المأزق السوري: السيادة المهددة أو الإستقرار الهش.

الولايات المتحدة وإسرائيل تضغطان على دمشق للمقايضة بين السيادة والاستقرار

25 تشرين الثاني، 2025

تواجه سوريا أدقّ امتحان لها منذ انهيار نظام الأسد. فبعد أشهر من المفاوضات الأمنية مع إسرائيل تعثّر هذا المسار مؤخراً، ما دفع إسرائيل إلى الانتقال فجأة من الدبلوماسية إلى الإكراه والتهديد المباشر لسيادة سوريا واستقرارها.

في 19 تشرين الثاني وصل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، دون إعلان مسبق، إلى جنوب سوريا الخاضع للاحتلال الإسرائيلي برفقة وزير دفاعه وكبار المسؤولين الأمنيين ورئيس أركان الجيش. تجوّل في مواقع إسرائيلية قرب قرية حضر الدرزية في استعراض للهيمنة. أدان المسؤولون السوريون الخطوة واعتبروها «انتهاكاً خطراً للسيادة» لكن لم تكن لدى دمشق خيارات حقيقية للرد. وفي اليوم التالي ثبّتت إسرائيل هذه الرسالة في الجو إذ حلّقت طائراتها الحربية في عمق الأجواء السورية دون أي اعتراض، ودارت فوق دمشق ووصلت حتى اللاذقية. بالنسبة للسوريين، كانت الإشارة واضحة: إسرائيل عازمة على صياغة البنية الأمنية لما بعد الأسد بما يلائم مصالحها عبر التفاوض أو عبر القوة.

في إطار المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، استثمرت إسرائيل تفوقها العسكري لفرض شروط قصوى: اتفاق سلام شامل يكرّس هيمنتها العسكرية على مناطق واسعة من جنوب سوريا بذريعة الحفاظ على أمنها. يسعى الرئيس السوري أحمد الشرع وفريقه التفاوضي (وقد ضاقت خياراتهم) إلى ترتيبات أمنية انتقالية وإلى انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي استولت عليها منذ كانون الأول 2024. في المقابل، تلوّح واشنطن بالجزرة في مواجهة العصا الإسرائيلية، عارضةً على حكومة الشرع الجديدة الاعترافَ والدعمَ الاقتصادي الذي تحتاج إليه بشدة، مقابل اصطفافها مع المنظومة الأمنية الإقليمية الجديدة التي تقودها الولايات المتحدة. النتيجة المرتقبة ستحدّد مسار سوريا لسنوات مقبلة.

يتناول هذا التحليل كيف تحوّل جنوب سوريا إلى محور للاستراتيجيات الإقليمية المتصارعة، والآليات التي سعت من خلالها الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة تشكيل البيئة الأمنية في سوريا والضغوط التي تواجهها القيادة السورية الجديدة بين المطالب الخارجية والقيود الداخلية. إضافة إلى تداعيات المناطق العازلة المقترحة على السيادة ووحدة التراب السوري والاستقرار طويل الأمد. تكشف هذه الديناميكيات مجتمعةً عن رهانات المواجهة الحالية: هل تستطيع سوريا أن تناور داخل الهامش الضيق بين استقرار قريب المدى والنضال المستمر لاستعادة السيادة على أرضها وحدودها ومستقبلها السياسي؟

منظومة أمنية إقليمية جديدة بمرجعية أمريكية

حتى أواخر العام الماضي، كان الشريط الحدودي بين إسرائيل وسوريا خاضعاً لاتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974 التي أرست وقفاً لإطلاق النار عقب حرب تشرين عام 1973. ثمّ في كانون الأول 2024 أي بعد خمسين عاماً – أطاح أحمد الشرع وتنظيمه «هيئة تحرير الشام» بنظام الأسد، ليُعلن نتنياهو بعد ذلك أن اتفاقية 1974 أصبحت باطلة ولاغية بحجّة عدم وجود طرف سوري يمكنه تنفيذها.

تلت ذلك حملة قصف إسرائيلية مكثّفة قضت على القدرات العسكرية للجيش السوري وقواته الجوية والبحرية، ودمّرت قواعد ومستودعات أسلحة في مختلف أنحاء البلاد. كما سيطرت القوات الإسرائيلية سريعاً على المنطقة العازلة بين البلدين البالغة مساحتها نحو 240 كيلومتر مربع وفرضت سيطرتها على الجانب السوري من الحدود من القنيطرة حتى جبل الشيخ. وفي خضم هذه العمليات صرّح نتنياهو بوضوح أن إسرائيل «تمدّ يد السلام» إلى الدروز السوريين وهم أقلية متأصّلة في محافظة السويداء جنوب البلاد.

وسعت القوات الإسرائيلية نطاق سيطرتها في عمق الأراضي السورية بذريعة الحاجة إلى منع تهريب السلاح وملء الفراغ الأمني الذي خلّفه انهيار الجيش السوري، لتشمل ما يقارب 700 كيلومتر مربع وصولاً إلى مسافة لا تتجاوز 20 كيلومتراً عن دمشق. وفي تموز 2025 وبعد اندلاع اشتباكات في السويداء بين قوات الأمن الحكومية والسكان المحلّيين، شنّ سلاح الجو الإسرائيلي غارات قرب القصر الرئاسي في دمشق. سوريا المنهَكة من حرب أهلية دامت قرابة 15 عاماً، وحكومتها الجديدة المنشغلة بحاجات تعافٍ هائلة، لم تكن في موقع يتيح لها الردّ عسكرياً. وبالتالي رسّخت إسرائيل معادلة ردع جديدة وسيطرة فعلية على المجالين الجوي والبري في جنوب سوريا.

رأى صانعو القرار في واشنطن، وهم يراقبون الفوضى التي أعقبت سقوط الأسد، فراغات أمنية واسعة في أنحاء سوريا، وخشوا من أن تمتد حالة عدم الاستقرار عبر حدود البلاد. وفي إطار ردّها، دعمت إدارة ترامب سلسلة اجتماعات أمنية وسياسية غير مسبوقة بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين، بهدف إعادة تشكيل النظام الأمني في منطقة بلاد الشام.

بدأ هذا المسار في باريس مطلع شباط 2025 بحسب ما أفاد مسؤول سوري طلب عدم الكشف عن هويته. وقد شمل لقاءً بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر، برعاية فرنسية-أمريكية مشتركة وبالتنسيق مع المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك. ركّزت هذه الجولة من المحادثات المباشرة – وهي الأولى بين الدولتين المتجاورتين منذ عقود – على تثبيت الاستقرار في جنوب سوريا ومنع التصعيد في الجولان وتنظيم الحدود السورية-الأردنية.

تركّزت جولة ثانية عُقدت في باكو في وقت لاحق من ذلك الربيع على قضايا استخباراتية مرتبطة بتهريب السلاح في الجنوب، وعلى ترسيم الحدود غير الرسمية بين نطاق النفوذ الإسرائيلي ونطاق نفوذ السلطات السورية الجديدة. ورغم تأطيرها كـ «مشاورات أمنية» فإن جوهر هذه المحادثات كان سياسياً بامتياز. فقد جاءت في خدمة هدف واشنطن المتمثّل في إخضاع النظام السوري الجديد وجذبه إلى إطار الاستقرار الإقليمي الذي يرتكز على «اتفاقيات أبراهام».

واشنطن تعرض الحوافز وإسرائيل تملي الشروط الأمنية، بينما دمشق تفاوض من موقع ضعف بين حاجتها إلى الاستقرار وخشيتها من التفريط بالسيادة.

وفي هذا السياق، التقى الرئيس أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الرياض في 14 أيار، في خطوة شكّلت إعلاناً سياسياً رسمياً للعلاقة الجديدة. ضغط ترامب على دمشق للانخراط في «عملية سلام» إقليمية، مقابل تخفيف تدريجي للعقوبات، واعتراف دولي بالحكومة السورية الجديدة، وحزمة دعم اقتصادي عبر البنك الدولي وصناديق خليجية. ومنذ ذلك الحين، استقرت مقاربة واشنطن تجاه سوريا على معادلة واضحة: تعاونٌ أمني مقابل انفراج اقتصادي، وخفضٌ التصعيد مقابل الشرعية.

وساهمت دبلوماسية أسعد الشيباني اللاحقة في تعزيز هذا المسار. فقد سافر إلى واشنطن في حزيران لمناقشة العقوبات؛ وعقد مباحثات في لندن حول مسودة الاتفاق الأمني الإسرائيلي؛ وشارك في اجتماع بباريس لتثبيت وقف إطلاق النار في السويداء ومراجعة أجزاء من اتفاقية فكّ الارتباط لعام 1974. وقد وضعت هذه الجولات اللبنات الأولى لمسار تفاوضي معقّد تداخلت فيه الملفات العسكرية والاقتصادية والسياسية تحت استراتيجية واحدة تقودها الولايات المتحدة.

لم تكن تلك الاجتماعات محادثات حدودية تقنية فحسب. لقد فتحت الباب لإعادة تحديد موقع سوريا داخل النظام الإقليمي الآخذ بالتشكّل، حيث مثّل المسار الأمني الواجهة العلنية لمشروع أعمق يهدف إلى دمج سوريا في شبكة من المصالح الأمريكية-الإسرائيلية عبر خطوات متدرجة تبدأ بترتيبات الحدود ولا تنتهي عند حدود التطبيع الضمني. وهكذا باتت المفاوضات الأمنية بين سوريا وإسرائيل تجسيداً مصغراً لتوازن القوى الجديد في المنطقة: واشنطن تعرض الحوافز وإسرائيل تملي الشروط الأمنية، بينما دمشق تفاوض من موقع ضعف بين حاجتها إلى الاستقرار وخشيتها من التفريط بالسيادة.

 

الترتيب الأمني المقترح بين سوريا وإسرائيل

خلال اجتماع منتصف أيلول بين أسعد الشيباني ورون ديرمر، تبلورت الخطوط العامة للمقترح الأمني الإسرائيلي. فقد قدّمت إسرائيل خطة مفصّلة لترتيب أمني جديد في جنوب سوريا، يُعيد صياغة اتفاقية فكّ الارتباط لعام 1974 ويوسّع نطاقها إلى ما بعد خط وقف إطلاق النار في الجولان، متوغّلًا أعمق داخل الأراضي السورية تحت شعار «الضمانات الميدانية» و«منع التهديدات المستقبلية».

الأهم أن العمليات العسكرية الإسرائيلية منذ كانون الأول 2024 منحت تل أبيب كامل عناصر القوة، تاركةً الجيش السوري في حالة تفكك وعاجزةً دمشق عن تأمين حدودها. وبذلك طرحت إسرائيل صيغة لا تضمن مكاسبها في الجولان فقط، بل تمدّ نفوذها أبعد بكثير عبر أربع مناطق أمنية متدرّجة تُضيّق نطاق السيادة السورية كلما اقتربت من الحدود:

1. المنطقة الصفراء (محتلة فعليّاً): تمتدّ على طول الشريط الحدودي، وتشمل نقاط مراقبة في جبل الشيخ وأجزاء من القنيطرة، تحت سيطرة أمنية إسرائيلية مباشرة مع وحدات استطلاع دائمة وأنظمة إنذار مبكر.

2. المنطقة الزرقاء (فصل القوات): تطابق شريط فكّ الارتباط لعام 1974 لكن مع رقابة دولية أقوى تشمل مشاركة أمريكية-بريطانية، وحظراً صارماً على وجود القوات العسكرية الثقيلة لدى الجانبين.

3. المنطقة الحمراء (منزوعة السلاح): تمتدّ حتى 25 كيلومتر داخل سوريا، وتمنع دخول الوحدات القتالية السورية أو الأسلحة المتوسطة والثقيلة، لكن دون فرض قيود مماثلة على إسرائيل، ما يحوّلها إلى منطقة عازلة مصممة بالكامل وفق متطلبات الأمن الإسرائيلي.

4. المنطقة الخضراء (حظر الطيران): تشمل معظم درعا والسويداء وتمتدّ إلى أطراف ريف دمشق، مع حظر كامل للطيران العسكري السوري ووضع المنطقة تحت إشراف استخباراتي مشترك أمريكي-إسرائيلي.

قدّمت إسرائيل هذا الإطار بوصفه آلية لمنع «أي تهديد عابر للحدود». لكن في واقع الأمر يحاكي هذا النموذج الترتيبات الأمنية في سيناء المنصوص عليها في اتفاقيات كامب ديفيد، مع فارق جوهري: سوريا لن تستعيد أيّاً من أراضيها المحتلّة، ومع ذلك يُطلب منها قبول ترتيبات تنتقص من عمق سيادتها مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية محدودة للغاية.

وتزايد الجدل حول بند «الاعتراف السياسي المتبادل»، الذي يفترض أن تعترف إسرائيل رسمياً بحكومة أحمد الشرع بوصفها السلطة الشرعية الوحيدة في سوريا. ويرى كثيرون في دمشق أن الأمر غير مسبوق: قوة أجنبية تمنح شرعية لحكومةٍ تسيطر عسكرياً على جزء من أراضيها.

بالنسبة لدمشق فإن قبول مثل هذه الشروط يعني توقيع نسخة جديدة من اتفاقية 1974 دون تحقيق أي نصر أو استعادة أي أرض.

في مجملها، عكست المقترحات نية واضحة لتثبيت نظام ما بعد الحرب، لا عبر تسوية سياسية بل من خلال ترتيبات أمنية طويلة الأمد تحوّل جنوب سوريا إلى «منطقة رمادية» تُجرّد دمشق فعلياً من سيادتها. ورغم تقديمها كإجراءات تهدف إلى تحقيق الاستقرار، فإن من شأن هذه الخطوات إعادة رسم الحدود الداخلية لسوريا وتحويل الجنوب إلى نطاق أمني تُديره واشنطن وتل أبيب بصورة غير مباشرة.

أما بالنسبة لدمشق فإن قبول مثل هذه الشروط يعني توقيع نسخة جديدة من اتفاقية 1974 دون تحقيق أي نصر أو استعادة أي أرض. فقد كان «السلام الأمني» المقترح أشبه باستسلام ضمني.

 

استقبال الشرع في واشنطن

شكّلت زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى واشنطن مطلع هذا الشهر نقطة تحوّل جيوسياسية. فالعلاقات الأمريكية-السورية كانت لعقود علاقة عدائية صاغتها سياسات نظام الأسد وتحالفاته الإقليمية. أمّا لقاء الشرع بالرئيس دونالد ترامب فجعله أول رئيس سوري يُدعى رسمياً إلى البيت الأبيض. وقد رسّخ اجتماع الزعيمين قنوات اتصال مباشرة بين دمشق وواشنطن، وكشف عن استعداد متبادل لاعتماد مقاربة أكثر براغماتية في طيف واسع من الملفات، من مكافحة الإرهاب إلى التنمية الاقتصادية وإعادة الإعمار وصولاً إلى القضية الأكثر حساسية: مستقبل جنوب سوريا ووضع الجولان المحتل.

وفي ما يتصل بالنقطة الأخيرة، قال الشرع لصحيفة واشنطن بوست بعد لقائه ترامب إنه لن يقبل «اتفاق سلام شامل مع إسرائيل». وطرح عوضاً عن ذلك خيار «الترتيبات الأمنية المؤقتة» فيما يتعلق بضبط الحدود وإدارة جنوب سوريا. كان هذا التمييز بين اتفاق سلام دائم وتدابير أمنية انتقالية محاولة مقصودة للموازنة بين ضغوط سياسية متعارضة: فمن جهة كان على الشرع أن يُظهر لواشنطن استعداده للانخراط في المفاوضات، ومن جهة أخرى فإنه لم يكن قادراً على الظهور كمن يرضخ لمطالب إسرائيل القصوى تجنّباً لتداعيات داخلية، خاصة من الفصائل الأكثر تشدّداً داخل قاعدته الموالية لهيئة تحرير الشام.

عقب اجتماع واشنطن استؤنفت المحادثات السورية-الإسرائيلية، مع ضغط مكثّف من المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك لدفع العملية إلى الأمام. وأصرّ الشرع على أن أي اتفاق يجب أن يوازي اتفاق فكّ الاشتباك لعام 1974 وألا يعني تطبيعاً مع إسرائيل أو انضماماً لاتفاقيات إبراهيم. غير أن وزارة الخارجية السورية أشارت إلى أن المسودة الجاري إعدادها تأتي ضمن «سلسلة من الاتفاقات التي سيجري إبرامها مع الجانب الإسرائيلي».

الشرخ بين السويداء وسوريا

السويداء من أكثر مناطق الجنوب حساسية، ليس فقط لوقوعها ضمن المناطق الأمنية الأربع المقترحة بل لأن الديناميكيات المحلية والاجتماعية والجيوسياسية مجتمعةً تُعيد تشكيل النقاش حول مستقبل الأمن والحوكمة فيها. ورغم أن زعماء الدروز لطالما حافظوا على قدر من الاستقلالية عن الدولة المركزية، فإن المزاج العام في المحافظة (قبل انفجار أحداث تموز 2025) لم يتجه نحو الانفصال أو إقامة كيان ذاتي. فقد بقيت الروابط المحلية بالدولة قائمة حتى مع شعور شرائح واسعة بأن الدولة قصّرت في حمايتهم، لا سيما مع عجز الأجهزة الأمنية عن منع عمليات الخطف وقطع الطرق على طريق السويداء-دمشق.

تصاعد العنف على نحو كبير ومفاجئ في تموز، إذ اندلعت اشتباكات واسعة بين قبائل بدوية مدعومة من قوات أمنية حكومية وميليشيات درزية محلية. نُهبت قرى درزية عديدة، كما استُهدِف عدد أقل من الأحياء البدوية. قُتل المئات وجُرح الآلاف ونُزح عشرات الآلاف. وردّاً على ذلك لجأ الكثير من السكان إلى التسلّح دفاعاً عن النفس، بحثًا عن أي حماية بعد أن تلاشت ثقتهم بالدولة المركزية. وفي الأشهر التي تلت، حدّ وقف إطلاق نار هشّ برعاية أمريكية وأردنية من تجدّد المواجهات الكبرى، رغم أن العديد من القرى الدرزية المحيطة بمركز المحافظة ما زالت خاضعة لسيطرة قوات حكومية.

أفرزت مواجهات تموز سلسلة ردود من إسرائيل. بادر دروز إسرائيل مباشرة بعد الأحداث إلى دعم أبناء طائفتهم في سوريا، مستخدمين شبكات غير رسمية لإرسال الأموال ومواد الإغاثة إلى السويداء، فيما أرسلت الحكومة الإسرائيلية قوافل مساعدات رسمية. وخلال القتال استهدفت القوات الجوية الإسرائيلية قافلة عسكرية سورية كانت متجهة نحو المحافظة. أما التحول الأعمق والأكثر استمرارية – وفق مصادر محلية – فتمثّل في تقديم دعم مالي ولوجستي كبير لاثنتين من أكبر الميليشيات الدرزية في السويداء: قوات الحرس الوطني ومنظومة عين النسر.

ورغم تباين آراء الأهالي حول مستقبل المحافظة، فإن أحداث هذا الصيف نسجت مشهداً معقّدًاً ومتعدد المستويات. فقد تحوّلت السويداء (من بين أمور أخرى) إلى مقياس لقدرة الدولة على إدارة علاقتها مع المجتمعات المحلية وتعزيز حضورها الأمني في الجنوب. وهي اليوم عنصرٌ محوري في أي مقاربة أمنية مقبلة: إسرائيل تنظر إليها من زاوية حماية مرتفعات الجولان، والولايات المتحدة تتعامل معها كاختبار لمدى قدرة دمشق على حكم جنوب البلاد، فيما تراها الدولة السورية جزءاً من عملية إعادة تعريف علاقتها بالبنى المحلية.

أصبحت المسألة الدرزية مقياساً لقدرة الدولة على إدارة الهويات المحلية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب.

وفي هذا السياق عملت الولايات المتحدة والأردن على وضع خارطة طريق مشتركة لخفض التصعيد في السويداء، تتضمّن دمج بعض المجموعات المحلية في مؤسسات الأمن الداخلي وتنظيم انتشار السلاح غير المرخّص. غير أن المقترح الإسرائيلي الأخير قلب الموازين، إذ بدا وكأنه ينقل الملف من مسار سوري-أمريكي-أردني إلى مسار إقليمي أوسع يُصاغ إلى حدّ كبير من خارج سوريا.

وهكذا أصبحت المسألة الدرزية مقياساً لقدرة الدولة على إدارة الهويات المحلية ضمن ترتيبات ما بعد الحرب، فيما تستخدمها إسرائيل لخلق منطقة رمادية لا تخضع تماماً لسلطة دمشق ولا تُعدّ جبهة مواجهة مباشرة، ما يجعل السويداء ساحة رئيسية للتفاعل السوري-الإسرائيلي في المرحلة المقبلة.

هامش المناورة الضيّق أمام الشرع

يواجه الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع مهمة دقيقة لإيجاد توازن صعب. فهو يدرك أن أي مفاوضات مع إسرائيل، حتى وإن اقتصرت على الشقّ الأمني، سيتم اعتبارها في الداخل السوري كخرق لسياسة راسخة قائمة على حماية السيادة الإقليمية ومقاومة الاستعمار الصهيوني. لكنه في الوقت نفسه يرى في هذه المفاوضات فرصة لانتزاع اعتراف دولي بحكومته وتخفيف العزلة السياسية والاقتصادية التي تواصلت منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024.

ويجد الشرع نفسه بين مطرقة الضغط الأمريكي المتصاعد، والذي يربط المساعدات المالية وتخفيف العقوبات بإحراز تقدم أمني ملموس في جنوب سوريا، وسندان معارضة داخلية قوية (شعبية وبيروقراطية على السواء) ترفض أي خطوة قد تُفهم باعتبارها تطبيعاً مع قوة احتلال.

للخروج من هذا المأزق اعتمد الشرع ما يمكن وصفه بـ«الواقعية الدفاعية»: أي قبول ترتيبات أمنية مؤقتة تُسهم في تثبيت الاستقرار وتمنحه هامشاً لإعادة بناء مؤسسات الدولة، دون تقديم تنازلات سياسية دائمة أو لا رجعة فيها. لكن هذا النهج ينطوي على مخاطر جدّية، إذ يمكن لأي ترتيبات ميدانية أن تتحوّل مع الوقت إلى التزامات سياسية وملزِمة، خصوصاً في ظل غياب برلمان منتخب أو مرجعية دستورية واضحة في مسائل السيادة.

من الناحية القانونية، يثير مشروع الاتفاق أسئلة جدّية حول ما إذا كانت الحكومة الانتقالية مخوّلة أصلاً باتخاذ قرارات تمسّ وحدة أراضي سوريا. فالدستور المؤقت لا يمنح الشرع أو حكومته صلاحية التفاوض على قضايا الحدود أو الدفاع. وقد يشكّل توقيع اتفاق لنزع السلاح من دون موافقة شعبية أو برلمانية انتهاكاً دستورياً ويُنذر بانقسامات سياسية واجتماعية عميقة.

وما يبعث على القلق بالدرجة الأولى أن قبول المناطق العازلة ومنطقة حظر الطيران سيُعيد تدريجياً رسم الحدود الفعلية، ويمنح إسرائيل حرية حركة داخل العمق السوري بذريعة مراقبة الالتزام. وتُظهر السوابق التاريخية (من سيناء إلى جنوب لبنان) أن مثل هذه الترتيبات الأمنية تعزّز عادةً الهيمنة العسكرية للطرف الأقوى بدلًا من الحدّ منها.

وعليه تبدو صيغة «1974 مع إضافات» المقترحة محفوفة بالمخاطر، فهي تُهدّد بتجريد سوريا من حقّها المشروع في الدفاع عن النفس تحت غطاء إدارة مرحلة انتقالية هشة. وعلى الشرع أن يوازن بعناية بين مكاسب الاستقرار القصير الأمد وتبعاته البعيدة على سيادة سوريا ووحدة أراضيها.

 

موازنة السيادة مع الاستقرار

يمثّل المسار الحالي نحو ترتيب أمني بين سوريا وإسرائيل الاختبار الأصعب لطبيعة الدولة السورية الجديدة وهامش استقلال قرارها السياسي. فعلى الشرع أن يوازن بين الضغط الأمريكي لدمج سوريا في منظومة استقرار إقليمي وبين المسعى الإسرائيلي لفرض عمق استراتيجي داخل الأراضي السورية. وتتمثل معضلته في حماية سيادة سوريا دون دفعها إلى العزلة.

قد يوفّر قبول الترتيبات الأمنية المقترحة درجة من الاستقرار القصير الأمد، لكنه يحمل خطر تآكل السيادة تدريجياً وترسيخ نموذج «المناطق المحظورة». أمّا رفضها بالكامل من دون بدائل فهو يفتح الباب أمام مواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل في لحظة داخلية شديدة الهشاشة، بما قد يعرّض النظام الجديد لعزلة خانقة.

وفي المحصلة، لا تستطيع أي حكومة انتقالية إضفاء الشرعية على اتفاقيات تمسّ وحدة الأراضي من دون تفويض شعبي واضح واستفتاء عام. ويُظهر التاريخ أن التنازلات الأمنية لإسرائيل لم تُنهِ العدوان ولم تُنتج سلاماً مستداماً بل أعادت إنتاج حلقات متعاقبة من الهيمنة.

لذلك فإن الخيار الأكثر أماناً لدمشق هو التمسك باتفاقية فكّ الاشتباك لعام 1974 باعتبارها الإطار القانوني الوحيد، مع إبداء استعداد لمراقبة مؤقتة لا تمسّ جوهر السيادة. وفي هذا الإطار سيتحدد مستقبل جنوب سوريا بقدرة دمشق على الموازنة بين تنوّعها الداخلي ووحدة أراضيها، دون أن تتحوّل إلى طرف تابع داخل بنية أمنية صيغت خارج حدودها.

المواضيع ذات الصلة