شراكة أم وصاية؟ كيف أصبحت سوريا أكثر من ساحة حرب بالنسبة لتركيا

فيما تتجاوز أنقرة منطق إدارة الصراع، يُعاد رسم موقع سوريا كعقدة إقليمية قد تجد دمشق صعوبة في التحكّم بمستقبلها.

على امتداد أكثر من عقد من الحرب الأهلية السورية، نظرت تركيا إلى سوريا أساساً من زاوية إدارة المخاطر: من حماية حدودها والتعامل مع أزمة اللاجئين، والحفاظ على نفوذها في شمال البلاد ومنع توسّع «وحدات حماية الشعب» (YPG) وهي فصيل عسكري كردي سوري. لكن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، بما فيها إغلاق مضيق هرمز لأشهر خلال العام الجاري وهو الممرّ الذي يعبره خُمس إمدادات النفط العالمية، فتحت الباب أمام تحوّل سوريا من بلد ترعاه أنقرة إلى ركيزة لتوسيع نفوذها الإقليمي.

 

إعادة التموضع: من دولة تدور في فلك أنقرة إلى رصيد استراتيجي

بعد وصول الحكومة السورية الجديدة إلى السلطة في أواخر عام 2024، انتقلت أنقرة إلى استراتيجية تقوم على الاستثمار في استقرار سوريا بما يحمي مصالحها. وكان الهدف دعم قيام دولة سورية مركزية قادرة على ضبط حدودها ومنع عودة تنظيم «داعش» ودمج المنطقة الواقعة شرق الفرات وقطع الصلات بين القوات الكردية السورية و«حزب العمال الكردستاني» داخل تركيا والذي تصنّفه أنقرة تنظيماً إرهابياً. كذلك أراد صنّاع القرار الأتراك دولة سورية تتمتّع بما يكفي من القوة لمقاومة نفوذ القوى الإقليمية المنافسة وفي مقدّمها إيران.

وجود قيادة في دمشق قادرة على ترسيخ سلطة الدولة يحدّ من حاجة تركيا إلى التدخّل العسكري المباشر، ويتيح لها توسيع نفوذها عبر التجارة والبنية التحتية وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة السورية.

ورأى القادة الأتراك في الرئيس السوري أحمد الشرع ركناً أساسياً في تحقيق هذه الأهداف. حيث أن وجود قيادة في دمشق قادرة على ترسيخ سلطة الدولة يحدّ من حاجة تركيا إلى التدخّل العسكري المباشر، ويتيح لها توسيع نفوذها عبر التجارة والبنية التحتية وإعادة تأهيل مؤسسات الدولة السورية. وفي المقابل احتاج الشرع إلى أنقرة لإعادة تشغيل الخدمات العامة وتأهيل شبكات النقل وتدريب المؤسسات الأمنية والعسكرية وتجهيزها، وأيضاً لإعادة وصل سوريا بالأسواق الخارجية. كما أن قرب تركيا الجغرافي ومواردها وعلاقاتها الاقتصادية والأمنية الراسخة في شمال سوريا جعل منها شريكاً لا يمكن لدمشق الاستغناء عنه.

اليوم وبعدما كشفت الحرب على إيران هشاشة الأسس التي بنت عليها دول الخليج ثرواتها، وكذلك مدى اعتماد العالم على صادراتها النفطية، بات تأمين مسارات برية بديلة لنقل الطاقة والبضائع الخليجية أولوية استراتيجية ثابتة. وهي أولوية ترفع سريعاً من قيمة سوريا في حسابات تركيا الإقليمية.

 

الفرصة: التجارة والعبور بعيداً عن هرمز

يتجلّى هذا التحوّل بأوضح صوره في الرؤية التي تطرح سوريا جسراً برياً بين الخليج وأوروبا. وتقوم هذه الرؤية، التي يروّج لها الشرع تحت عنوان إحياء مشروع «البحار الأربعة» على وصل الخليج والعراق والأردن بتركيا والبحر المتوسط عبر الطرق والسكك الحديدية وخطوط الأنابيب، بما يتيح للمصدّرين مساراً يتجاوز مضيق هرمز والبحر الأحمر المضطربين أمنياً.

لكن إنشاء مسار يتجاوز مضيق هرمز يفرز أيضاً خاسرين على المستوى الإقليمي. فإيران سيتراجع نفوذها الجيوستراتيجي، وكذلك روسيا نظراً إلى ما سيوفّره هذا المسار من قدر أكبر من أمن الطاقة لأوروبا.

 

وقد بدأ تنفيذ أجزاء من هذه الرؤية. فالنفط الخام العراقي يُنقل اليوم براً إلى محطة بانياس على الساحل السوري، ليُصدَّر منها عبر البحر المتوسط، بعدما اتفقت دمشق وبغداد في وقت سابق من هذا العام على نقل 500 ألف طن من الوقود شهرياً عبر هذا المسار، بما يتيح لسوريا تحصيل رسوم عبور هي في أمسّ الحاجة إليها. وفي مجال السكك الحديدية أعلنت تركيا والسعودية والأردن خططاً لإنشاء خط يمرّ عبر سوريا ويعيد إحياء سكة الحجاز القديمة كممر لوجستي حديث. ترى أنقرة هذا المشروع جزءاً من خطتَي «طريق التنمية» و«الممر الأوسط» والتي تسعى من خلالهما إلى جعل تركيا ممراً رئيسياً لحركة النقل بين آسيا وأوروبا.

تستفيد أطراف عديدة من هذا الترتيب، فدول الخليج تحصل على بديل يخفّف اعتماد صادراتها الحالي على ممر مائي واحد، وتعزّز تركيا موقعها بوصفها حلقة وصل بين الشرق والغرب، فيما تعيد سوريا تقديم نفسها لا كبلد مدمّر يعتمد على المساعدات الخارجية، بل كمركز عبور لا غنى عنه لجيرانه الإقليميين.

لكن إنشاء مسار يتجاوز مضيق هرمز يفرز أيضاً خاسرين على المستوى الإقليمي. فإيران سيتراجع نفوذها الجيوستراتيجي، وكذلك روسيا نظراً إلى ما سيوفّره هذا المسار من قدر أكبر من أمن الطاقة لأوروبا. كما قد تخسر مصر جزءاً من رسوم العبور التي تجنيها من قناة السويس. ولذلك، سيكون للدول الثلاث ما يدفعها إلى السعي لإفشال مشروع تحويل سوريا إلى مركز إقليمي للنقل والعبور.

 

العقبات: الجزيرة وإسرائيل

لكن الطموح بتحويل سوريا إلى ملتقى إقليمي للطرق والممرات يواجه بدوره عقبات قد تبدّد هذه الرؤية. وتقع أولى هذه العقبات شرق الفرات في منطقة الجزيرة السورية، وهي الساحة الأكثر قابلية لإثارة الخلاف داخل الشراكة التركية السورية. فمنذ أكثر من عقد، تسيطر قوى كردية مسلّحة وهياكل الحكم المرتبطة بها على الجزيرة، وهي منطقة تضمّ حصة كبيرة من ثروات سوريا النفطية والغازية والزراعية وتشكل في الوقت نفسه بوابتها البرية إلى العراق والخليج.

تعمل الدولة السورية اليوم على توسيع حضورها هناك تدريجياً، في إطار مسعى دمشق إلى إعادة دمج المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً. غير أنّ رسوخ البنى الإدارية والأمنية الكردية يشكّل عقبة فعلية أمام هذا المسار. ويبدو أنّ دمشق مضطرة إلى التقدّم بحذر، من خلال نشر قواتها في المدن والمرافق الحكومية و استعادة مظاهر السيادة ودمج المؤسسات المدنية وتأجيل حسم المسألة العسكرية إلى مراحل لاحقة.

تركيا تؤيد عودة الدولة إلى الجزيرة باعتبارها وسيلة لتفكيك الحكم الذاتي الكردي ووجوده المسلّح، لكنها تتحسّب من أي اتفاق يعيد إضفاء الشرعية على البنى العسكرية الكردية تحت راية الدولة السورية. فأنقرة تنظر إلى «وحدات حماية الشعب» (YPG)، والتي تشكّل النواة الكردية الأبرز لـ«قوات سوريا الديمقراطية» (SDF)، كامتداد لـ«حزب العمال الكردستاني» (PKK)، وتريد تجريدها من أي دور أمني مستقل ولو بالاسم.

يجد الشرع نفسه هنا أمام معادلة دقيقة: عليه أن يعيد الجزيرة إلى سلطة الدولة من دون أن يفجّر انتفاضة كردية، وأن يلبّي هواجس أنقرة من دون أن يبدو تابعاً لإملاءاتها. فإذا تحوّل الاندماج إلى إجراء رسمي لا يغيّر في الواقع بقاء السلاح والقرار الأمني في أيدي القوى الكردية، سيكون الاحتكاك مع تركيا أمراً حتمياً.

لا يبدو أنّ دمشق أو أنقرة تريدان تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مع إسرائيل، حيث أن الحكومة السورية تضع بناء الدولة في صدارة أولوياتها، فيما لا ترغب تركيا في المجازفة بمكاسبها في سوريا ضمن مواجهة عسكرية عالية الكلفة.

أما العقبة الثانية والأكثر قابلية للانفجار فهي إسرائيل. ففي حين تريد تركيا دولة سورية قوية وموحّدة، تبدو إسرائيل مصمّمة على منع ذلك. بُعيد وصول الشرع إلى السلطة بدأ سلاح الجو الإسرائيلي بتدمير جزء كبير من العتاد العسكري الذي كان سيؤول إلى الحكومة الجديدة، فيما سيطرت القوات البرية الإسرائيلية على مساحات من الأراضي على امتداد الحدود السورية، وتقول القيادة الإسرائيلية اليوم إنها تعتزم الاحتفاظ بها إلى أجل غير مسمّى.

منذ ذلك الحين واصلت إسرائيل غاراتها الجوية وعملياتها داخل سوريا، كما دعمت فصائل درزية ترفض الخضوع للسلطة المركزية، بما يهدّد بمزيد من تفتيت البلاد. تقدّم إسرائيل هذه السياسات بوصفها دفاعاً عن الأقليات ومنعاً لظهور تهديدات على حدودها، لكنها عملياً أبقت سوريا ضعيفة عسكرياً ومجزّأة جغرافياً، في اللحظة التي تحاول فيها دمشق إعادة بناء الدولة الوطنية.

ولا يبدو أنّ دمشق أو أنقرة تريدان تحويل سوريا إلى ساحة مواجهة مع إسرائيل، حيث أن الحكومة السورية تضع بناء الدولة في صدارة أولوياتها، فيما لا ترغب تركيا في المجازفة بمكاسبها في سوريا ضمن مواجهة عسكرية عالية الكلفة. ولذلك يبدو أنّ الطرفين اختارا مقاربة براغماتية تقوم على احتواء التوتر: تثبيت الدولة السورية ومنع التقسيم ورفض تكريس منطقة نفوذ إسرائيلية دائمة، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام ترتيبات أمنية تحول دون التصعيد.

وفي هذا السياق تراقب تركيا عن كثب مسار المفاوضات السورية الإسرائيلية. ومن غير المرجّح أن تعارض أي تفاهم يمنع الحرب ويسهم في استعادة الاستقرار، لكنها سترفض على الأرجح تحويل أي اتفاق سوري إسرائيلي إلى ذريعة لتهميش دورها، أو أداة لفرض قيود استراتيجية على دمشق تجعل سوريا أقرب إلى منطقة عازلة منها إلى دولة مستقلة.

 

التوافق: امتناع سوريا عن التدخّل في لبنان

تبدو إسرائيل عازمة أيضاً على مواصلة حملتها ضدّ حزب الله في لبنان بصرف النظر عن الضغوط الأميركية عليها للالتزام باتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته واشنطن مع إيران، ويشمل لبنان. وسعياً إلى تفادي شرخ أميركي إسرائيلي، دعت منابر غربية مختلفة دمشق إلى تولّي المواجهة مع حزب الله بدلاً من إسرائيل، فيما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب احتمال أن تنجز سوريا المهمة التي عجزت إسرائيل عن إنجازها. وفي هذه المسألة، تتفق أنقرة ودمشق بوضوح على ضرورة عدم توريط سوريا في الساحة اللبنانية.

الاعتقاد بأنّ الجيش السوري، وقد دمّرت إسرائيل معظم أسلحته الثقيلة، يستطيع أن ينجح حيث فشلت هي، فلا يتجاوز حدود الوهم. ولا يمكن خوض مغامرة كهذه إلا بثمن يتمثّل في حمّام دم طائفي، ستخرج منه سوريا على الأرجح خاسرة في كل الأحوال.

إن الطرح القائل بأن يدفع السوريون بجيشهم إلى لبنان لنزع سلاح حزب الله ليس جدّياً، مهما تعاملت معه واشنطن بجدّية. إذ تخوض إسرائيل، التي تمتلك واحداً من أكثر الجيوش قدرة في العالم، حرباً ضدّ حزب الله منذ عام 2023، بالقصف والعمليات العسكرية، دون أن تتمكّن حتى الآن من هزيمته. أما الاعتقاد بأنّ الجيش السوري، وقد دمّرت إسرائيل معظم أسلحته الثقيلة، يستطيع أن ينجح حيث فشلت هي، فلا يتجاوز حدود الوهم. ولا يمكن خوض مغامرة كهذه إلا بثمن يتمثّل في حمّام دم طائفي، ستخرج منه سوريا على الأرجح خاسرة في كل الأحوال.

أما دمشق، والتي لا تزال عاجزة عن دفع الرواتب بانتظام أو بسط سيطرتها على كامل أراضيها، فلا مصلحة لها في فتح جبهة ثالثة كارثية خدمةً لمصالح طرف آخر.

لذلك رفض الشرع هذا الطرح فيما صدّت تركيا كل محاولة لدفعه إلى تبنّي هذا الخيار. قدّم البلدان موقفهما الرافض للتدخّل بوصفه احتراماً للسيادة اللبنانية، غير أنّ دوافعهما تتصل بالمصلحة أكثر مما تتصل بالمبدأ. دمشق تحتاج إلى تمويل خليجي لإعادة الإعمار وإلى تخفيف العقوبات، وهما مكسبان قد تعرّضهما أي مغامرة في لبنان للخطر. كما أنّ السوريين، بعد سنوات الحرب، لا رغبة لديهم في حملة عسكرية خارجية. أما أنقرة فتحتاج إلى استقرار سوريا لا إلى استنزافها في المستنقع اللبناني.

 

المستقبل: تركيا شريك أم وصيّ دائم؟

من شبه المؤكد أنّ العلاقات التركية السورية ستواصل تعمّقها بفعل إعادة تقييم المخاطر المحيطة بالطاقة الخليجية، وموقع سوريا الجغرافي وطموح تركيا إلى أن تصبح المرتكز الرئيسي لتدفّقات الطاقة والتجارة بين آسيا وأوروبا. وقد تتعطّل مشاريع محددة ويتقلّب الوضع الأمني، بل وقد تُلغى مشاريع البنية التحتية الضخمة المطروحة، التي لن تدخل حيّز التشغيل الكامل قبل سنوات حتى في أفضل الظروف. لكن مسار التكامل السوري التركي بات واضحاً.

يبقى السؤال المفتوح هو ما إذا كانت سوريا ستحتفظ بقدر كافٍ من السيادة يتيح لها اختيار شكل هذا التكامل. فقد تتطوّر العلاقة إلى شراكة فعلية مع تركيا، تنوّع سوريا في إطارها علاقاتها مع دول الخليج وأوروبا وتتفاوض بوصفها دولة ذات سيادة. وفي المقابل، قد تترسّخ التبعية، وبالتالي تكون دمشق الضعيفة والمثقلة بالديون استبدلت الوصاية الإيرانية في عهد الأسد بالوصاية التركية في عهد الشرع.

صهيب جوهر زميل غير مقيم في البديل | معهد السياسة البديلة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر حصراً عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسة البديلة أو فريقه التحريري.

المواضيع ذات الصلة