يقع قطاع النفط والغاز في سوريا في قلب مواجهة قد تحدد ما إذا كان تعافي البلاد بعد الحرب سينجح أم سينزلق إلى تجدد الصراع المسلح.
في شمال شرق البلاد تسيطر قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بقيادة الأكراد على معظم ما تبقى من ثروة البلاد من النفط والغاز. ورغم أن الحرب الأهلية خفضت الإنتاج إلى جزء ضئيل من معدل الإنتاج التاريخي، إلا أن عائداتها لا تزال تمكّن الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا من تمويل مؤسسات مستقلة ومقاومة سلطة دمشق.
الرئيس السوري أحمد الشرع يرى أن قطاع النفط والغاز في البلاد لا غنى عنه لتمويل إعادة الإعمار الوطني وتعزيز مكانة دمشق في إعادة التشكيل الجيوسياسي الجارية في المنطقة. والجدير بالذكر أن تكاليف إعادة إعمار سوريا تُقدر حالياً بـ 216 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لسوريا في عام 2024. وبالتالي فإن استعادة السيطرة على شمال شرق سوريا تشكل هاجساً بالغ الأهمية لحكومة دمشق.
تدخلت واشنطن للتوسط بين الطرفين وضمان وحدة الدولة السورية حفاظاً على الأمن والاستقرار الإقليميين. وفي المقابل اتخذت أنقرة موقفاً أكثر عدائية، ساعيةً إلى منع أي فرصة لظهور منطقة كردية أخرى تتمتع بالحكم الذاتي على طول حدودها، على غرار شمال العراق.
من المرجح أن الفشل في حل الأزمة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية سيؤدي إلى تفاقم أزمات المال والطاقة في سوريا، وإلى تجدد الصراع المسلح وتوسيع التدخل العسكري التركي. هناك حلٌّ محتمل لإنهاء هذه الأزمة يكمن في اتفاقٍ جديد مدعوم من الولايات المتحدة بين بغداد وأربيل وأنقرة لحل النزاع حول صادرات النفط، ويبدو أن هناك خياراً يرضي الطرفين.
بإمكان قوات سوريا الديمقراطية استخراج وبيع كميات كافية من النفط الخام لدعم إدارتها، لكنها وبصفتها جهة دون وطنية بحكم الأمر الواقع، تفتقر إلى رأس المال والتكنولوجيا والوضع القانوني اللازم لإعادة تأهيل الحقول على نطاق واسع أو إبرام عقود معقدة مع شركات النفط الدولية الكبرى القادرة على ذلك. وهذا ما يجعل معظم ثروة المنطقة النفطية المحتملة غير مستغلة. في المقابل تستطيع دمشق توفير هذه الأمور، أي عقود الرسمية وضمانات أمنية وإطار تنظيمي موحد، لكنها تحتاج إلى سيطرة فعلية على الأرض.
المسار الأكثر واقعية للخروج من هذه الدوامة يكمن في إطار تفاوضي تستعيد بموجبه الدولة السورية سلطتها التشغيلية والتعاقدية على حقول النفط بما يؤدي إلى إعادة تأهيلها وزيادة عائداتها من النفط والغاز. في المقابل ستحصل المنطقة الكردية على حصة محددة من الأرباح التي تتجاوز ما تحققه الحقول بمستويات الإنتاج الحالية، ووضع تفاوضي لقوات سوريا الديمقراطية والهياكل المرتبطة بها ضمن إطار وطني. إلا أن جوهر هذه المفاوضات يكمن في حصة عائدات النفط والسيادة المحلية التي سيقبلها كل طرف في علاقتهما المستقبلية.
الانهيار أثناء الحرب كان لصالح السيطرة الكردية
في بداية الحرب الأهلية عام 2011، كانت سوريا من أكبر منتجي الهيدروكربونات في شرق البحر الأبيض المتوسط: حيث بلغ إنتاج النفط الخام حوالي 380 ألف برميل يومياً وشكّل حوالي 35% من إجمالي عائدات الصادرات، واستقطب هذا القطاع كبرى شركات النفط العالمية. ومع تصاعد الحرب فرّت هذه الشركات وفُرضت عقوبات دولية على دمشق، وتعرضت البنية التحتية للنفط والغاز للتلف والإهمال في كثير من الأحيان نتيجة صراع الأطراف المتحاربة للسيطرة عليها. وذكر تقرير صادر عن وزارة النفط والموارد الطبيعية في عهد الأسد أن العقد الأول من الحرب قد ألحق أضراراً بالغة، إذ لحق بقطاع النفط والغاز 100 مليار دولار من الأضرار «المباشرة وغير المباشرة». وبحلول عام 2021 اشارت التقديرات إلى أن مستويات الإنتاج قد انخفضت إلى 86000 برميل يومياً فقط.
منذ أيلول 2017 قامت قوات سوريا الديمقراطية، وهي تحالف مدعوم من الولايات المتحدة يضم ميليشيات كردية وعربية والحليف الرئيسي لواشنطن في حربها ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) بالسيطرة على محافظات الرقة والحسكة الشمالية والشمالية الشرقية، ومعظم دير الزور ومناطق في شمال حلب. وقد مكّن هذا إدارتهم المدنية «الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا» من السيطرة على معظم حقول النفط في المناطق الشمالية الشرقية، حيث تتركز أكثر من 70% موارد النفط والغاز في سوريا، ما حرم الحكومة السورية منها.

