آلاف السوريين في لبنان يواجهون احتجازاً بلا سقف زمني، في زنازين لا تقوم على الحديد والخرسانة وحدهما، بل أيضاً على خلل قضائي وحسابات جيوسياسية. وقد تحوّل هؤلاء السجناء مؤخراً إلى محور للتوترات بين بيروت ودمشق مع سعي الحكومتين الجديدتين إلى إعادة صياغة علاقتهما. بعضهم محتجز منذ أكثر من عشر سنوات من دون تهمة رسمية أو محاكمة، فيما يقضي آخرون أحكاماً تشير منظمات حقوقية ومحامون إلى أنّها صدرت إثر انتهاكات للإجراءات القانونية الواجبة أو نتيجة تدخلات سياسية، أو بناءً على اعترافات انتُزعت تحت التعذيب. وهناك من أُدين فعلاً بارتكاب جرائم، لكنّ الجميع يواجه الظروف نفسها: فإن السجون اللبنانية مكتظة إلى حدّ خطير وتعجز عن توفير أبسط الحاجات الأساسية مثل الغذاء والرعاية الصحية.
إن نهج السلطات السورية القائم على تصنيف كل معتقل باعتباره «سجين رأي» لا يقل إشكالية عن تعميم السلطات اللبنانية التي تعتبرهم جميعاً مجرمين خطرين أو إرهابيين. والعدالة الحقيقية تستوجب تقييماً فردياً لكل حالة استناداً إلى أدلّة فعلية. فمن يثبت تورطه في الإرهاب يجب أن يُعاقَب وفقاً للقانون، ومن تثبت براءته يجب إخلاء سبيله. غير أنّ النظام القضائي اللبناني أخفق على مدى أكثر من عقد في احترام هذه المبادئ الجوهرية، ما أسفر عن إجهاض جماعي للعدالة.
ومع سعي الحكومة اللبنانية الجديدة إلى شقّ مسار إصلاحي للبلاد، يشكّل ملف السجناء السوريين اختباراً حاسماً: هل سيغدو لبنان دولة تحترم الإجراءات القانونية الواجبة والوصول العادل والسريع إلى القضاء واستقلالية السلطة القضائية؟ أم أنّ نظامه القضائي سيبقى عالقاً عند تقاطع الانتهاكات الممنهجة والخلل البنيوي والتدخل السياسي، واللامبالاة بالسَّجن التعسفي؟ إنّ قصة آلاف السوريين الذين انتهوا في السجون اللبنانية تكشف عن آليات تُطيل أمد الاحتجاز إلى أجل غير معلوم وتُبقيهم في حالة غموض قانوني، كما تُظهر الثقل الجيوسياسي الذي اكتسبته هذه القضية خلال العام الماضي وحجم المخاطر التي يواجهها نظام العدالة اللبناني في ظل علاقة هشة مع دمشق.
كيف يفسَّر العدد الكبير من السوريين في سجون لبنان؟
مع تصاعد الانتفاضة السورية عام 2011 إلى حرب أهلية دخل مئات الآلاف من السوريين ــ من مدنيين ومقاتلين على حد سواء ــ إلى لبنان. وسرعان ما ارتفع عدد السوريين في السجون اللبنانية. وبينما لا يزال العدد الإجمالي غير واضح فإن التقديرات تشير إلى أنّ نحو ألفي سوري يقبعون اليوم خلف القضبان. ويندرج المعتقلون عموماً في ثلاث فئات: متّهمون بالتورط في النزاع السوري أو في امتداداته داخل لبنان، ومستهدفون بسبب انتماءاتهم السياسية، وملاحَقون بتهم جنائية عادية.
