ذهب لبنان في مرمى التسوية: هل تفتح السلطة صندوق باندورا؟

استخدام الذهب لدعم استرداد الودائع يخاطر بتحويل حل اليوم إلى أزمة الغد

23 كانون الأول، 2025

تتجه الطبقة السياسية اللبنانية اليوم (وتدريجياً) نحو قرار قد يُعيد تحديد الجهة التي تتحمل تبعات الانهيار المالي في لبنان. وإلى اليوم ما يُسمى بقانون الفجوة المالية، أي القانون الذي يُحدد الخسائر المالية وكيفية توزيعها بين البنوك والبنك المركزي والدولة والمودعين… ينتقل من مجلس الوزراء إلى البرلمان. البنود المتضمنة في قانون الفجوة تُتيح للدولة استخدام أصول مصرف لبنان، ولا سيما احتياطياته من الذهب، لضمان سندات طويلة الأمد لكبار المودعين – أي من تزيد ودائعهم عن 100 ألف دولار.

يُمكن من الناحية النظرية استخدام عائدات “استثمار” أو “تأجير” أو حتى تصفية هذه الأصول لخدمة سندات تستحق بعد 10 إلى 20 عاماً. أما عملياً، وما إذا تم إقرار هذا القانون بصيغته الحالية، فإنه سيُبقي على خيار تحويل ميزانية البنك المركزي والأصول العامة المُدرجة فيها إلى صندوق احتياطي لمن هم الأعلى على هرم المودعين، رغم الحاجة إلى تشريع جديد للاستفادة من احتياطيات الذهب.

يبدو الغموض في مسودة القانون مقصوداً، فهو يترك الباب أمام تحديد مدى “الإيرادات” التي يمكن تحصيلها من الذهب ومدى استفادة حاملي السندات بشكل مباشر من أي ارتفاع مستقبلي في سعر الذهب. وفي الوقت نفسه تمارس جهات نافذة ضغوطاً لجعل هذه الصلة أكثر وضوحاً. فقد استغلت جمعية المصارف الارتفاع الكبير في قيمة الذهب وطرحت استخدام أصول مصرف لبنان من الذهب لسداد الودائع، وهو طرح يقلل من الخسائر التي تتكبدها البنوك التجارية في أي عملية إعادة هيكلة. فيما صندوق النقد الدولي يركز على القدرة على تحمل الديون ويضغط من أجل لغة أكثر وضوحاً حول كيفية استخدام الذهب لدعم استعادة الودائع، دون تحديد من يتحمل التكلفة بالضبط.

الخطر في هذا النقاش هي في تصوير الذهب كمجرد أحد وسائل سدّ الثغرة المالية. إن الذهب في مصرف لبنان ليس ثروة طائلة ناتجة عن الفقاعة المالية التي سبقت عام 2019 بل هو احتياطي سيادي تراكم من فوائض العملات الأجنبية قبل عقود من الأزمة الحالية، وهو الآن يُشكّل ركيزة أساسية لميزانية مُنهكة بفعل خسائر غير مُعترف بها. وبالتالي فإن تسييل هذا الأصل أو رهنه اليوم لحماية مطالبات كبيرة قد يفرط باحتياطي استراتيجي ويُبدد أي مكاسب مُحتملة من ارتفاع الأسعار في المستقبل، ويُثير أيضاً تساؤلات جوهرية حول من سيحظى بالحماية ومن سيُضحّى به.

 

كيف حصل لبنان على الذهب

بدأ لبنان بناء احتياطيات الذهب في المصرف المركزي عام 1948، بعد فترة وجيزة من انضمامه إلى صندوق النقد الدولي وتحصيل الاعتراف بالليرة اللبنانية كعملة مستقلة. في ذلك الوقت كان فصل الليرة عن الفرنك الفرنسي يعني ربط قيمتها بالذهب وشراء كميات كافية من السبائك لدعم النقد المتداول.

ثم أتى قانون النقد لعام 1949 وشدد على هذا الإطار من خلال اشتراط تغطية 50% من الأوراق النقدية المتداولة من الليرة اللبنانية بالذهب والعملات الصعبة. وسرعان ما ذهبت الدولة أبعد من ذلك فرفعت نسبة التغطية إلى حوالي 90% من النقد المتداول بحلول نهاية عام 1954.

كانت السلطات اللبنانية حتى عام 1971 تستخدم فوائض العملات الأجنبية في مصرف لبنان بشكل روتيني لزيادة مخزونها من الذهب. في ذلك العام، أوقف لبنان عمليات شراء الذهب بعد أن تخلت الولايات المتحدة عن معيار الذهب، وهو النظام النقدي العالمي السابق الذي كان يربط الدولار الأمريكي بكمية محددة من الذهب ما يسمح باستبدال العملات الورقية بالذهب. ومنذ ذلك الحين لم يعد مصرف لبنان يربط الليرة بالذهب، مع استقرار الموجودات عند مستوى يقارب 286.8 طن.

ثم بحلول 1986 وفي خضم الحرب الأهلية، كانت الليرة اللبنانية في حالة انهيار وفقدت الدولة سلطتها على العديد من أصولها الاقتصادية الهامة، ما أدى إلى تفاقم الاضطرابات المالية والنقدية. وفي الوقت الذي تصادم فيه حاكم مصرف لبنان إدموند نعيم ووزير المالية كميل شمعون حول الاستجابات للأزمة، وضغط بعض المسؤولين لاستغلال الذهب، تدخل البرلمان عبر القانون رقم 42/1986 الذي “يمنع منعاً مطلقاً التصرف بالموجودات الذهبية لدى مصرف لبنان او لحسابه مهما كانت طبيعة هذا التصرف وماهيته سواء أكان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلا بنص تشريعي يصدر عن مجلس النواب”.

 

الذهب «أكثر تألقاً» من أي وقت مضى

اليوم تُعدّ احتياطيات الذهب اللبنانية لدى البنك المركزي ثاني أكبر موجودات في العالم العربي وتحتل المرتبة التاسعة عشرة عالمياً. ومع ارتفاع أسعار الذهب بنسبة تقارب 70% هذا العام. واليوم تتجاوز القيمة السوقية لموجودات لبنان من الذهب 40 مليار دولار أو أكثر من 140% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي واحدة من أعلى النسب في العالم. نحو ثلثي هذا الذهب موجود في خزائن مصرف لبنان في بيروت، بينما يتم الاحتفاظ بالثلث المتبقي في الولايات المتحدة في مواقع غير معلنة.

اعتبارًا من منتصف ديسمبر، يشكّل الذهب نحو 41 في المئة من الميزانية العمومية لمصرف لبنان، ونحو 75 في المئة من أصوله السائلة أو القابلة للتسييل المحتمل، بعد استبعاد البنود التي تمثّل خسائر غير معترف بها والمطالبات على الدولة اللبنانية.

إلى جانب الذهب، يبلّغ مصرف لبنان عن احتياطات أخرى من العملات الأجنبية تُقدَّر بنحو 11.99 مليار دولار. وبمجملها، تتجاوز القيمة الإجمالية للذهب واحتياطات العملات الأجنبية والأصول السائلة الأخرى 52 مليار دولار، مقارنةً بالتزامات مصرف لبنان المعلَنة تجاه المصارف التجارية، والبالغة 83.62 مليار دولار.

هذا التباين هو ما يحدد معالم الفجوة المالية التي يُفترض لعملية إعادة هيكلة القطاع المصرفي أن تعالجها، بما في ذلك من خلال قانون الفجوة المالية الذي طال انتظاره. ومنذ عام 2019 احتسبت الخطط الحكومية المتعاقبة الذهب ضمن أصول مصرف لبنان عند تقدير هذه الفجوة، على الرغم من أن القانون رقم 42 لسنة 1986 يمنع السلطات من اعتبار الذهب أصلاً قابلاً للاستخدام الفوري.

عند صياغة قانون الفجوة المالية، اعتمد واضعو السياسات فقط على احتياطيات العملات الأجنبية لتحديد المبلغ الذي يمكن ضمانه فوراً لكل حساب مصرفي على المدى القصير، ووضعوا الحد الأقصى عند 100,000 دولار. إلا أنه تم التعامل مع الذهب باعتباره ركيزة أساسية لملاءة مصرف لبنان على المدى الطويل، حيث يدعم الالتزامات التي من المتوقع أن يفي بها تجاه المودعين الكبار بعد معالجة ثغرة الميزانية العمومية.

بيع «الإوزة الذهبية»

في أوائل 2025 اقترح معهد التمويل الدولي، وهو اتحاد عالمي للمؤسسات المالية، خارطة طريق ذات سبعة أركان بهدف معالجة انهيار لبنان. ركزت هذه الخطة جزئياً على تسييل احتياطيات الذهب لدى مصرف لبنان، وأشارت إلى أن الذهب، بفضل ارتفاع أسعاره، أصبح أكبر أصول لبنان السيادية القابلة للاستخدام لا سيما مع تراجع احتياطيات النقد الأجنبي بشكل حاد في السنوات الأخيرة.

يدعو معهد التمويل الدولي إلى بيع حوالي 100 طن من الذهب في عام 2026 بقيمة تقارب 15 مليار دولار، وتوجيه العائدات إلى البنوك التجارية لتسديد الودائع الصغيرة على أقساط شهرية على مدار عام. كما توصي الخطة باستثمار 16 مليار دولار أخرى من الذهب في الخارج لتحقيق عائد سنوي يتراوح بين 5 و6% مما سيساعد في الوفاء بالالتزامات المستقبلية.

إن تسييل احتياطيات مصرف لبنان لتوفير سيولة دولارية قصيرة الأجل يعني التخلي عن أصل استراتيجي تتزايد قيمته وأهميته.

إلا أن هذا المنطق يتعارض مع السلوك الحالي للبنوك المركزية في جميع دول العالم، والتي دأبت على زيادة حيازاتها من الذهب بدلاً من تصفيتها. ففي الفترة ما بين شهري تموز وأيلول فقط، اشترت البنوك المركزية في 220 طناُ إضافياُ من الذهب بزيادة قدرها 28% مقارنة بالربع السابق، مما يعكس تزايد الشكوك حول هيمنة الدولار على المدى الطويل كعملة احتياطية. وقد انخفضت حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية إلى حوالي 56.3% وهو أدنى مستوى من أكثر من ثلاثة عقود. وعززت التوترات الجيوسياسية، وزيادة استخدام الولايات المتحدة للعقوبات المالية كأداة للسياسة الخارجية، وميل واشنطن نحو ضعف الدولار، دور الذهب كأداة للتحوط.

وبالتالي، فإن تسييل احتياطيات مصرف لبنان لتوفير سيولة دولارية قصيرة الأجل يعني التخلي عن أصل استراتيجي تتزايد قيمته وأهميته. كما سيخسر لبنان فرصاً محتملة للربح إذا استمرت الأسعار في الارتفاع، وهو سيناريو يعتبره العديد من كبار المستثمرين مرجحاً: في استطلاع حديث صادر عن غولدمان ساكس لأكثر من 900 عميل مؤسسي، توقع ما يقرب من 70% منهم أن يرتفع سعر الذهب أكثر بحلول نهاية عام 2026، مع توقع أكثر من الثلث أن تتجاوز الأسعار 5000 دولار للأونصة في العام المقبل.

التأجير والاستثمار والدعاء أن يؤتي ذلك ثماره

تركزت مقترحات أخرى حول تأجير الذهب أو إيداعه لدى شركات استثمار أجنبية، أو ربطه بمشتقات مالية يمكن أن تدر عوائد للدولة. قبل تعيين حاكم مصرف لبنان الحالي كريم سعيّد، قال القائم بأعمال الحاكم والنائب الأول الحالي وسيم منصوري أن مشروع تأجير الذهب جاهز للتنفيذ ولا ينتظر سوى قيادة جديدة للانطلاق. تم تجميد هذه الفكرة في انتظار صدور قانون الفجوة المالية، لكنها لا تزال تظهر في النقاشات السياسية والإعلامية. في الواقع، قبل أن يصبح كريم سعيّد حاكماً لمصرف لبنان في آذار 2025، قامت شركته السابقة “جروث جيت” بتكليف ودعم دراسة من هارفارد في عام 2023 أوصت بالاستفادة من احتياطيات الذهب في لبنان كأصل وطني استراتيجي لتسهيل الانتعاش المالي دون تصفية كاملة.

إلا أن هذا المسار ينطوي على مخاطر قانونية وسياسية واقتصادية جسيمة. فأي تأجير أو استثمار في الخارج سيخضع الاحتياطيات لقوانين ومحاكم الدول المضيفة، تماماً كما هو الحال مع ثلث ذهب لبنان المودع في الخارج، ما يفتح الباب أمام مصادرة هذه الاحتياطيات أو اتخاذ إجراءات قانونية ضدها في حال تخلف الدولة أو مصرف لبنان عن السداد مجدداً بعد إعادة الهيكلة. ومن المرجح أن تكون العوائد المتوقعة من هذه العمليات متواضعة مقارنة بحجم هذه المخاطر.

أما على الصعيد المحلي، فإن ضعف الحوكمة والممارسات غير الشفافة لمصرف لبنان قد تجعل العقود المعقدة المرتبطة بالذهب أكثر تعقيداً وأكثر عرضة للاستحواذ من قبل النخب. حتى العمليات الأساسية كالتدخلات في سوق الصرف الموازي، لا تزال تفتقر إلى الشفافية في الإبلاغ ناهيك عن الرقابة البرلمانية. وفي ظل هذه الظروف، فإن إضافة هياكل المشتقات أو ترتيبات تأجير الذهب على المدى الطويل قد يشجع على إبرام صفقات غير شفافة، وربما استغلالية، ويعرض الاحتياطيات لمخاطر الطرف المقابل إذا واجهت المؤسسات المالية الأجنبية نفسها ضغوطًا أو أزمات.

هناك فكرة ثالثة نوقشت جنباً إلى جنب مع مسودة قانون الفجوة المالية، وهي إصدار سندات طويلة الأجل مدعومة بالذهب لتعويض كبار المودعين بدلاً من إعادة أموالهم نقداً. نظرياً، قد يؤدي ربط هذه الأدوات بذهب مصرف لبنان إلى رفع قيمتها السوقية بمرور الوقت، ما يسمح للمودعين الأثرياء باسترداد جزء أكبر من خسائرهم ويمنحهم الحق في المطالبة بالاحتياطيات المرهونة إذا لم يلتزم المصرف بسداد السندات عند استحقاقها.

الإبقاء على الذهب لدى مصرف لبنان في المستقبل المنظور قد يحوّله إلى ضمانة مشتركة لتغطية مجمل الالتزامات المتبقية في ميزانية المصرف، بدل أن يبقى شبكة أمان خاصة لفئة ضيقة من الدائنين.

تكمن المشكلة الأساسية في العدالة. فمثل هذا النظام سيُنشئ طبقة من المودعين لها امتيازات وضمانات من الدرجة الأولى، بينما تُجبر الغالبية العظمى على قبول أقساط طويلة الأجل بعملة محلية متراجعة القيمة. ومع تآكل القيمة الحقيقية للمدفوعات العادية بفعل التضخم، قد يتمكن حاملو السندات المرتبطة بالذهب من الحفاظ على ثرواتهم أو حتى تنميتها عن طريق تداول هذه الأدوات بأسعار مرتفعة، ما قد يُرسخ التسلسل الهرمي نفسه الذي أدى إلى الأزمة المالية أساساً.

الطريق الأكثر عدالة للتصرف بذهب لبنان

الإبقاء على الذهب لدى مصرف لبنان في المستقبل المنظور قد يحوّله إلى ضمانة مشتركة لتغطية مجمل الالتزامات المتبقية في ميزانية المصرف، بدل أن يبقى شبكة أمان خاصة لفئة ضيقة من الدائنين. وفي المقابل يمتلك المصرف مجموعة واسعة من الأصول، من بينها عقارات وحصص في شركة طيران الشرق الأوسط وبنك إنترا وكازينو لبنان، يمكن توظيفها كصندوق مشترك يُستخدم لإعادة بناء ملاءة المصرف تدريجياً. أمّا أي ارتفاع مستقبلي في أسعار الذهب، فيجب أن يُسخَّر لتعزيز قدرة المصرف على الإيفاء بالتزاماته تجاه عموم اللبنانيين، لا أن يُخصَّص مجدداً لخدمة أصحاب النفوذ وحدهم.

في المقابل، تنطوي مخططات «تسييل» الأصول الرئيسية المطروحة حالياً، سواء عبر بيع كميات كبيرة من الذهب أو تأجيره لمؤسسات أجنبية أو تخصيص أدوات مالية مدعومة بالذهب لكبار المودعين، على نقل فعلي لتكلفة الفجوة المالية إلى الدولة وبالتالي إلى المواطنين اللبنانيين. إذ إنّ استخدام الأصول السيادية الاستراتيجية لإعادة ملء ميزانيات المصارف يتيح للنخبة السياسية المصرفية (نفسها التي هندست انهيار 2019 واستفادت منه) الحفاظ على ثرواتها في الخارج، مع تحميل خسائرها على الموارد العامة العائدة للأجيال الحالية والمستقبلية. أما عملياً، سيؤدي هذا المسار إلى تكريس ما يمكن تسميته بالخطة الظلية في العلن: خصخصة المكاسب وتعميم الخسائر، وترسيخ الإفلات من العقاب في صلب بنية التعافي في البلاد.

وما يزيد من حدة هذا الخطر تعقيد السياق السياسي. فبينما يستعد البرلمان لمناقشة وتعديل قانون الفجوة المالية، يتزايد الضغط من النخب المالية المحلية والمسؤولين الدوليين (بما فيهم المبعوثة الأمريكية مورغان أورتاغوس) الذين شككوا علناً في اتفاق صندوق النقد الدولي والإصلاحات التي ينص عليها. هذا التقارب في المصالح يدفع لبنان إلى الاعتماد على الذهب وغيره من أصول الدولة بدلاً من مواجهة إفلاس القطاع المصرفي عبر الاعتراف بالخسائر ومساءلة من سبب الأزمة. فإن تهميش الإصلاحات الهيكلية لصالح تصفية الأصول لن “يحل” الأزمة بل سيعيد صياغتها: حماية المسؤولين عن الأزمة، وتفاقم المخاطر الأخلاقية في شؤون المال، ثم دخول دوامة جديدة من الإقراض المتهور والمضاربات بمجرد انحسار العاصفة الحالية.

إن نتائج هذه الخيارات واضحة تماماً. فالمسارات التي تُصفي الذهب أو ترهنه لتعويض كبار المودعين أو إعادة رسملة البنوك تُركز الحماية في أيدي النخبة، بينما تُترك عامة الناس ليتحملوا التضخم وتدهور الخدمات وتآكل ما تبقى من حماية الدولة. أما المسار الذي يُحافظ على الذهب كضمانة طويلة الأجل لملاءة مصرف لبنان المركزي، يُبقي الباب مفتوحاً أمام استخدام المكاسب المستقبلية من هذا الأصل للوفاء بالالتزامات بشكل أكثر عدلاً بين المودعين والمواطنين، لا سيما إذا اقترن ذلك بإطار لاسترداد الودائع تدريجياً يعطي الأولوية لصغار المودعين على حساب قيمة ما تملكه البنوك أو ما أرسلته إلى الخارج خلال الأيام الأولى للأزمة المالية.

أما إذا استُهلك ذهب لبنان اليوم لإنقاذ من هرّبوا ثرواتهم إلى الخارج، فإن الأزمة الراهنة لن تعود مجرّد حادثة تاريخية بل ستتحوّل إلى قرار متعمّد للسماح لطبقة فاسدة بالخروج سالمة، ورهن آخر احتياطي استراتيجي للبلاد لمصلحتها. وأخيراً، الإبقاء على الذهب كضمانة مشتركة لا يمحو الضرر القائم، لكنه يضع حدّاً لتأبيد الانهيار عبر تسوية يدفع فيها عموم اللبنانيين ثمناً مضاعفاً، بينما يُمنح من أغرقوا النظام قوارب النجاة.

الآراء الواردة هنا آراء المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة آراء معهد السياسات البديلة أو فريق التحرير.

المواضيع ذات الصلة