كان من الممكن منع تخلف لبنان غير المنضبط عن سداد 31.3 مليار دولار من سندات اليوروبوند السيادية في مارس (آذار) 2020، لكن كما هو الحال مع العديد من المآسي الوطنية، فإن الحالة انفجرت نتيجة لما هو معتاد عليه ما بين الجشع الشخصي وعدم الكفاءة الصريحة، بالإضافة إلى الجهات الأجنبية التي أدى تلاعبها لتدمير القطاع المصرفي.
ومع توفر بيانات جديدة، واستعداد بعض الأطراف المشاركين للتحدث بشكل مباشر، أصبحت تتوفر تخلف لبنان عن سداد 1.2 مليار دولار من سندات اليوروبوند في 16 مارس (آذار) 2020، وعلى الرغم من أن الجميع كان على دراية بذلك، فإن هذه الجملة المخادعة والبسيطة لا تقترب من نقل الصورة الحقيقية للمأساة التي حلت بالبلد، كما أنها لا تكشف عن أي من الأحداث التي أدت إلى اتخاذ هذا القرار المصيري، والذي يمكن القول إنه بالنظر إلى ديون لبنان الكبيرة لم يكن من الممكن تجنّبه، ولكن بالتأكيد كان من الممكن اتخاذه بطريقة منظمة.
علاوة على ذلك، فإن الحقيقة الواضحة والمتمثلة بأن لبنان لم يكن قادراً على سداد القروض المالية لا تخبرنا شيئاً عن عدم الكفاءة الصادمة لوزير المالية علي حسن خليل الذي قرر مشاركة مذكرة سرية حول إعادة هيكلة الديون قبل أكثر من عام من التخلف عن السداد، ليس مع موظفيه، ولكن مع الصحافة، مما دفع وكالة موديز إلى إطلاق تخفيض فوري للتصنيف الائتماني للبنان، وتعليق جهود العلاج المتأخرة فعلياً.
كما أنها فشلت في التعبير بشكل كامل عن قسوة وجشع البنوك اللبنانية قبل وبعد التخلف عن السداد بدفع من الإدارة العليا وكبار المودعين – وكلاهما متعطش للمال للفرار من أزمة وطنية متفاقمة – حيثُ لم تتردد البنوك في بيع سندات اليوروبوند لجهات أجنبية، مدركة جيداً أن القيام بذلك من شأنه أن يضعف بشدة الموقف التفاوضي للحكومة ويعيق احتمالية إعادة هيكلة الديون.
لقد افترضت معظم وسائل الإعلام منذ فترة طويلة أن “عمليات البيع الكبيرة” كانت قد بدأت فقط في أوائل عام 2020، لكن الآن أصبح من الواضح أن البنوك اللبنانية باعت بالفعل ما يصل إلى 1.2 مليار دولار من السندات الأوروبية للجهات الأجنبية بين شهري يناير (كانون الثاني) وأكتوبر (تشرين الأول) 2019. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد تم بيع 3.5 مليار دولار أخرى من السندات الأوروبية بين انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 و16 مارس (آذار) 2020، وهو يوم التخلف عن السداد، لكن حتى في تلك الفترة لم يكن الأمر ليتوقف على ذلك.
فقد واصلت البنوك اللبنانية عملية البيع بقوة بعد التخلف عن السداد، حيث أفرغت 1.4 مليار دولار أخرى من السندات الأوروبية قبل نهاية العام، ويعتقد أن البنوك المحلية باعت في المجموع أكثر من 6.1 مليار دولار من سندات اليوروبوند، وهو ما يمثل قرابة 40% مما تدين به قبل أن تصل مذكرة سرية بشأن إعادة هيكلة الديون إلى وزير المالية (حسن خليل)، الذي اعتقد أنه من الجيد استيعابها من خلال قراءتها مباشرة لمراسل الصحيفة اللبنانية. وبشكل لا يصدق كان مصرف لبنان المركزي مشاركاً في هذه الفضيحة، على الرغم من أن حاكم مصرف لبنان رياض سلامة كان يدرك جيداً أن لبنان كان يعاني من نقص خطير في الدولار الأميركي، وأن إعادة هيكلة الديون عادت إلى جدول الأعمال السياسي، لكن سلامة أصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 على دفع سند بقيمة 1.5 مليار دولار، بالإضافة إلى 632 مليون دولار من الفوائد.
وكان استخفاف مصرف لبنان المستمر بالآثار السلبية لعمليات بيع سندات اليورو المتسارعة للجهات الأجنبية خلال الأشهر التي تلت عملية البيع، وتوجهه لمناشدة صانعي السياسة الحكوميين، مثل رئيس الوزراء الجديد عديم الخبرة حسان دياب بأن “تسرّب” الدولار الأميركي الثمين سيكون ضئيلاً، وهو ما ظهر بتوجه مصرف لبنان لبيع حوالي 700 مليون دولار من سندات اليورو بعد التخلف عن السداد، الأمر الذي أدى إلى إضعاف موقف الحكومة اللبنانية التفاوضي، في الوقت الذي حصل سلامة وعائلته على ملايين الدولارات من العمولات السرية.
ونتيجة لذلك، لم يعد لبنان سيداً على مصير ديونه، حيث تمتلك الجهات الأجنبية أكثر من 17 مليار دولار من سندات اليوروبوند اللبنانية، وتدعو هذه الجهات إلى ممارسة حق النقض (الفيتو) في 40% من جميع سندات اليوروبوند في البلاد، من بينها ما يسمى بـ”الصناديق الانتهازية” التي تشتري ديوناً متعثرة، غالباً ما تكون أقل بكثير من القيمة السوقية، وليس لها مصلحة في أي إعادة هيكلة سليمة للديون على المستوى الوطني، كما تسعى إلى استرداد “المبلغ الكامل للسندات“، بالإضافة إلى الفائدة، التي غالباً ما تكون من خلال استنزاف التقاضي.
علاوة على ذلك، يمكن لحاملي سندات اليورو من الجهات الأجنبية المجادلة بأن بعض العمليات التي شارك فيها مصرف لبنان منذ مارس (آذار) 2020 لا يمكن اعتبارها وظائف مصرفية مركزية تقليدية، إذ إنه إذا استمر استخدام مثل هذه الحجج في المحكمة، فقد تتعرض أموال وممتلكات مصرف لبنان – بما في ذلك احتياطيات الذهب اللبنانية التي تقدر بنحو 17 مليار دولار – للمصادرة من قبل الجهات الأجنبية. قد تبدو جملة “تخلف لبنان عن السداد في 16 مارس (آذار) 2020″ بسيطة، لكنها لا تنصف عالم المعاناة والخيانة الذي تخفيه عملية “البيع الكبير“، وهو ما يسلط هذا التحقيق الضوء عليه، بتحليله لستة نقاط بارزة يكشف فيها عن تفاصيل ما حدث منذ ذلك اليوم المشؤوم وحتى وقتنا الراهن.
اهتزاز ”بيت الأوراق“
ربما بدا تخلف لبنان السيادي عن سداد ديونه وانهيار الأنظمة المالية والاقتصادية في البلاد احتمالاً بعيداً بالنسبة لمعظم اللبنانيين في ليلة رأس السنة الجديدة لعام 2018، لكن بعض المصرفيين والمسؤولين الحكوميين رؤوا أخيراً أن عبء الديون الذي لا يصدق للبلاد، كان أحد أسوأ أعباء العالم الاقتصادية منذ فترة طويلة، وأن هذا الخطر الواضح والقائم الذي أصبح عليه “بيت الأوراق” يمكن أن يسقط دولة لبنان.
ومع أخذ تخلف لبنان عن سداد ديونه في عين الاعتبار، قام مستشار وزارة المالية طلال سلمان، وهو الشخص المسؤول عن ملف اليوروبوند في لبنان، بوضع مذكرة مفصلة بشأن إعادة هيكلة “منظمة” لالتزامات ديون لبنان المتزايدة بسرعة، ووضع المذكرة بعد الانتهاء من إعدادها على مكتب وزير المالية المؤقت علي حسن خليل في 9 يناير (كانون الثاني) 2019.
لكن من سوء حظ لبنان، فإن خليل يُعرف عنه أنه يملك إلماماً ضعيفاً في القضايا الاقتصادية، ويمكن القول إن هذا الضعف سيضر لبنان في ذلك اليوم بالفعل، وأكثر من أي يوم آخر خلال فترة ولايته التي استمرت لست سنوات، ووفقاً لسلمان، فإن خليل تجاهل العنوان الأحمر الواضح “سري للغاية“، وفضل قراءة الأجزاء الرئيسية لمراسل صحيفة الأخبار اللبنانية اليومية، بدلاً من مناقشة المذكرة مع موظفيه.
وعلى حد وصف مجلة الإيكونوميست في تقرير صدر بعد بضعة أيام من حديث خليل مع صحيفة الأخبار، فإن “خليل قام بعمل سيئ بشكل لا يصدق عندما أخبر [المراسل] أن بلاده مستعدة للتخلف عن السداد“، فقد أشار خليل في حديثه لصحيفة الأخبار بالقول: “صحيح أن الوزارة تعد خطة للتصحيح المالي تتضمن إعادة هيكلة للدّين العام، لكننا لم نفصح عن هذه الخطة لأحد“.
إلا أن تصريحات خليل التي أحدثت ضجة على المستوى الدولي، أثبتت في غضون أيام من صدورها بأنها ستكون مكلفة، فقد خفضت وكالة موديز تصنيف الديون اللبنانية بشكل أكبر، وتبع ذلك ثلاث تخفيضات أخرى في تصنيف الوكالة ذاتها، أي قبل ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، مما حد بشكل كبير من قدرة البلاد على إرسال خطابات ائتمان للتجارة وإصدار ديون جديدة. ولعلّ الأهم من ذلك كان أمام الجمهور من خلال الحفاظ على “ربط العملة المحلية” بالدولار الأميركي، وهو الأمر الذي حافظ على استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي لأكثر من عقدين من الزمن.
لقد أثبتت تصريحات خليل أنها ستكون أكثر تكلفة من حيث إبطاء الجهود المتأخرة بالفعل لإعادة هيكلة ديون لبنان المتضخمة.
موضحاً بالقول: “لقد فقدنا شهوراً ثمينة“، وتابع مضيفاً: “بعد المقابلة، كان الجميع – وخاصة السياسيين – أكثر نفوراً من المخاطرة حتى لاستكشاف الحاجة إلى التغيير، وبدلاً من العمل بهدوء لوضع خطة والتوصل إلى إجماع سياسي، خرجت القضية عن السيطرة“.
ربما كانت هذه اللحظة من أسوأ لحظات الإخفاق في سداد الديون اللبنانية، إذ إنه عند النظر للسنوات السابقة فإن “الهندسة المالية” اللبنانية سيئة السمعة الآن كانت قد عانت من زيادة كبيرة بحلول عام 2019، حيث يعمل مصرف لبنان والمصارف اللبنانية المحلية معاً لتقديم شروط لم يسمع بها أحد لأي شخص يساهم بإدخال دولارات إضافية إلى المصارف.
وأوضح آلان بيفاني، الذي كان المدير العام لوزارة المالية في ذلك الوقت، أن “بعض البنوك كانت تدفع بالفعل 20 في المائة زائد على الدولار“، وأضاف قائلاً: “كانت بعض البنوك تطرحها للاكتتاب العام، وكان العديد منها يأخذ دولاراً جديداً واحداً قادماً من الخارج ويودع 2.5 دولار أو أكثر في الحساب المصرفي الذي يقابله، وقد أنشأ النظام مبالغ كبيرة من الدولارات المحلية في النظام من خلال عمليات الصرف على سندات اليوروبوند والفوائد العالية جداً المدفوعة محلياً على الدولار“.
وبحلول عام 2019، لم يكن لبنان جديراً بالائتمان لمدة أربع سنوات على الأقل، وكما نعلم الآن، وفقاً لتقرير مسرب، عندما بدأ مصرف لبنان حملة الهندسية المالية في عام 2016، كان صندوق النقد الدولي قد أبلغ مصرف لبنان بأنه حدد فجوة تزيد عن 4.7 مليار دولار في احتياطياته (لم يتم إصدار التقرير رسمياً أبداً بعد احتجاجات سلامة).
لكن ذلك لم يقف عند هذا الحد، فقد كانت هناك العديد من التحذيرات الأخرى خلال الأشهر التي سبقت ثورة 17 أكتوبر (تشترين الأول)، حيث لم تتمكن وزارة المالية من بيع سندات اليوروبوند الجديدة في السوق الرئيسية لما يقرب عامين، في حين أن العديد من البنوك المحلية قامت بتخفيض القيمة الفعلية لأصولها القديمة. وبحلول الصيف، كانت بعض البنوك تقيّد التحويلات إلى الخارج وتحد من السحوبات النقدية بالدولار، ومع تذبذب ربط العملة الأميركية أخيراً كانت إشارات السوق واضحة: وصلت المشاكل الهيكلية في لبنان بشكل سريع إلى نقطة خطرة.
وعلى الرغم من معرفة أن إعادة هيكلة الديون قيد المناقشة، وأن مبيعات سندات اليوروبوند للجهات الأجنبية ستضر بأي جهد حكومي للتفاوض على شروط جديدة، فإن بعض البنوك اللبنانية كانت قد قررت قبل وقت طويل من ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) أن بياناتها المالية معلقة، وأنه حان الوقت لبدء الخروج من مخطط “الهندسة المالية” لمصرف لبنان.
وفيما افترضت العديد من وسائل الإعلام في وقت لاحق أن عمليات بيع لبنانية لسندات اليوروبوند كانت قد بدأت تقريباً منذ يناير (كانون الثاني) من عام 2020، فإن بعض البنوك اللبنانية باعت بالفعل ما يقرب من 1.2 مليار دولار للجهات الأجنبية بين شهري يناير (كانون الثاني) وسبتمبر (أيلول) 2019، وبحسب مجموعة البيانات الصادرة عن مصرف لبنان، فإنه خرج ما يصل إلى 1.7 مليار دولار من الأيادي المحلية بنهاية عام 2019.
رئيس الوزراء حسان دياب يكافح من أجل فهم الكارثة ويأمل أن يتمكن رياض سلامة من إنقاذ الوضع
بحلول الوقت الذي تمكن فيه حسان دياب أخيراً من تشكيل حكومة وتولي منصب رئيس الوزراء في 21 يناير (كانون الثاني) 2020، كان لبنان قد خسر ثلاثة أشهر ثمينة بسبب الفراغ الوزاري، وكان على بعد ستة أسابيع فقط من الاضطرار إلى دفع 1.2 مليار دولار من سندات اليوروبوند المستحقة في مارس (آذار). وكما أدرك العديد من مستشاري دياب، فإن الجهات الأجنبية المختلفة التي اشترت مئات الملايين من الدولارات من سندات اليوروبوند في يناير (كانون الثاني) لم تؤد فقط إلى تآكل الموقف التفاوضي للحكومة الجديدة بشكل كبير، فضلاً عن تعقّد الجهود المبذولة لتحديد من يمتلك على الفور 29 من مختلف سندات اليوروبوند التي تمتد حتى عام 2035، ويتعيّن إعادة هيكلة كل منها بمعدل موافقة قدره 75%، على النحو الذي تقتضيه لغة عقد سندات اليوروبوند غير المؤاتية في لبنان.1Lebanon’s Eurobond contracts don’t provide for a “collective action clause” (CAC) that would allow the state to negotiate the terms of debt restructuring all at once but instead require an issue-by-issue vote of these terms with 75% consent. According to Abousleiman and supported by Salman, as early as December 2015, Abousleiman and Finance Ministry staff had strongly recommended that Lebanon adopt the CAC, “but the Minister of Finance at the time did not forward this proposal to the Council of Ministers.” As a result, the CAC was never added to Lebanon’s Eurobonds, greatly impeding its position later on ahead of the default. ↓
ومع ذلك كان هناك مشاكل أكثر إلحاحاً، إذ إنه على الرغم من تواجد إجماع سياسي بحلول أواخر يناير (كانون الثاني) على ضرورة وجود نوع من التخلف عن السداد، إلا أن دياب كان لديه فهم محدود فيما يخص المسائل المالية، مما أدى إلى مزيد من التأخير في مواجهة العاصفة المتجمعة، وذلك وفقاً لاثنين من مستشاريه الذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، صُدم دياب عندما علم أن الأمر لا يتعلق فقط بدفع سندات اليوروبوند المستحقة، كما كان يتعين تسديد مدفوعات الفائدة التي يبلغ مجموعها أحياناً مئات الملايين من الدولارات الأميركية كل شهر، ولإرباكه لا علاقة لسندات اليوروبوند بعملة اليورو.
ولعل الأكثر إشكالية من ذلك، أن دياب خسر أسابيع ثمينة في الاستماع إلى مرافعات سلامة المضللة بشكل متزايد بأنه لا يزال هناك الكثير من الأموال للوفاء بالتزامات ديون لبنان، وأن أي مدفوعات بالدولار الأميركي سيتم الاحتفاظ بها في الغالب داخل لبنان، ووفقاً لمستشاريه، كان متردداً أيضاً في إصدار تفويض تاريخي يتخلف بموجبه لبنان عن سداد ديونه، وذلك على أمل أن تنجح تحذيراته للبنوك المحلية المتعلقة بإعادة شراء سندات اليوروبوند التي باعتها سابقاً.
فقد كان دياب يدرك بالتأكيد أن سلامة حاول دون جدوى تقديم مقايضات في آجال استحقاق أطول لبعض حاملي سندات اليوروبوند المحليين في نهاية 2019 وأوائل 2020 لتجنّب التخلف عن السداد في مارس (آذار)، وقد فشلت هذه المناشدات، حيث رفضته البنوك مفضلة جني أموال جديدة من خلال تفريغ مليارات السندات الأوروبية بأسعار أكثر فائدة (وإن كانت منكمشة) للشركات الأجنبية التي بدت واثقة من أن لبنان سيفي بالتزاماته.
وبحسب ما ذكر بنك جي بي مورغان في 15 يناير (كانون الثاني) 2020 فإنه: “من بين الأسباب التي قد تجعل البنوك غير منضمة إلى مجلس الإدارة هو أن الأوراق النقدية التي تستحق التداول في مارس [آذار] عند 87 سنتاً، هو أعلى بكثير من سعر ديون لبنان طويلة الأجل، والتي يتم تداول معظمها بأقل من 50 سنتاً“.
إذ إنه لم تردع إخفاقات سلامة السابقة مع البنوك المحلية في ظروف ملاءمة أكثر، وذلك على الرغم من توفر البيانات في فبراير (شباط) والتي تظهر “تسرّب” النقود المتزايد للجهات الأجنبية، كما أن دياب لم يتخذ الخطوات الحاسمة الأولى نحو التخلف عن السداد حتى نهاية الشهر، وكان هذا أيضاً عندما أدرك أن سلامة خدعه، وأن أعضاء حكومته قد لا يكونوا موثوقين أيضاً.
ووفقًا لوزيرة العدل آنذاك ماري كلود نجم ودياب نفسه، فإنه في صباح يوم 26 فبراير (شباط) أرجأ مجلس الوزراء دفع الفائدة الشهرية على سندات اليوروبوند اللبنانية (71 مليون دولار) حتى تم اتخاذ قرار نهائي بشأن سندات اليوروبوند المستحقة بقيمة 1.2 مليار دولار بعد ذلك بأسبوع ونصف. ومع ذلك، بينما كانت الحكومة تعد بياناً صحفياً بهذا المعنى، فوجئ العديد من الوزراء والمستشارين الحكوميين بمعرفة أن مصرف لبنان قد دفع بالفعل تحويل سويفت (SWIFT) لدفع الفائدة، لتعزيز تأكيداته المتكررة بالدفع، خاصة للصناديق الأجنبية مثل أشمور، كما ألغى سلامة بالفعل قراراً حكومياً من خلال التحرك بسرعة وممارسة السلطة والعلاقات السياسية التي أقامها كأطول فترة خدمة لحاكم مركزي في العالم.
وبحسب ما أوضح وزير سابق طلب عدم الكشف عن هويته فإن “وزير المالية [غازي] وزني [هو الذي] وقع على [تحويل] سويفت“، مشيرًا إلى أن الزعيم السياسي لوزني (رئيس مجلس النواب نبيه بري) كان في المرحلة النهائية من الموافقة على عملية السداد، وهو ما أوضحه بقوله: “على الرغم من إننا اتفقنا على عدم القيام بذلك، إلا أنه فعل ذلك على أي حال مع سلامة!”، ولم يرد وزني على طلباتنا للتعليق، بينما أصر متحدث باسم مصرف لبنان على أن وزير المالية هو فقط الذي يمكنه الموافقة على تحويلات سويفت للأموال من حساب الوزارة في مصرف لبنان.
سلامة مكشوف والتخلف غير المنضبط أمر لا مفر منه
التقى دياب وسلامة وأكثر من 20 مسؤولاً حكومياً وممثلي البنوك والمستشارين الوزاريين في السراي لاتخاذ القرار أخيراً في 2 مارس (آذار)، وذلك قبل سبعة أيام فقط من موعد استحقاق السندات الأوروبية الثلاثة، وقدم سلمان ومستشارون حكوميون آخرون البيانات التي تم تداول معظمها لأسابيع، والتي أثبتت أن سلامة كان باستمرار يقلل من شأن تسرب الدولار الأميركي إلى الخارج من خلال فوائد السندات الأوروبية والمدفوعات الأصلية، وكذلك يقلل من تمثيله.
واستشهد المجتمعون بتقرير مصرف لبنان الذي تم توفيره لبعض المسؤولين، حيث كشف المسؤولون أنه من بين 2.5 مليار دولار من السندات المستحقة في الأشهر القليلة المقبلة، كان هناك 477 مليون دولار فقط مملوكة للمصارف اللبنانية، وأنه تم الاحتفاظ بأقل من 239 مليون دولار من هذا المبلغ في إطار نظام المقاصة في لبنان، وفيما احتفظت المصارف اللبنانية بالباقي في “فروع أجنبية ستتلقى مدفوعات من دولارات الولايات المتحدة في الخارج، فإن مصرف لبنان قدّر أن أكثر من 90% من مدفوعات سندات اليورو الثلاثة القادمة لعام 2020 ستحول الأموال إلى الخارج، وأن 6 مليارات دولار على الأقل من حيث المبدأ ومدفوعات الفائدة ستذهب إلى الحسابات الأجنبية على مدار الـ21 شهراً القادمة“.2Additionally, because Lebanon’s Eurobond contracts are “cross-triggering,” defaulting on one Eurobond puts all of the country’s US$31.3 billion in Eurobonds in arrears. By holding majorities in just the first three maturing Eurobonds in 2020 – i.e. March (US$1.2 billion), April (US$0.7 billion), and May (US$0.8 billion) – Ashmore and Fidelity therefore exercised even greater leverage in negotiations than their actual stakes. ↓
لقد حاصرت شركتي أشمور وفيديليتي، على وجه الخصوص، السوق فعلياً من أجل “إطلاق” سندات اليوروبوند لعام 2020، حيث اكتسبت أشمور وحدها أكثر من 25% من حصص الحظر في سندات اليورو الثلاثة، بينما تآمر مزيج معروف ولكنه خطر من المصرفيين اللبنانيين المهتمين بأنفسهم، والقادة اللبنانيين غير المستعدين والجادين والجهات الأجنبية والمربحين على دفع البلاد نحو أسوأ الخيارات: التخلف عن السداد بشكل غير منظم.
أعلنت حكومة دياب في 7 مارس (آذار) 2020 أنها لا تستطيع دفع 1.2 مليار دولار من سندات اليوروبوند المستحقة في الأيام المقبلة، مما أدى إلى تخلف عن سداد جميع السندات السيادية اللبنانية البالغة 31.3 مليار دولار. وفيما لن تكون أخر خطوة حاقدة له، أرسل سلامة في 9 مارس (آذار) إلى مكتب دياب موجزاً ببيانات مصرف لبنان التي طلبتها الحكومة لأسابيع، ومن بين الإفصاحات الأخرى، اعترف سلامة بأنه لم يتبق لديه سوى 22.8 مليار دولار من الاحتياطيات الأميركية، مما يدل على أنه كان يخفي فعلياً خسائر كبيرة في مصرف لبنان لسنوات – ربما أكثر من 60 مليار دولار – مع مجموعة من من حيل المحاسبة والتشويش.
الفجوة تكبر مع بيع المزيد من سندات اليوروبوند
استمرت البنوك اللبنانية في عملية بيع المزيد من سندات اليوروبوند بعد مارس (آذار) 2020، وذلك على الرغم من الضرر الناجم عن بيع تلك السندات للجهات الأجنبية قبل التخلف عن السداد، فقد تم بيع ما يقرب من 1.4 مليار دولار من السندات الأوروبية منذ أبريل (نيسان) 2020 حتى نهاية العام ذاته، وفقًا لمصرف لبنان، ونتيجة لذلك، نعلم الآن أن البنوك اللبنانية باعت أكثر من 6.1 مليار دولار من السندات الأوروبية للأجانب من 1 يناير (كانون الثاني) 2019 حتى اليوم، وهو ما يمثل قرابة 40% من المبلغ المملوك لهذه البنوك ليلة رأس السنة لعام 2018.
ولعل أكثر ما يضعف لبنان هو أنه تم بيع ما يصل إلى 4.9 مليار دولار من قبل البنوك اللبنانية للجهات الأجنبية خلال العامين ونصف العام الماضيين منذ بداية الأزمة اللبنانية، وهو ما يمثل 31% من جميع سندات اليوروبوند المملوكة للبنوك المحلية في الفترة التي سبقت ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، والنتيجة المدمرة لهذا الانتقال الضخم إلى الخارج قد تتجاوز بكثير استحواذ أشمور وفيديليتي على سندات اليورو الثلاثة “المثيرة” في عام 2020.
ولعل أكثر ما يضعف لبنان هو أنه تم بيع ما يصل إلى 4.9 مليار دولار من قبل البنوك اللبنانية للجهات الأجنبية خلال العامين ونصف العام الماضيين منذ بداية الأزمة اللبنانية، وهو ما يمثل 31% من جميع سندات اليوروبوند المملوكة للبنوك المحلية في الفترة التي سبقت ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول)، والنتيجة المدمرة لهذا الانتقال الضخم إلى الخارج قد تتجاوز بكثير استحواذ أشمور وفيديليتي على سندات اليورو الثلاثة “المثيرة” في عام 2020.
من المحتمل أن سلامة حصل على ملايين الدولارات من خلال توجيه مصرف لبنان لبيع ما يقدر بنحو 700 مليون دولار من ممتلكاته من سندات اليوروبوند، ووفقًا لإحصاءات بنك أميركا، فإنه منذ أن قدمت شركة شقيقة سلامة (رجاء سلامة) فوري أسوشيتس (Forry Associates) عمولة على بيع كل سندات اليوروبوند الخاصة بمصرف لبنان، كما ورد على نطاق واسع منذ تسريب عقد فوري أسوشيتس في عام 2021، قد مكّن الشقيقان سلامة من الحصول على مئات الملايين من الدولارات عن طريق العمولات خلال الـ20 سنة الأخيرة.
كما حدث على مدار السنوات السابقة، فإن فشل لبنان في التعامل مع مشاكله بشكل عقلاني وسريع لا يؤدي إلا بدفعه إلى المزيد من التخبط، والواقع أن لبنان أصبح الآن أقل قدرة بكثير للدفاع عن موجوداته المتبقية من الدائنين بسبب الطريقة التي تصرف بها مصرف لبنان خلال الأزمة الطويلة، ومثلما حذر العديد من المحللين الماليين اللبنانيين علناً، فإنه يمكن لحاملي سندات اليوروبوند أن يجادلوا بأن بعض العمليات التي انخرط فيها مصرف لبنان منذ مارس (آذار) 2020، وخاصة دعمه لبعض الشركات التجارية، علماً أنها ليست من الأدوات التقليدية لمصرف لبنان.
إذا نجحت هذه الحجج في محاكم نيويورك حيث يجب رفع مثل هذه الدعاوى، فإن أموال وممتلكات مصرف لبنان، بما في ذلك الذهب اللبناني (الذي تقدر قيمته بأكثر من 17 مليار دولار)، ستُجرد من الحماية السيادية وستصبح عرضة للمصادرة، علاوة على ذلك، فإن نجاح أي صفقة لصندوق النقد الدولي عرضة للخطر الآن بسبب شبح المفاوضات مع حاملي السندات من الجهات الأجنبية، بالنظر إلى أن حجر الزاوية في أي برنامج لصندوق النقد الدولي هو القدرة على تحمل الديون.
إن التخلف عن سداد سندات اليوروبوند ليس سوى حلقة واحدة في ملحمة طويلة الأمد من المأساة المالية في لبنان، حيث تم بيع المستقبل المالي للبنان إلى أولئك الأقل استفادة من عملية تعافي القطاع المالي، وبينما لا يمكن عكس تلك اللحظة، إلا أنها تمثل تحذيراً صارخاً من أن المصرفيين اللبنانيين وعناصر تمكينهم لا يزالون بحاجة إلى المحاسبة على ما قد يكون أحلك ساعة مالية في البلاد.
نيكولاس نو: هو المؤسس المشارك لموقع Mideastwire الذي يتخذ من بيروت مقراً له، يمكن متابعة نيكولاس على تويتر عبر الحساب NoeNicholas@.
Footnotesالهوامش
- 1Lebanon’s Eurobond contracts don’t provide for a “collective action clause” (CAC) that would allow the state to negotiate the terms of debt restructuring all at once but instead require an issue-by-issue vote of these terms with 75% consent. According to Abousleiman and supported by Salman, as early as December 2015, Abousleiman and Finance Ministry staff had strongly recommended that Lebanon adopt the CAC, “but the Minister of Finance at the time did not forward this proposal to the Council of Ministers.” As a result, the CAC was never added to Lebanon’s Eurobonds, greatly impeding its position later on ahead of the default. ↩︎
- 2Additionally, because Lebanon’s Eurobond contracts are “cross-triggering,” defaulting on one Eurobond puts all of the country’s US$31.3 billion in Eurobonds in arrears. By holding majorities in just the first three maturing Eurobonds in 2020 – i.e. March (US$1.2 billion), April (US$0.7 billion), and May (US$0.8 billion) – Ashmore and Fidelity therefore exercised even greater leverage in negotiations than their actual stakes. ↩︎
