وقد بدأ تنفيذ أجزاء من هذه الرؤية. فالنفط الخام العراقي يُنقل اليوم براً إلى محطة بانياس على الساحل السوري، ليُصدَّر منها عبر البحر المتوسط، بعدما اتفقت دمشق وبغداد في وقت سابق من هذا العام على نقل 500 ألف طن من الوقود شهرياً عبر هذا المسار، بما يتيح لسوريا تحصيل رسوم عبور هي في أمسّ الحاجة إليها. وفي مجال السكك الحديدية أعلنت تركيا والسعودية والأردن خططاً لإنشاء خط يمرّ عبر سوريا ويعيد إحياء سكة الحجاز القديمة كممر لوجستي حديث. ترى أنقرة هذا المشروع جزءاً من خطتَي «طريق التنمية» و«الممر الأوسط» والتي تسعى من خلالهما إلى جعل تركيا ممراً رئيسياً لحركة النقل بين آسيا وأوروبا.
تستفيد أطراف عديدة من هذا الترتيب، فدول الخليج تحصل على بديل يخفّف اعتماد صادراتها الحالي على ممر مائي واحد، وتعزّز تركيا موقعها بوصفها حلقة وصل بين الشرق والغرب، فيما تعيد سوريا تقديم نفسها لا كبلد مدمّر يعتمد على المساعدات الخارجية، بل كمركز عبور لا غنى عنه لجيرانه الإقليميين.
لكن إنشاء مسار يتجاوز مضيق هرمز يفرز أيضاً خاسرين على المستوى الإقليمي. فإيران سيتراجع نفوذها الجيوستراتيجي، وكذلك روسيا نظراً إلى ما سيوفّره هذا المسار من قدر أكبر من أمن الطاقة لأوروبا. كما قد تخسر مصر جزءاً من رسوم العبور التي تجنيها من قناة السويس. ولذلك، سيكون للدول الثلاث ما يدفعها إلى السعي لإفشال مشروع تحويل سوريا إلى مركز إقليمي للنقل والعبور.
العقبات: الجزيرة وإسرائيل
لكن الطموح بتحويل سوريا إلى ملتقى إقليمي للطرق والممرات يواجه بدوره عقبات قد تبدّد هذه الرؤية. وتقع أولى هذه العقبات شرق الفرات في منطقة الجزيرة السورية، وهي الساحة الأكثر قابلية لإثارة الخلاف داخل الشراكة التركية السورية. فمنذ أكثر من عقد، تسيطر قوى كردية مسلّحة وهياكل الحكم المرتبطة بها على الجزيرة، وهي منطقة تضمّ حصة كبيرة من ثروات سوريا النفطية والغازية والزراعية وتشكل في الوقت نفسه بوابتها البرية إلى العراق والخليج.
تعمل الدولة السورية اليوم على توسيع حضورها هناك تدريجياً، في إطار مسعى دمشق إلى إعادة دمج المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. غير أنّ رسوخ البنى الإدارية والأمنية الكردية يشكّل عقبة فعلية أمام هذا المسار. ويبدو أنّ دمشق مضطرة إلى التقدّم بحذر، من خلال نشر قواتها في المدن والمرافق الحكومية و استعادة مظاهر السيادة ودمج المؤسسات المدنية وتأجيل حسم المسألة العسكرية إلى مراحل لاحقة.
تركيا تؤيد عودة الدولة إلى الجزيرة باعتبارها وسيلة لتفكيك الحكم الذاتي الكردي ووجوده المسلّح، لكنها تتحسّب من أي اتفاق يعيد إضفاء الشرعية على البنى العسكرية الكردية تحت راية الدولة السورية. فأنقرة تنظر إلى «وحدات حماية الشعب» (YPG)، والتي تشكّل النواة الكردية الأبرز لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (SDF)، كامتداد لـ«حزب العمال الكردستاني» (PKK)، وتريد تجريدها من أي دور أمني مستقل ولو بالاسم.
يجد الشرع نفسه هنا أمام معادلة دقيقة: عليه أن يعيد الجزيرة إلى سلطة الدولة من دون أن يفجّر انتفاضة كردية، وأن يلبّي هواجس أنقرة من دون أن يبدو تابعاً لإملاءاتها. فإذا تحوّل الاندماج إلى إجراء رسمي لا يغيّر في الواقع بقاء السلاح والقرار الأمني في أيدي القوى الكردية، سيكون الاحتكاك مع تركيا أمراً حتمياً.