أرسلت الولايات المتحدة نصف مليون جندي في إطار عملية «درع الصحراء»، في أكبر نشر للقوة العسكرية الأميركية خارج أراضيها منذ حرب فيتنام. قبل الملك فهد بقاعدة أميركية دائمة على الأراضي السعودية، كاسراً بذلك محرّماً طويل الأمد كان سلفه قد تمسّك به. ثم وُقّع اتفاق الدفاع بين الولايات المتحدة والكويت في شباط 1991 بعد أيام من التحرير، ثم جُدّد مرات عدّة منذ ذلك الحين.
استخلصت ملكيات الخليج من استعراض القوة الأميركي فرضية عملية: أنّ التعاون مع واشنطن واستضافة هياكلها العسكرية سيؤمنان لها الرد الساحق نفسه إذا تحرّك أي معتدٍ ضدّها مستقبلاً. وفي عام 1995 أُنشئ مقرّ الأسطول الخامس رسمياً في قاعدة الدعم البحري في البحرين. وافتُتحت قاعدة العديد الجوية في قطر عام 1996، ثم وُسّعت بعد عام 2003 لتصبح أكبر منشأة جوية أميركية في الشرق الأوسط. وبرزت أيضاً قاعدة الظفرة في الإمارات، ومعسكرات عريفجان وبوهرينغ وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية. وبحلول العقد الثاني من الألفية، كان نحو 40 ألف عسكري أميركي ينتشرون في دول مجلس التعاون الخليجي.
في الظاهر كانت لهذه البنية وظيفة أمنية ضيقة. إلا أنّ المظلّة الأمنية التي وفّرتها أتاحت تحوّلاً جذرياً في الخليج. فاقتصاد المناطق الحرّة الذي بدأته دبي في سبعينيات القرن الماضي بات قادراً على تسويق نفسه بمصداقية بوصفه ملاذاً عالمياً للمال والأعمال، لا مجرّد مركز إقليمي. وأصبح من الممكن توظيف ثروة أبوظبي السيادية عالمياً من دون خشية أن يلحقها انهيار المنطقة التي تحيط بها. كما استطاعت قطر أن تبني بنيتها التحتية للغاز الطبيعي المسال بأمان وعلى نطاق جعلها لاحقاً ثالث أكبر مصدّر في العالم. أما السعودية فتمكنت بحلول العقد الثاني من الألفية من إطلاق «رؤية 2030» وهي خطة جريئة وشاملة بقيمة 2 تريليون دولار لتحويل المملكة واقتصادها، وبدا تحقيق هذا الطموح في متناول اليد.
يشير آدم هنية، أستاذ الاقتصاد السياسي المتخصّص في الخليج في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، إلى مرحلة ما بعد عام 1991 باعتبارها لحظة الاندماج النوعي للخليج في الرأسمالية العالمية، إذ تحوّلت المنطقة من مورّد للنفط إلى عقدة في تدفّقات المال والسلع والخدمات اللوجستية والعمالة، بما جعل ازدهارها غير قابل للفصل عن الاقتصاد العالمي ككل.
لم يكن حكّام الخليج أنفسهم يتصرّفون كما لو أنّ الوضع الأمني غير مشروط. فقد حافظت دول مجلس التعاون الخليجي، طوال تلك الفترة، على بعض أعلى مستويات الإنفاق العسكري في العالم، وعادت الغالبية الكبرى من تلك المشتريات إلى مخزونات شركات الدفاع الأميركية. كان الحكّام أكثر إدراكاً لطبيعة هذه الصفقة من رأس المال الأجنبي الذي سعوا إلى استقطابه. فما باعوه علناً كان فرضية «الفرص من دون مخاطر» وما اشتروه في الخفاء كان تأميناً ضدّ اليوم الذي قد تُختبر فيه هذه الفرضية.
ما الذي تصدّع؟
ظهرت أولى الشكوك الجدّية لدى الرياض بشأن ما تغطّيه الضمانة الأمنية الأميركية، وما تتركه خارجها، بعد هجمات أيلول 2019 على منشآت أرامكو السعودية، التي اتُّهمت إيران بالوقوف خلفها. بعد أيام من الهجوم قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنّه لا يريد شنّ ردّ عسكري، مشيراً إلى أنّ «ذلك كان هجوماً على السعودية، ولم يكن هجوماً علينا… لكننا سنساعدهم بالتأكيد». وفي النهاية حصرت واشنطن ردّها بإرسال 3,000 جندي إضافي إلى الخليج، والإعلان عن عقوبات اقتصادية جديدة على إيران.
ثم جاءت الضربة الجوية الإسرائيلية على الدوحة، في 9 أيلول 2025 لتشكّل أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر داخل أراضي أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي. فقد قصفت أكثر من عشر مقاتلات إسرائيلية مجمّعاً سكنياً في العاصمة مستهدفةً القيادة السياسية لحماس التي كانت تجتمع لبحث مقترح وقف إطلاق نار في حرب غزة بوساطة أميركية. وأسفرت الضربة عن مقتل خمسة من أعضاء حماس وعنصر في قوة الأمن الداخلي القطرية، لكنها لم تصب أياً من أهدافها الرئيسية. وصف رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الهجوم بأنه عمل من أعمال «إرهاب الدولة» يهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار الإقليميين»، داعياً إلى أن «تردّ المنطقة بأكملها».
أعرب ترامب عن استيائه من الهجوم، وأجبر في نهاية المطاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاعتذار علناً عن انتهاك السيادة القطرية، كما أصدر أمراً تنفيذياً ينصّ على أنّ أي هجوم مسلّح مستقبلي على قطر سيُعدّ تهديداً للسلم والأمن الأميركيين. إلا أنّ إسرائيل لم تواجه أي عواقب مادية، إذ استمر تدفّق الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي إليها من واشنطن من دون انقطاع. وبذلك لم تفشل المظلّة الأمنية الأميركية في منع قصف الدوحة فحسب، بل لم تترتّب فعلياً أي كلفة على الجهة التي نفّذته. قرأ قادة الخليج الآخرون هذه الواقعة، فأدان كلٌّ منهم بدوره الهجوم على الدوحة، فيما كانوا يواجهون ما وصفه جورجيو كافييرو من المجلس الأطلسي، بـ«القبول الضمني» من جانب واشنطن بالأفعال الإسرائيلية، وهو ما كشف «ثغرة حرجة في اعتماد الخليج الطويل الأمد على الولايات المتحدة بوصفها ضامنه الأمني الرئيسي».
إذا كانت ضربة قطر قد أعادت ترتيب تصوّر الأمن الخليجي داخل القصور الحاكمة، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ولا سيما الردّ الإيراني المتواصل، حطّمت أمام العالم قشرة الأمن والاستقرار والأبهة التي أحاطت بالخليج. ففي غضون ساعات من الضربات الأميركية الإسرائيلية على طهران، في 28 شباط من هذا العام، أطلقت إيران ما سمّته عملية «الوعد الصادق 4»: حملة متواصلة بالصواريخ والمسيّرات ضد البنية العسكرية الإقليمية التي بنتها الولايات المتحدة منذ «عاصفة الصحراء»، كأنها تستهدف مكوّنات هذه البنية بالتتابع، بحسب تاريخ إنشائها. وقد تكبّدت قاعدة الدعم البحري في البحرين، التي استُهدفت في 28 شباط، أي في اليوم الأول من الحرب وحده، أضراراً تُقدّر بنحو 200 مليون دولار. ثم تلتها قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، ومعسكر عريفجان ومعسكر بوهرينغ وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية، وغيرها. وبحلول أوائل أيار، قُدّر إجمالي الأضرار التي لحقت بالأصول العسكرية الأميركية في أنحاء المنطقة بنحو 11.9 مليار دولار. هكذا، لم يعد الوجود العسكري الأميركي عائقاً أمام العدوان الخارجي على الخليج، بل صار هو نفسه الهدف.