إنهاء الازدواجية العسكرية في لبنان: تخلي حزب الله عن سلاحه يتطلّب مساراً لا إملاءات

لدى لبنان خيار ثالث بين النزاع الأهلي والازدواجية العسكرية المفتوحة إلى ما لا نهاية.

رغم تصاعد الضغوط الأميركية إلا أن حزب الله لا يبدو مستعداً للرضوخ لإملاءات خارجية. يرى سامي الحلبي أن تحقيق حصر الدولة للسلاح لا يتحقّق عبر الحلول الفورية، بل يتطلّب مساراً تدريجياً يستند إلى الواقعية السياسية. 

كثّفت إدارة ترامب في الأسابيع الأخيرة ضغوطها على لبنان عبر زيارات دبلوماسية أجراها مسؤولون مثل مورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الأميركي الخاص للشرق الأوسط، بهدف دفع بيروت نحو ما يبدو مستحيلاً: نزع سلاح حزب الله. 

هذا النهج المبسّط والمنفصل عن تعقيدات الواقع اللبناني، والمرتهن إلى حد كبير للهواجس الأمنية الإسرائيلية، يُرجّح أن يؤدي إلى إشعال توتّر داخلي جديد على حساب أي مساهمة فعلية في إحلال استقرار إقليمي فعليّ. 

في تشرين الثاني 2024، ومنذ وقف إطلاق النار والذي أنهى المواجهات العسكرية الكبرى بين حزب الله وإسرائيل – ووفق شروط رجّحت كفّة إسرائيل – بدأت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، والتيار الغالب داخل الطبقة السياسية اللبنانية، بالنظر إلى اللحظة الراهنة كفرصة سانحة لإنهاء الازدواجية العسكرية التي أنتجت انقسام المشهد الأمني بين مؤسسات الدولة وتنظيم مسلّح موازي خارجها. 

وهذه الأطراف محقّة من حيث المبدأ. فمع تغيّر الإدارة في سوريا، وتراجع خطوط الإمداد من إيران – ولو نظرياً – نادراً ما اتّسمت اللحظة الإقليمية بهذا النضج والجاهزية لإعادة النظر في معادلة السلاح والدولة. 

رغم كل ذلك، يبقى الإصرار الأميركي على نزع سلاح حزب الله خارج أي مسار واضح أو بديل ردعيّ مقاربة مضلّلة وخطِرة في آن واحد. فسلاح حزب الله لم يكن يوماً مجرّد تفصيل لوجستي متعلق بسوريا أو إيران، بل هو تعبير عن واقع سياسي وأمني لبناني متجذّر نشأ نتيجة عقود من الإهمال والاحتلال. 

لفهم امتداد حزب الله وحضوره، على القوى الغربية إعادة النظر في تاريخ التهميش الذي تعرّضت له المجتمعات الشيعية في لبنان. الشيعة ليسوا وحدهم من عانوا من الإقصاء، بل إن السلطات المركزية في بيروت – الخاضعة تاريخياً لهيمنة سنيّة ومسيحية – فشلت في إدماج فئات واسعة من اللبنانيين. 

ففي سياق تاريخه تحوّل حزب الله إلى أكثر من مجرد تنظيم عسكري، فهو فاعل رئيسي في الخدمات الأساسية من التعليم والرعاية الصحية إلى التمويل المجتمعي والرعاية الاجتماعية. هذا الواقع يُعقّد أي محاولة لنزع سريع وأحادي للسلاح، خاصة في ظل غياب ضمانات أمنية شاملة. ورغم ذلك لا تزال واشنطن تتجاهل الجذور التاريخية المعقّدة التي شكّلت البيئة الحاضنة لحزب الله، ما قد يكون له كلفة باهظة على الاستقرار في لبنان. 

بعد أكثر من عامين من الجمود السياسي، وحرب مدمرة مع إسرائيل في أواخر العام الماضي، أدى الانتخاب غير المسبوق لرئيس ماروني ذي توجهات إصلاحية ورئيس وزراء سني إلى زيادة الآمال في الاستقرار والتعافي الاقتصادي، بما في ذلك الإصلاحات الضرورية التي يوصي بها صندوق النقد الدولي. وكلا الرئيسين أشار بوضوح إلى التزامهما بحصر السلاح بيد الدولة. إلا أن هذا الموقف، رغم ضرورته للمصداقية الدولية، يمهد الساحة لتوترات طائفية محتملة وعواقبها كارثية، خاصة في أوساط الطائفة الشيعية التي ترى في حزب الله الحامي الرئيسي لها. 

البحث عن موقع متوازن لحزب الله في لبنان 

الحقيقة واضحة: حزب الله، ومعه المجتمع الذي يمثّله، لن يتنازل عن نفوذه العسكري من دون ضمانات موثوقة وجدّية. فالجيش اللبناني يعاني من نقص مزمن في التمويل وسوء التجهيز، ولا يشكّل حالياً قوة ردع حقيقية في وجه الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، وهذا واقع يبدو أن إسرائيل حريصة على استثماره. 

الحوادث الأخيرة التي شهدت عبور مستوطنين إسرائيليين إلى جنوب لبنان، تحت ذريعة “الحجّ الديني”، تعكس توجّهاً تصعيدياً يحمل دلالات خطيرة. وبدفع من قوى متطرفة داخل المشهد السياسي الإسرائيلي، أثارت هذه التوغلات، إلى جانب التوسع الأخير في الأراضي السورية المحتلة، مخاوف حقيقية لدى المجتمعات ذات الغالبية الشيعية في الجنوب من أن الهدف النهائي لإسرائيل هو احتلال وقضم جنوب لبنان. 

لذلك، لا بدّ من إعطاء أولوية قصوى لإصلاح قطاع الأمن في لبنان بدءاً من الجيش اللبناني نفسه. يتمحور هذا الإصلاح حول تمكين المؤسسة العسكرية لا باعتبارها مجرّد قوة حفظ أمن داخلية أو جهاز توظيف عام ترعاه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودول الخليج، بل كركيزة فعلية في استراتيجية الدفاع الوطني. 

لا بدّ من العمل على بناء القوات المسلحة اللبنانية لتصبح قوة ردع فعلية قادرة على استيعاب القدرات العسكرية المتقدّمة التي ينفرد بها حزب الله في الوقت الراهن. وعلى الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، أن تدرك أن إبقاء الجيش اللبناني في حالة ضعف وظيفي لا يردع الاعتداءات الإسرائيلية، بل يفتح المجال لتكرارها ويُبقي على المبرّر الذي يستند إليه حزب الله للاستمرار في التسلّح. 

لا شك أن حزب الله يتحمّل كلفة سياسية حقيقية في هذه المرحلة، ليس فقط نتيجة تراجع موقعه الجيوسياسي بل أيضاً بسبب التداعيات التي لبنان بعد قراره بفتح جبهة إسناد قطاع غزة. فاستخدام الحزب للقوة، أو التهديد بها في الداخل، كان وسيلة لتعزيز نفوذه السياسي على حساب تكريس الخلل السياسي المزمن في البلاد: من حماية النخب الاقتصادية الفاسدة إلى تعطيل الإصلاحا، وتفاقم الأزمات الإنسانية والمالية. كما أدّى تورّط الحزب في قمع انتفاضة 2019 إلى تآكل شرعيته لدى شريحة واسعة من اللبنانيين، تماماً مثل دعمه المطلق للنظام السوري السابق برئاسة بشار الأسد، الذي أُطيح مؤخراً. 

لكن الدعوات إلى القضاء التام على حزب الله تتجاهل تعقيدات الواقع اللبناني. فمثل هكذا السيناريو قد يُلحق دماراً واسعاً بالمجتمع الشيعي، ويهدّد بانهيار اجتماعي شامل نظراً للدور الحيوي الذي تلعبه مؤسسات الحزب في تقديم الخدمات الأساسية. لبنان لا يحتاج إلى اجتثاث حزب الله، بل إلى مسار للمصالحة وبناء الثقة يعالج المظالم من مختلف الأطراف، بما فيهم شهداء حزب الله وأيضاً قواعده الشعبية التي وجدت فيه حاملاً سياسياً واقتصادياً وخدمياً. 

إن السلام الفعلي في لبنان يتطلّب الكثير من الصبر والبراغماتية الاستراتيجية سواء من الفاعلين المحليين أو من شركاء لبنان الدوليين. ونائب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم أقرّ بنفسه بضرورة إصلاح المؤسسة العسكرية اللبنانية، وأبدى إشارات محدودة باتجاه القبول بمبدأ حصر السلاح بيد الدولة. إلا أن تصاعد الضغوط الأميركية لنزع السلاح فوراً أدّى إلى تصلّب موقف الحزب ما يُنذر بإعادة فتح جبهة الصراع حول ترسانته. 

موقف حزب الله الراهن قد يعكس توجّهاً تعبوياً أكثر منه سياسة فعلية، أي تذكيرٌ لقاعدته بأن الحزب لا يمكن تجاوزه بسهولة في المشهد السياسي اللبناني. ولا ينبغي أن يكون الهدف تهميشه بالكامل أصلاً، فالحزب يتمتع بتمثيل سياسي شرعي والتحدّي لا يكمن في تضخيم دوره أو القضاء عليه، بل في إعادة ضبط هذا الدور ضمن معادلة وطنية متوازنة. 

وبما يتعلّق بمسار الاستقرار، فإن الوقت لا يزال يتيح – وإن ضمن الهامش يضيق تدريجياً – إمكانية دمج قدرات الحزب العسكرية ضمن جهاز أمني وطني موحّد. وعلى الأطراف الدولية المعنيّة، وفي طليعتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإيران والمملكة العربية السعودية، دعم هذا المسار المتدرّج والتخلّي عن منطق الإملاءات السريعة، لصالح مقاربة تأخذ بواقعية السياق اللبناني وتعقيداته. 

في المحصّلة، لا يكمن الهدف وراء نزع سلاح حزب الله دفعه للاستسلام، بل في بناء دولة لبنانية موثوقة قادرة على حماية جميع مواطنيها دون تمييز. وما لم يتبنَّ المجتمع الدولي هذا التعقيد ويلتزم استراتيجية طويلة الأمد وواقعية، فإن لبنان يواجه خطرين متلازمين: إما إطالة أمد الانهيار أو الأسوأ، الانزلاق مجدداً نحو التحارب الأهلي. والخيار اليوم واضح: لا مصالحة دون مسارات واقعية، ولا دولة دون إصلاح تدريجي وشامل. 

المواضيع ذات الصلة