نادراً ما تكون الحرب لحظة توافق وإجماع. ومع ذلك، كان معظم المراقبين قبل الجولة الأخيرة من القتال في لبنان يرون أن حزب الله انهار كقوة قتالية بعدم أن تلقّى ضربات قاصمة في حرب 2024. ثم ساد اعتقاد بأن ما تبقّى من الحزب جرى القضاء عليه خلال عام 2025، بفعل الغارات الجوية الإسرائيلية المتواصلة وحملة نزع السلاح التي نفّذها الجيش اللبناني. لكن منذ أعاد الحزب فتح الجبهة الجنوبية في 2 آذار 2026، فوجئ الخصوم والحلفاء على حد سواء بأدائه في الميدان.

يواصل حزب الله إطلاق موجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو إسرائيل بوتيرة متصاعدة، حتى وإن لم تصل معظمها إلى أهدافها. ويخوض مقاتلوه اشتباكات مباشرة مع القوات البرية الإسرائيلية عبر بلدات الحدود الجنوبية وينفذون ضربات بصواريخ موجّهة ضد الآليات المدرعة الإسرائيلية، ما يبطئ تقدّم القوات الإسرائيلية إلى حدّ كبير. واللافت أن معظم هذه العمليات تجري جنوب نهر الليطاني، وهي منطقة كان الجيش اللبناني قد أعلن فرض «سيطرة عملياتية» عليها في كانون الثاني بعد جهد استمر عاماً كاملاً للسيطرة على شبكات أنفاق حزب الله ومستودعات أسلحته المخفية.
ورغم عدم وضوح المدة التي يمكن للحزب أن يحافظ خلالها على هذا الزخم العسكري، لا سيما في حال أقدمت إسرائيل على اجتياح بري واسع، فإن القتال الجاري يعكس تحوّلاً ملموساً مقارنة بديناميكيات المواجهة السابقة. فقد وسّعت إسرائيل، في خطابها وممارساتها على حد سواء، نطاق استهدافها للبنى التحتية اللبنانية، ويبدو أنها باتت توجّه ضرباتها العسكرية استجابةً لتطوّرات الميدان بدلاً من استهداف مواقع حزب الله بشكل استباقي. وهو ما ينطوي على إقرار ضمني بأن مخزونها الواسع سابقاً من الأهداف العسكرية قد تراجع.
وبينما تتواصل المواجهة العسكرية يشهد الجسم السياسي اللبناني حالة من التصدّع. فمن جهة، يدعو التيار الأكثر مناهضة لحزب الله إلى أن تبادر الدولة إلى مواجهته الآن وهو في أضعف حالاته، حتى لو أدى ذلك إلى احتكاك مع الجيش اللبناني وما قد يستتبعه من اضطرابات داخلية. في المقابل، يميل تيار آخر يضم أيضاً شخصيات غير محسوبة على حزب الله، إلى مقاربة أكثر براغماتية تقوم على التكيّف مع المعطيات المتغيرة وتجنّب الانزلاق إلى صراع داخلي.
كيف تشكّلت هذه الديناميكيات، وكيف تتقاطع اليوم مع حسابات المرحلة النهائية لكلٍّ من حزب الله وإسرائيل، سيحدّدان مسار لبنان لعقود مقبلة. ولتتبّع المسار الممتد من شبه انهيار حزب الله في عام 2024 إلى عودته العسكرية غير المتوقعة اليوم، أجرى «البديل» مقابلات مع أربعة مسؤولين رفيعي المستوى: اثنان مقرّبان من الجناح السياسي للحزب، واثنان على اطّلاع مباشر على عملياته العسكرية. وقد وافق جميعهم على إجراء مقابلات منفصلة شرط عدم الكشف عن هوياتهم، نظراً لاستمرار الحرب وحساسية الموضوع.
على حافة الانهيار
بحسب أول مسؤول مقرّب من الجناح السياسي لحزب الله، يتمثّل الهدف الأساسي للحزب في القتال الدائر حالياً في استعادة قدرة الردع العسكري مع إسرائيل. وكانت هذه القدرة قد تآكلت بشكل حاسم خلال فترة تقارب الأسبوعين في أواخر أيلول وأوائل تشرين الأول 2024، حين شنّت إسرائيل تصعيداً عسكرياً مفاجئاً ضد الحزب، شمل هجمات باستخدام أجهزة النداء (البيجر) والاتصال اللاسلكي إلى جانب آلاف الغارات الجوية واجتياح بري. وأسفر ذلك عن اغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وتفكيك البنية القيادية السياسية والعسكرية للحزب، ومقتل أو إصابة آلاف المقاتلين بإعاقات دائمة، فضلاً عن تدمير مستودعات الأسلحة والقدرات العسكرية في مختلف أنحاء البلاد.
وبحسب مسؤولَين مطّلعَين على العمليات العسكرية للحزب، دفعت هاتان الأسبوعان الحزب إلى شفا التفكك كقوة قتالية. وحدّدا عاملين أساسيين أتاحا له كسب الوقت لإعادة تنظيم صفوفه: أولاً لم يبدأ الاجتياح البري الإسرائيلي إلا في 1 تشرين الأول، بدلاً من أن يتزامن مباشرة مع حملة القصف الكثيفة يومي 23 و24 أيلول والتي استهدفت نحو 1,600 موقع تابع للحزب وأسفرت عن مقتل قرابة 500 شخص. ثانياً، ومع بدء الاجتياح، قُتل مئات من مقاتلي الحزب على طول الحدود في ظل انقطاع شبه كامل للاتصالات داخل التنظيم، بعدما واصلوا القتال بدلاً من الانسحاب، ما أدى إلى إبطاء تقدّم القوات الإسرائيلية بما يكفي لإعادة تشكيل خطوط دفاع منظّمة خلفهم.
وكان لقرار إسرائيل عدم مواصلة الهجوم واسع النطاق، وقبولها بوقف إطلاق نار شكلي في 27 تشرين الثاني 2024، دور حاسم في تمكين الحزب من بدء إعادة بناء قدراته. غير أن هذا «الوقف» كان أحادي الجانب فعلياً، إذ تعرّض الحزب لغارات جوية إسرائيلية شبه يومية طوال عام 2025 وبدايات 2026، أسفرت عن مقتل نحو 400 من عناصره. وفي موازاة ذلك، كلّفت الحكومة اللبنانية الجيش اللبناني بحصر السلاح بيد الدولة، ما أدى إلى كشف مئات مخازن أسلحة الحزب وتفكيك جزء من بنيته التحتية في جنوب لبنان. بحسب مصدر مقرب من جناح السياسي للحزب فإن قيادة الحزب قدّرت أن الامتناع عن الرد يشكّل كلفة مقبولة مقابل إتاحة المجال أمام عملية إعادة بناء قدراته، من دون لفت انتباه كبير.
حزب الله في طوره الثاني
بحسب المسؤول المقرّب من الجناح السياسي للحزب، تمثّل أحد مرتكزات تحوّله في التخلي عن طموحاته الأيديولوجية الكبرى لصالح مقاربة أكثر براغماتية. فبدلاً من رفع شعار تحرير القدس ودعم «المستضعفين» حول العالم، بات تركيزه ينحصر في فرض انسحاب كامل للقوات الإسرائيلية من لبنان، وبناء قدرة ردع عسكرية تتيح لسكان الجنوب العودة إلى قراهم.
عملياً، شهدت فترة وقف إطلاق النار التي استمرت 15 شهراً مسارين متوازيين: من جهة، إعادة تأهيل واسعة لترسانته وبنيته التحتية، ومن جهة أخرى، إدخال تعديلات على بنيته الأمنية الداخلية بهدف تفادي تكرار الإخفاق الاستخباراتي الذي كاد أن يدمّره. فعلى سبيل المثال، توصّل الحزب إلى أن شبكات اتصالاته الإلكترونية كانت مخترقة بالكامل، واستُخدمت من قبل الاستخبارات الإسرائيلية لتعقّب عناصره واستهدافهم، بحسب مسؤول مقرّب من جناحه العسكري. ولمعالجة ذلك، يعتمد الحزب حالياً، وفق المصدر نفسه، على وسائل بديلة لإدارة الاتصالات العسكرية الحساسة، تقتصر على المراسلين البشريين، والاجتماعات المباشرة، والملاحظات الخطية.
ويجمع المسؤولون الأربعة الذين شملتهم هذه المقابلات على أن الحزب اعتمد بروتوكولاً صارماً لتداول المعلومات على أساس «الحاجة إلى الاطلاع». وقد شمل ذلك الفصل المتعمّد بين جناحيه السياسي والعسكري، وفي داخل الجناح العسكري نفسه، تخفيف مركزية سلاسل القيادة ومنح مستويات ميدانية محلية هامشاً أوسع من الاستقلالية.
أما القيادة السياسية التي تلي الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم، أي الأعضاء الذين يظهرون في الإعلام، ويشاركون في العمل البرلماني، ويحضرون الفعاليات العامة، فلا يُتاح لهم سوى القدر الضروري من المعلومات لأداء دورهم العلني، من دون الاطلاع على أي تفاصيل تتعلق بالتحضيرات أو الخطط أو القدرات العسكرية. وكما أوضح الأمين العام للحزب مؤخراً، عملت كوادر الحزب عمداً على تكريس الغموضٍ حول قدراته كجزء من تحضيراته العسكرية للحرب التي كان يتوقّعها.
كما تلقّت جهود الحزب لإعادة التسلّح دفعة غير متوقعة مع سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، الحليف التاريخي لحزب الله، في كانون الأول 2024. ففي خضم الفوضى التي رافقت انهيار النظام، تمكّن الحزب من نقل مخزونات كبيرة من الأسلحة والذخائر من المستودعات السورية لإعادة رفد ترسانته المستنزفة، «بتكلفة أقل» مقارنةً بفترة حكم الأسد، بحسب مسؤول مقرّب من جناحه العسكري. وقد جرى هذا النشاط السري في وقت كانت فيه الأنظار مركّزة على حملة القصف الإسرائيلية الواسعة ضد المواقع العسكرية السورية. وأضاف المصدر نفسه أن عمليات نقل السلاح من سوريا مكّنت الحزب من إعادة مخزونه من الصواريخ المضادة للدروع إلى مستويات ما قبل الحرب، وإلى حدٍّ ما صواريخه القصيرة والمتوسطة المدى. وأشار إلى أن الإجراءات الأمنية التي تعتمدها الحكومة الجديدة في دمشق تعقّد مسارات التهريب التقليدية عبر سوريا، لكنها لم تُغلقها، وإن كانت قد رفعت كلفتها. أما في ما يتعلق بالطائرات المسيّرة، فيعتمد الحزب بدرجة كبيرة على إنتاجه الداخلي لإعادة تكوين قدراته، وقد باتت هذه الوسيلة تحتل موقعاً أكثر مركزية في استراتيجيته العسكرية.
وفي ما يتعلق بشبكات الأنفاق والبنية التحتية للحزب، استمرت جهود إعادة البناء على عدة مسارات، بحسب مسؤول مقرّب من جناحه العسكري. تمثّل المسار الأول في إعادة تأهيل منشآت كانت إسرائيل قد استهدفتها خلال حرب 2024 من دون أن تدمرها بالكامل. وشمل ذلك، على سبيل المثال، مداخل شبكات الأنفاق التي جرى تفجيرها وإغلاقها، فيما بقيت بنيتها الداخلية قائمة. كما أن جزءاً من البنية التحتية الحساسة للحزب لم يتعرّض للقصف الإسرائيلي أساساً.
ولفهم أسباب ذلك، أوضح المسؤول أن مخططي الحزب عمدوا إلى «عكس هندسة» آلية الاستهداف لدى الجيش الإسرائيلي، وتبيّن لهم أن الغارات الجوية ركّزت إلى حد كبير على بنى تحتية أُنشئت قبل تاريخ معيّن، فيما نادراً ما استهدفت تلك التي أُنشئت بعده، ما يشير إلى وجود ثغرة في قدرات الاستخبارات الإسرائيلية على الرصد.
وفي موازاة ذلك، قال إن الحزب لم يعرقل جهود الجيش اللبناني في جنوب لبنان، حيث كشف الجيش وفكك مئات المواقع التابعة له وصادر آلاف قطع السلاح. ومع ذلك، أشار إلى أن شبكات واسعة ومتداخلة من بنية الحزب التحتية لا تزال مخفية، في حين بات عناصره أكثر قدرة على التكيّف مع إجراءات الجيش والعمل من حولها.
لبنان بين النزوح والانقسام
في 28 شباط، أي يوم اغتيال آية الله علي خامنئي في طهران بغارة إسرائيلية، وبداية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، وصلت رسالة خطية إلى مقاتلي حزب الله على خطوط المواجهة في جنوب لبنان تطلب منهم استئناف إطلاق الصواريخ في 2 آذار. وقد حصل ذلك بالفعل، لتتصاعد المواجهة بسرعة. وكان الأثر الأكثر مباشرة على المدنيين اللبنانيين، إذ قُتل المئات، ونزح نحو مليون شخص من جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، وهما منطقتان تتركز فيهما الطائفة الشيعية وقاعدة الدعم الشعبي للحزب.
لكن شريحة واسعة من جمهور الحزب عبّرت عن صدمة واستياء من زجّها مجدداً في حرب وأزمة نزوح، بعد فترة وجيزة من التجربة السابقة، ما يعكس حالة تململ ملحوظة داخل بيئته. وفي حين افتتحت الحكومة اللبنانية مئات المراكز لإيواء النازحين وتقديم الدعم لهم، تتصاعد في المقابل مشاعر عدائية تجاه الشيعة في أوساط طوائف أخرى، لا سيما في المناطق التي تستضيف النازحين.
وتزداد حدة التوترات مع ما تُلحقه الحرب من أضرار بالنشاط الاقتصادي، الذي كان بالكاد يبدأ بالتعافي من تداعيات الانهيار المالي عام 2019. كما تبددت الآمال التي بدأت تتكوّن لدى كثير من اللبنانيين في عام 2025 بإمكانية استعادة قدر من سيادة الدولة، في ظل عجز الحكومة شبه التام عن تنفيذ القرارات المتتالية المرتبطة بحصر السلاح بيد الدولة.
ورداً على الحرب أعلن رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام ومجلس الوزراء حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله رسمياً. واللافت أن من بين المصوّتين لصالح القرار وزراء من حركة أمل، الحليف التقليدي للحزب ضمن ما يُعرف بـ«الثنائي الشيعي». إلا أن هذا الحظر يبقى أقرب إلى قرار ذي طابع إعلاني نظراً إلى أن الجهة المفترضة لتنفيذه (أي الجيش اللبناني) كانت قد تراجعت عن بعض المناطق الحدودية في ظل استمرار القتال. ومع ذلك، أفاد مسؤولون حكوميون لبنانيون تحدّثوا إلى «البديل» بأن رئيس الوزراء والدائرة المحيطة به يدفعون باتجاه مواصلة الجيش حملته لنزع سلاح حزب الله حتى مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر مواجهة مباشرة مع الحزب. وكما شدّد سلام في مقابلة مع قناة «الحدث» فإن الحكومة «لن تتراجع عن قراراتها المتعلقة بحصر السلاح بيد الدولة».
وليس من المصادفة أن يأتي هذا التشدد في موقف رئيس الحكومة في وقت تمارس فيه واشنطن ضغوطاً على القيادات اللبنانية للدفع نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، التي باتت تبدو حتمية بصيغة ما. ففي ظل الافتراض السابق بأن حزب الله بات قوة منهكة أو في حكم المنتهية، كانت إسرائيل ستتمكن من فرض شروطها على بيروت. أما إذا نجح الحزب في إعادة تثبيت نفسه كتهديد ذي صدقية لإسرائيل، فإن ذلك سيمنح الجانب اللبناني هامشاً تفاوضياً إضافياً. وقد عبّر المسؤول البارز في حزب الله نواف الموسوي عن ذلك بوضوح في مقابلة دعا فيها الحكومة اللبنانية إلى اعتماد «مقاربة براغماتية» واستخدام قوة المقاومة المسلحة «كورقة ضغط».
انتقام إسرائيل
غير أن الكلفة الفعلية لهذا “الهامش التفاوضي” الذي يتيحه حزب الله تقع على الدولة اللبنانية نفسها. فقد شهدت طبيعة الضربات الإسرائيلية وخطابها الرسمي تحوّلاً ملحوظاً مقارنة بحرب 2023-2024 حين حرص المسؤولون الإسرائيليون على التأكيد أن الحرب تستهدف حزب الله لا الدولة اللبنانية، وتجنّبت الحملة الجوية إلى حد كبير استهداف البنية التحتية الرسمية. أما في الأسابيع الأخيرة، فلم يعد هذا التمييز قائماً، إذ استهدفت إسرائيل جسوراً رئيسية أعادت توصيفها على أنها «بنية تحتية تابعة لحزب الله» فيما كرّر وزير الدفاع يسرائيل كاتس القول إن ما يجري «ليس سوى البداية» ملوّحاً بمزيد من تدمير البنية التحتية الوطنية اللبنانية كثمن لفشل الحكومة في نزع سلاح الحزب.
ورغم أن هذا النهج يُقدَّم بوصفه تعبيراً عن قوة عسكرية، فإنه يستحضر بوضوح سوابق إخفاق. فقد خلصت لجنة فينوغراد التي حققت في حرب 2006 بين إسرائيل وحزب الله ووصفتها بأنها «إخفاق جسيم» إلى أن «بنك الأهداف» لدى الجيش الإسرائيلي عند اندلاع الحرب كان محدوداً واستُنفد خلال الأيام الأولى. ما دفعه لاحقاً إلى التحوّل نحو قصف البنية التحتية اللبنانية من جسور ومحطات كهرباء ومحطات وقود، وهو تحوّل اعتبرته اللجنة ضمناً مؤشراً على فشل استراتيجي لا تصعيداً من موقع قوة. وعلى مدى ما يقارب عقدين بعد ذلك، عمل الجيش الإسرائيلي على معالجة هذا القصور عبر اختراق منظومات الاتصال والأمن لدى حزب الله لبناء «بنك أهداف» واسع والحفاظ عليه. وقد بدا أثر ذلك واضحاً في حجم الخسائر التي ألحقها الحزب خلال فترة وجيزة بين أيلول وتشرين الأول 2024.
غير أنه لا يبدو أن إسرائيل نجحت، بين وقف إطلاق النار في 2024 واندلاع المواجهة الحالية في إعادة بناء بنك أهداف مماثل أو تحقيق مستوى اختراق استخباراتي مشابه. ومع تآكل هذا «البنك» كما أشار العميد الإسرائيلي إران أورتال مؤخراً في سياق الحملة على إيران، يتبدّل منطق القصف من تحقيق أهداف عسكرية إلى التأثير في الإدراك العام، بحيث «يصبح أقل أهمية أين تسقط القنابل بقدر ما يهم أن يراها الناس وهي تسقط». بالنسبة للبنان يعني ذلك أنه كلما ازداد حزب الله قدرة على التخفي والمراوغة يتسع نطاق الاستهداف ليطال ما سواه.
حسابات المرحلة النهائية
بالنسبة إلى حزب الله تمثّل هذه المواجهة معركة وجودية، إذ يرى أن إعادة ترسيخ قدر من الردع مع إسرائيل شرط أساسي لبقائه. ويصف المسؤول الأول المقرّب من الجناح السياسي للحزب النتيجة المرجوة بالعودة إلى الوضع الذي سبق 7 تشرين الأول 2023، أي التوصل إلى اتفاق شامل لوقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان. وفي حال تعذّر ذلك، يطرح خياراً بديلاً أقرب إلى تفاهم نيسان 1996 الذي أعقب عملية «عناقيد الغضب»، حين اتفق الطرفان على الامتناع عن استهداف المدنيين أو الأهداف المدنية عبر الحدود، وعدم استخدام القرى أو البنى التحتية المدنية كنقاط انطلاق لشن هجمات. أما ما سيدفع الحزب إلى مواصلة القتال مهما كانت الكلفة، بحسب مسؤول ثانٍ مقرّب من جناحه السياسي، فهو تكريس واقع ما بعد تشرين الثاني 2024، حيث تواصل إسرائيل ضرب لبنان بحرية تحت غطاء وقف إطلاق النار.
في المقابل، يطرح المسؤولون الإسرائيليون أيضاً هدف إعادة تثبيت الردع العسكري، لكن وفق شروط مختلفة جذرياً. فقد تحدّث وزير الدفاع يسرائيل كاتس وناطقون باسم الجيش الإسرائيلي عن إنشاء «منطقة دفاع أمامي» أو «حزام عازل» يمتد حتى نهر الليطاني. كما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن القيادة قررت السيطرة على أراضٍ لبنانية حتى مشارف مدينة صور، وإنشاء 18 موقعاً عسكرياً في الجنوب، وتوسيع نطاق المراقبة وميادين الرماية إلى ما وراء الليطاني، والإبقاء على وجود عسكري إلى حين «نزع سلاح حزب الله بالكامل». وذهب وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش أبعد من ذلك، بطرحه تصوراً يدعو إلى ضم دائم لأراضٍ لبنانية حتى نهر الليطاني.
أما الحكومة اللبنانية فتواصل طرح رؤية تتمحور حول استعادة السيادة عبر فرض السيطرة الكاملة على أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة. غير أنها تمضي في هذا المسار من دون حسم انقساماتها الداخلية حول كيفية تحقيقه ومن دون امتلاك أدوات فرضه على أطراف لا تجد مصلحة في الالتزام به. وعملياً، لن تكون قرارات الحكومة هي العامل الحاسم بل موازين القوة في الميدان، بين محاولة حزب الله استعادة الردع ومسعى إسرائيل لإعادة تشكيله هي التي سترسم ملامح لبنان بعد توقف القتال. وبالتالي يُرجّح أن يُحسم مستقبل البلاد على خطوط المواجهة المتحركة في الجنوب، أكثر مما يُحسم في أروقة الحكم.