم عن 100 ألف دولار.
يُمكن من الناحية النظرية استخدام عائدات “استثمار” أو “تأجير” أو حتى تصفية هذه الأصول لخدمة سندات تستحق بعد 10 إلى 20 عاماً. أما عملياً، وما إذا تم إقرار هذا القانون بصيغته الحالية، فإنه سيُبقي على خيار تحويل ميزانية البنك المركزي والأصول العامة المُدرجة فيها إلى صندوق احتياطي لمن هم الأعلى على هرم المودعين، رغم الحاجة إلى تشريع جديد للاستفادة من احتياطيات الذهب.
يبدو الغموض في مسودة القانون مقصوداً، فهو يترك الباب أمام تحديد مدى “الإيرادات” التي يمكن تحصيلها من الذهب ومدى استفادة حاملي السندات بشكل مباشر من أي ارتفاع مستقبلي في سعر الذهب. وفي الوقت نفسه تمارس جهات نافذة ضغوطاً لجعل هذه الصلة أكثر وضوحاً. فقد استغلت جمعية المصارف الارتفاع الكبير في قيمة الذهب وطرحت استخدام أصول مصرف لبنان من الذهب لسداد الودائع، وهو طرح يقلل من الخسائر التي تتكبدها البنوك التجارية في أي عملية إعادة هيكلة. فيما صندوق النقد الدولي يركز على القدرة على تحمل الديون ويضغط من أجل لغة أكثر وضوحاً حول كيفية استخدام الذهب لدعم استعادة الودائع، دون تحديد من يتحمل التكلفة بالضبط.
الخطر في هذا النقاش هي في تصوير الذهب كمجرد أحد وسائل سدّ الثغرة المالية. إن الذهب في مصرف لبنان ليس ثروة طائلة ناتجة عن الفقاعة المالية التي سبقت عام 2019 بل هو احتياطي سيادي تراكم من فوائض العملات الأجنبية قبل عقود من الأزمة الحالية، وهو الآن يُشكّل ركيزة أساسية لميزانية مُنهكة بفعل خسائر غير مُعترف بها. وبالتالي فإن تسييل هذا الأصل أو رهنه اليوم لحماية مطالبات كبيرة قد يفرط باحتياطي استراتيجي ويُبدد أي مكاسب مُحتملة من ارتفاع الأسعار في المستقبل، ويُثير أيضاً تساؤلات جوهرية حول من سيحظى بالحماية ومن سيُضحّى به.
كيف حصل لبنان على الذهب
بدأ لبنان بناء احتياطيات الذهب في المصرف المركزي عام 1948، بعد فترة وجيزة من انضمامه إلى صندوق النقد الدولي وتحصيل الاعتراف بالليرة اللبنانية كعملة مستقلة. في ذلك الوقت كان فصل الليرة عن الفرنك الفرنسي يعني ربط قيمتها بالذهب وشراء كميات كافية من السبائك لدعم النقد المتداول.
ثم أتى قانون النقد لعام 1949 وشدد على هذا الإطار من خلال اشتراط تغطية 50% من الأوراق النقدية المتداولة من الليرة اللبنانية بالذهب والعملات الصعبة. وسرعان ما ذهبت الدولة أبعد من ذلك فرفعت نسبة التغطية إلى حوالي 90% من النقد المتداول بحلول نهاية عام 1954.
كانت السلطات اللبنانية حتى عام 1971 تستخدم فوائض العملات الأجنبية في مصرف لبنان بشكل روتيني لزيادة مخزونها من الذهب. في ذلك العام، أوقف لبنان عمليات شراء الذهب بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن معيار الذهب، وهو النظام النقدي العالمي السابق الذي كان يربط الدولار الأمريكي بكمية محددة من الذهب ما يسمح باستبدال العملات الورقية بالذهب. ومنذ ذلك الحين لم يعد مصرف لبنان يربط الليرة بالذهب، مع استقرار الموجودات عند مستوى يقارب 286.8 طن.
ثم بحلول 1986 وفي خضم الحرب الأهلية، كانت الليرة اللبنانية في حالة انهيار وفقدت الدولة سلطتها على العديد من أصولها الاقتصادية الهامة، ما أدى إلى تفاقم الاضطرابات المالية والنقدية. وفي الوقت الذي تصادم فيه حاكم مصرف لبنان إدموند نعيم ووزير المالية كميل شمعون حول الاستجابات للأزمة، وضغط بعض المسؤولين لاستغلال الذهب، تدخل البرلمان عبر القانون رقم 42/1986 الذي “يمنع منعاً مطلقاً التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان او لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب”.
الذهب «أكثر تألقاً» من أي وقت مضى
اليوم تُعدّ احتياطيات الذهب اللبنانية لدى البنك المركزي ثاني أكبر موجودات في العالم العربي وتحتل المرتبة التاسعة عشرة عالمياً. ومع ارتفاع أسعار الذهب بنسبة تقارب 70% هذا العام. واليوم تتجاوز القيمة السوقية لموجودات لبنان من الذهب 40 مليار دولار أو أكثر من 140% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم. نحو ثلثي هذا الذهب موجود في خزائن مصرف لبنان في بيروت، بينما يتم الاحتفاظ بالثلث المتبقي في الولايات المتحدة في مواقع غير معلنة.


