تواجه سوريا أدقّ امتحان لها منذ انهيار نظام الأسد. فبعد أشهر من المفاوضات الأمنية مع إسرائيل تعثّر هذا المسار مؤخراً، ما دفع إسرائيل إلى الانتقال فجأة من الدبلوماسية إلى الإكراه والتهديد المباشر لسيادة سوريا واستقرارها.
في 19 تشرين الثاني وصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، دون إعلان مسبق، إلى جنوب سوريا الخاضع للاحتلال الإسرائيلي برفقة وزير دفاعه وكبار المسؤولين الأمنيين ورئيس أركان الجيش. تجوّل في مواقع إسرائيلية قرب قرية حضر الدرزية في استعراض للهيمنة. أدان المسؤولون السوريون الخطوة واعتبروها «انتهاكاً خطراً للسيادة» لكن لم تكن لدى دمشق خيارات حقيقية للرد. وفي اليوم التالي ثبّتت إسرائيل هذه الرسالة في الجو إذ حلّقت طائراتها الحربية في عمق الأجواء السورية دون أي اعتراض، ودارت فوق دمشق ووصلت حتى اللاذقية. بالنسبة للسوريين، كانت الإشارة واضحة: إسرائيل عازمة على صياغة البنية الأمنية لما بعد الأسد بما يلائم مصالحها عبر التفاوض أو عبر القوة.
في إطار المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، استثمرت إسرائيل تفوقها العسكري لفرض شروط قصوى: اتفاق سلام شامل يكرّس هيمنتها العسكرية على مناطق واسعة من جنوب سوريا بذريعة الحفاظ على أمنها. يسعى الرئيس السوري أحمد الشرع وفريقه التفاوضي (وقد ضاقت خياراتهم) إلى ترتيبات أمنية انتقالية وإلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي استولت عليها منذ كانون الأول 2024. في المقابل، تلوّح واشنطن بالجزرة في مواجهة العصا الإسرائيلية، عارضةً على حكومة الشرع الجديدة الاعترافَ والدعمَ الاقتصادي الذي تحتاج إليه بشدة، مقابل اصطفافها مع المنظومة الأمنية الإقليمية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة. النتيجة المرتقبة ستحدّد مسار سوريا لسنوات مقبلة.
يتناول هذا التحليل كيف تحوّل جنوب سوريا إلى محور للاستراتيجيات الإقليمية المتصارعة، والآليات التي سعت من خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في سوريا والضغوط التي تواجهها القيادة السورية الجديدة بين المطالب الخارجية والقيود الداخلية. إضافة إلى تداعيات المناطق العازلة المقترحة على السيادة ووحدة التراب السوري والاستقرار طويل الأمد. تكشف هذه الديناميكيات مجتمعةً عن رهانات المواجهة الحالية: هل تستطيع سوريا أن تناور داخل الهامش الضيق بين استقرار قريب المدى والنضال المستمر لاستعادة السيادة على أرضها وحدودها ومستقبلها السياسي؟
منظومة أمنية إقليمية جديدة بمرجعية أمريكية
حتى أواخر العام الماضي، كان الشريط الحدودي بين إسرائيل وسوريا خاضعاً لاتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974 التي أرست وقفاً لإطلاق النار عقب حرب تشرين عام 1973. ثمّ في كانون الأول 2024 أي بعد خمسين عاماً – أطاح أحمد الشرع وتنظيمه «هيئة تحرير الشام» بنظام الأسد، ليُعلن نتنياهو بعد ذلك أن اتفاقية 1974 أصبحت باطلة ولاغية بحجّة عدم وجود طرف سوري يمكنه تنفيذها.
تلت ذلك حملة قصف إسرائيلية مكثّفة قضت على القدرات العسكرية للجيش السوري وقواته الجوية والبحرية، ودمّرت قواعد ومستودعات أسلحة في مختلف أنحاء البلاد. كما سيطرت القوات الإسرائيلية سريعاً على المنطقة العازلة بين البلدين البالغة مساحتها نحو 240 كيلومتر مربع وفرضت سيطرتها على الجانب السوري من الحدود من القنيطرة حتى جبل الشيخ. وفي خضم هذه العمليات صرّح نتنياهو بوضوح أن إسرائيل «تمدّ يد السلام» إلى الدروز السوريين وهم أقلية متأصّلة في محافظة السويداء جنوب البلاد.
وسعت القوات الإسرائيلية نطاق سيطرتها في عمق الأراضي السورية بذريعة الحاجة إلى منع تهريب السلاح وملء الفراغ الأمني الذي خلّفه انهيار الجيش السوري، لتشمل ما يقارب 700 كيلومتر مربع وصولاً إلى مسافة لا تتجاوز 20 كيلومتراً عن دمشق. وفي تموز 2025 وبعد اندلاع اشتباكات في السويداء بين قوات الأمن الحكومية والسكان المحلّيين، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات قرب القصر الرئاسي في دمشق. سوريا المنهَكة من حرب أهلية دامت قرابة 15 عاماً، وحكومتها الجديدة المنشغلة بحاجات تعافٍ هائلة، لم تكن في موقع يتيح لها الردّ عسكرياً. وبالتالي رسّخت إسرائيل معادلة ردع جديدة وسيطرة فعلية على المجالين الجوي والبري في جنوب سوريا.
رأى صانعو القرار في واشنطن، وهم يراقبون الفوضى التي أعقبت سقوط الأسد، فراغات أمنية واسعة في أنحاء سوريا، وخشوا من أن تمتد حالة عدم الاستقرار عبر حدود البلاد. وفي إطار ردّها، دعمت إدارة ترامب سلسلة اجتماعات أمنية وسياسية غير مسبوقة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بهدف إعادة تشكيل النظام الأمني في منطقة بلاد الشام.
بدأ هذا المسار في باريس مطلع شباط 2025 بحسب ما أفاد مسؤول سوري طلب عدم الكشف عن هويته. وقد شمل لقاءً بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، برعاية فرنسية-أمريكية مشتركة وبالتنسيق مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك. ركّزت هذه الجولة من المحادثات المباشرة – وهي الأولى بين الدولتين المتجاورتين منذ عقود – على تثبيت الاستقرار في جنوب سوريا ومنع التصعيد في الجولان وتنظيم الحدود السورية-الأردنية.
تركّزت جولة ثانية عُقدت في باكو في وقت لاحق من ذلك الربيع على قضايا استخباراتية مرتبطة بتهريب السلاح في الجنوب، وعلى ترسيم الحدود غير الرسمية بين نطاق النفوذ الإسرائيلي ونطاق نفوذ السلطات السورية الجديدة. ورغم تأطيرها كـ «مشاورات أمنية» فإن جوهر هذه المحادثات كان سياسياً بامتياز. فقد جاءت في خدمة هدف واشنطن المتمثّل في إخضاع النظام السوري الجديد وجذبه إلى إطار الاستقرار الإقليمي الذي يرتكز على «اتفاقيات أبراهام».

