بعد سبعة أشهر على سقوط بشار الأسد، تواجه الحكومة الانتقالية في سوريا ما يمكن اعتباره أخطر تحدٍّ لها حتى الآن. لم يتوقع أحد أن الانتقال السياسي في سوريا سيكون سلساً، إلا أن المجازر الأخيرة في السويداء كشفت عن سياسة داخلية تسعى إلى تركيز السلطة في المركز وتهدد بانهيار البلاد ما لم تقدم حكومة الرئيس أحمد الشرع مصالح جميع السوريين فوق شهيتها للهيمنة. وهذه لن تكون مهمة يسيرة.
فمنذ البداية ورثت حكومة الرئيس الشرع دولةً تعاني من تفكك مؤسساتي حاد وانعدام في الثقة، وإرث ثقيل من التوترات الطائفية. ورغم تكرار الخطاب عن “بداية جديدة” لسوريا، عزز الدستور الانتقالي الصادر في آذار تركّز السلطة في يد رئاسة الجمهورية في دمشق. وحذّرت منظمة هيومن رايتس ووتش من أن هذا الترتيب “يمنح الرئيس صلاحيات كبيرة… بدون أي ضوابط أو رقابة”، ما يمثل استعادة مقلقة لهيمنة السلطة التنفيذية في عهد الأسد، وإن كانت مغلّفة بلغة ثورية هذه المرة.
هذا التركّز في السلطة لا يقتصر على البُعد الرمزي، بل يحمل تبعات مباشرة على مكوّنات المجتمع السوري كافة. أما بالنسبة للأقليات من علويين ومسيحيين ودروز، وحتى بعض السنّة المعتدلين، تعني هذه الاستمرارية في النهج السلطوي استمرار الهشاشة المؤسساتية. وبعد المجزرة الوحشية التي استهدفت مئات المدنيين العلويين في قرى الساحل السوري في آذار الماضي، والتي وقعت تحت أنظار قادة ميليشيات باتوا اليوم يتمتعون بشرعية رسمية داخل الجيش، جاءت مذبحة العائلات الدرزية في السويداء لتعمّق خيبة الأمل لدى الأقليات. وما بدأ كنزاع محدود النطاق، سرعان ما تحوّل إلى عنف مفتوح بعد تدخل القوات الحكومية بالقوة بدلاً من وساطة ذات مصداقية.
ورغم أن السويداء، الموطن التاريخي للطائفة الدرزية ذات الحكم الذاتي نسبيأً، كانت من الداعمين الأوائل لتغيير نظام الأسد، إلا أن تطلعات هذه الجماعة سرعان ما هُمِّشت بعد سقوط النظام. فقد جرى إقصاء الشيخ حكمت الهجري – الزعيم الروحي للطائفة – واستبعاده من النقاشات الدستورية. كما قوبلت دعواته المتكررة لضمانات ملزمة لحقوق الأقليات بالتجاهل، ما يكشف خواء الخطاب الرسمي حول سوريا شاملة وجامعة لكل السوريين.
