عقود من زجاج: أفول الاستثناء الخليجي

الحرب مع إيران أجبرت مجلس التعاون الخليجي على إعادة النظر بمشروعٍ للأمن والازدهار امتدّ 35 عاماً.

بدأ كل شيء بكابوس. ففي الثاني من آب 1990، اجتاحت القوات العراقية الكويت خلال ساعات، ثم انخرطت على امتداد سبعة أشهر من الاحتلال في موجة واسعة من النهب والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان. هزّت تلك الأحداث الخليج بأكمله، فقد أدركت هذه الدول الصغيرة والثرية الواقعة على أطراف الشرق الأوسط بوضوحٍ مروّع أنّها قد تكون التالية.

ثم في أعقاب عملية «عاصفة الصحراء» التي قادتها الولايات المتحدة عام 1991 لتحرير الكويت، شهدت السنوات اللاحقة نشوء مشروع تدريجي، متعمّد في جانب منه وفرضته الوقائع في جانب آخر، هدفه حجب هذا الانكشاف. وسهّل هذا المسارَ توسّعُ الوجود العسكري الأميركي في نطاق دول مجلس التعاون الخليجي، أي السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وعُمان، إلى جانب قرار حكّام الخليج استضافة هذا الوجود. وترافق ذلك مع تدفّق الأموال الذي ربط فوائض الخليج بالمصارف وشركات السلاح الأميركية، بالتوازي مع تسويق الخليج كحيّزٍ معزول عن أزمات المنطقة ومشكلاتها. وبحلول العقد الثاني من الألفية، نجح المشروع إلى حدّ بعيد، حتى إنّ المخاطر والعنف والاضطرابات التي رسمت تصور العالم عن الشرق الأوسط بدت بعيدة عن أفق مجلس التعاون الخليجي. بات غزو الكويت يُعامل كواقعة عابرة في التاريخ. أصبحت دبي ملاذاً عالمياً للمال والأعمال. استضافت الدوحة كأس العالم. وسوّقت الرياض لصورتها في العالم عبر «رؤية السعودية 2030». كان الحلم حقيقياً، وقد صار واقعاً.

أما اليوم، فتوشك تجربة «الاستثناء الخليجي» هذه على نهايتها. فقد حطّمت الضربة الجوية الإسرائيلية على قطر في أيلول 2025 افتراضاً اطمأنت إليه العائلات الحاكمة في الخليج منذ تشكّل هذه البنية، وهو أنّ المظلّة الأمنية الأميركية تحميها أيضاً من أي عمل إسرائيلي. ثم انكشفت هشاشة الحماية التي قدّمتها واشنطن بالكامل أمام الجميع، بعدما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل الحرب على إيران في شباط من هذا العام. ففي الأسابيع الأولى من الردّ الإيراني، وُجّهت 83% من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية نحو أراضي دول مجلس التعاون الخليجي، لا نحو إسرائيل. وتعرّضت الشبكة العسكرية الأميركية في الخليج، التي شُيّدت بعد عام 1991 لاحتواء هشاشة المنطقة وإدارتها أمنياً، لضربات متتالية طالتها من البحرين إلى قطر والإمارات والكويت والسعودية. واستُهدفت 16 قاعدة أميركية حتى الآن مخلّفة أضراراً تُقدّر بنحو 12 مليار دولار القواعد. وبمعزل عن إيران أبراجاً سكنية في المنامة ومجمّع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر ومحطة الفجيرة النفطية في الإمارات ومطار دبي الدولي، والقائمة تطول. يمكن إصلاح الأضرار المادية لهذه الضربات، لكن ما قد يتعذّر إصلاحه هو الوعد الذي ظلّت دول مجلس التعاون الخليجي تسوّقه لأكثر من جيل.القواعد العسكرية، أصابت إيران أبراجاً سكنية في المنامة ومجمّع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر ومحطة الفجيرة النفطية في الإمارات ومطار دبي الدولي، والقائمة تطول. يمكن إصلاح الأضرار المادية لهذه الضربات، لكن ما قد يتعذّر إصلاحه هو الوعد الذي ظلّت دول مجلس التعاون الخليجي تسوّقه لأكثر من جيل.

هذا التحوّل لا يأخذ الشكل نفسه في كل مركز من مراكز الخليج، بل يتحدّد وفق جغرافيته الخاصة والمسار التنموي الذي سلكه طوال فترة السلام الطويلة. فالحلم لم يُبنَ بالطريقة نفسها في كل مكان، ولذلك لا تأتي لحظة الحساب بالطريقة نفسها أيضاً.

لطالما قامت هذه الوعود على شروط أكثر مما كان يُعترف به. فحكّام الخليج أنفسهم، حتى وهم يسوّقون لصورة عن حصانة دائمة لا تُمسّ، حافظوا على بعض من أعلى مستويات الإنفاق العسكري في العالم، وكانت معظم هذه المشتريات تعود في نهاية المطاف إلى مخزونات شركات الدفاع الأميركية. كانت الصورة التي اشتراها رأس المال العالمي صادقة إلى حدّ بعيد في ما يتعلّق بالفرصة الكامنة: فقد كان هناك بالفعل نمو استثنائي وثروة وفرص للعمالة الأجنبية ورأس المال الأجنبي. لكنها أغفلت المخاطر التي كان الحكّام أنفسهم قد احتسبوها بصمت.

يعيد العالم اليوم تقييم المخاطر على الخليج. ولا يعني ذلك أنّ الخليج قد يُدفع إلى موقع شبيه بسوريا أو اليمن أو لبنان، بل أنّ صورته تنتقل إلى منطقة وسطى: لم يعد خارج مخاطر الإقليم كما بدا طوال خمسة وثلاثين عاماً، ولم يصبح في موقع بقية المنطقة كما هي اليوم. ويتّضح أكثر فأكثر أنّ هذا التحوّل لا يأخذ الشكل نفسه في كل مركز من مراكز الخليج، بل يتحدّد وفق جغرافيته الخاصة والمسار التنموي الذي سلكه طوال فترة السلام الطويلة. فالحلم لم يُبنَ بالطريقة نفسها في كل مكان، ولذلك لا تأتي لحظة الحساب بالطريقة نفسها أيضاً.

كيف بُني الامتياز الخليجي وكيف صمد؟

قبل عام 1990، كان الوجود العسكري الأميركي في الخليج محدوداً. يعود وجود البحرية الأميركية في البحرين إلى عام 1944 لكن دورها كان تناوبياً ومحصوراً في المجال البحري. ومنذ عام 1962، رفض الملك فيصل منح الولايات المتحدة السيطرة على قواعد محلية، مصرّاً على ألّا تتمركز قوات أجنبية في أرضٍ تضمّ مكة والمدينة. وفي عامي 1987 و1988، في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، بدأت البحرية الأميركية مرافقة ناقلات النفط الكويتية وحمايتها، وكان ذلك أكبر تدخّل أميركي في المنطقة حتى ذلك الوقت، وإن ظلّ بدوره بحرياً ومؤقتاً. كان الخليج قائماً ضمن توازنات الحرب الباردة، حيث ارتبط أمنه بترتيبات أوسع بين القوى العظمى، لا بضمانة مباشرة قائمة على وجود عسكري أميركي داخل أراضيه.

انقلب هذا التوازن رأساً على عقب عشية الغزو العراقي للكويت في آب 1990. ففي أثناء عبور المدرّعات العراقية الحدود الكويتية، أدركت دول الخليج الأصغر أنّها لا تستطيع الدفاع عن نفسها ولا الاعتماد على أي شريك إقليمي لحمايتها. وقد أرست الاستجابة الأميركية السابقة التي ستُبنى عليها السنوات الخمس والثلاثون اللاحقة.

استخلصت ملكيات الخليج من استعراض القوة الأميركي فرضية عملية: أنّ التعاون مع واشنطن واستضافة هياكلها العسكرية سيؤمنان لها الرد الساحق نفسه إذا تحرّك أي معتدٍ ضدّها مستقبلاً.

أرسلت الولايات المتحدة نصف مليون جندي في إطار عملية «درع الصحراء»، في أكبر نشر للقوة العسكرية الأميركية خارج أراضيها منذ حرب فيتنام. قبل الملك فهد بقاعدة أميركية دائمة على الأراضي السعودية، كاسراً بذلك محرّماً طويل الأمد كان سلفه قد تمسّك به. ثم وُقّع اتفاق الدفاع بين الولايات المتحدة والكويت في شباط 1991 بعد أيام من التحرير، ثم جُدّد مرات عدّة منذ ذلك الحين.

استخلصت ملكيات الخليج من استعراض القوة الأميركي فرضية عملية: أنّ التعاون مع واشنطن واستضافة هياكلها العسكرية سيؤمنان لها الرد الساحق نفسه إذا تحرّك أي معتدٍ ضدّها مستقبلاً. وفي عام 1995 أُنشئ مقرّ الأسطول الخامس رسمياً في قاعدة الدعم البحري في البحرين. وافتُتحت قاعدة العديد الجوية في قطر عام 1996، ثم وُسّعت بعد عام 2003 لتصبح أكبر منشأة جوية أميركية في الشرق الأوسط. وبرزت أيضاً قاعدة الظفرة في الإمارات، ومعسكرات عريفجان وبوهرينغ وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية. وبحلول العقد الثاني من الألفية، كان نحو 40 ألف عسكري أميركي ينتشرون في دول مجلس التعاون الخليجي.

في الظاهر كانت لهذه البنية وظيفة أمنية ضيقة. إلا أنّ المظلّة الأمنية التي وفّرتها أتاحت تحوّلاً جذرياً في الخليج. فاقتصاد المناطق الحرّة الذي بدأته دبي في سبعينيات القرن الماضي بات قادراً على تسويق نفسه بمصداقية بوصفه ملاذاً عالمياً للمال والأعمال، لا مجرّد مركز إقليمي. وأصبح من الممكن توظيف ثروة أبوظبي السيادية عالمياً من دون خشية أن يلحقها انهيار المنطقة التي تحيط بها. كما استطاعت قطر أن تبني بنيتها التحتية للغاز الطبيعي المسال بأمان وعلى نطاق جعلها لاحقاً ثالث أكبر مصدّر في العالم. أما السعودية فتمكنت بحلول العقد الثاني من الألفية من إطلاق «رؤية 2030» وهي خطة جريئة وشاملة بقيمة 2 تريليون دولار لتحويل المملكة واقتصادها، وبدا تحقيق هذا الطموح في متناول اليد.

يشير آدم هنية، أستاذ الاقتصاد السياسي المتخصّص في الخليج في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) في لندن، إلى مرحلة ما بعد عام 1991 باعتبارها لحظة الاندماج النوعي للخليج في الرأسمالية العالمية، إذ تحوّلت المنطقة من مورّد للنفط إلى عقدة في تدفّقات المال والسلع والخدمات اللوجستية والعمالة، بما جعل ازدهارها غير قابل للفصل عن الاقتصاد العالمي ككل.

لم يكن حكّام الخليج أنفسهم يتصرّفون كما لو أنّ الوضع الأمني غير مشروط. فقد حافظت دول مجلس التعاون الخليجي، طوال تلك الفترة، على بعض أعلى مستويات الإنفاق العسكري في العالم، وعادت الغالبية الكبرى من تلك المشتريات إلى مخزونات شركات الدفاع الأميركية. كان الحكّام أكثر إدراكاً لطبيعة هذه الصفقة من رأس المال الأجنبي الذي سعوا إلى استقطابه. فما باعوه علناً كان فرضية «الفرص من دون مخاطر» وما اشتروه في الخفاء كان تأميناً ضدّ اليوم الذي قد تُختبر فيه هذه الفرضية.

ما الذي تصدّع؟

ظهرت أولى الشكوك الجدّية لدى الرياض بشأن ما تغطّيه الضمانة الأمنية الأميركية، وما تتركه خارجها، بعد هجمات أيلول 2019 على منشآت أرامكو السعودية، التي اتُّهمت إيران بالوقوف خلفها. بعد أيام من الهجوم قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنّه لا يريد شنّ ردّ عسكري، مشيراً إلى أنّ «ذلك كان هجوماً على السعودية، ولم يكن هجوماً علينا… لكننا سنساعدهم بالتأكيد». وفي النهاية حصرت واشنطن ردّها بإرسال 3,000 جندي إضافي إلى الخليج، والإعلان عن عقوبات اقتصادية جديدة على إيران.

ثم جاءت الضربة الجوية الإسرائيلية على الدوحة، في 9 أيلول 2025 لتشكّل أول هجوم عسكري إسرائيلي مباشر داخل أراضي أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي. فقد قصفت أكثر من عشر مقاتلات إسرائيلية مجمّعاً سكنياً في العاصمة مستهدفةً القيادة السياسية لحماس التي كانت تجتمع لبحث مقترح وقف إطلاق نار في حرب غزة بوساطة أميركية. وأسفرت  الضربة عن مقتل خمسة من أعضاء حماس وعنصر في قوة الأمن الداخلي القطرية، لكنها لم تصب أياً من أهدافها الرئيسية. وصف رئيس الوزراء القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، الهجوم بأنه عمل من أعمال «إرهاب الدولة» يهدف إلى «زعزعة الأمن والاستقرار الإقليميين»، داعياً إلى أن «تردّ المنطقة بأكملها».

أعرب ترامب عن استيائه من الهجوم، وأجبر في نهاية المطاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاعتذار علناً عن انتهاك السيادة القطرية، كما أصدر أمراً تنفيذياً ينصّ على أنّ أي هجوم مسلّح مستقبلي على قطر سيُعدّ تهديداً للسلم والأمن الأميركيين. إلا أنّ إسرائيل لم تواجه أي عواقب مادية، إذ استمر تدفّق الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي إليها من واشنطن من دون انقطاع. وبذلك لم تفشل المظلّة الأمنية الأميركية في منع قصف الدوحة فحسب، بل لم تترتّب فعلياً أي كلفة على الجهة التي نفّذته. قرأ قادة الخليج الآخرون هذه الواقعة، فأدان كلٌّ منهم بدوره الهجوم على الدوحة، فيما كانوا يواجهون ما وصفه جورجيو كافييرو من المجلس الأطلسي، بـ«القبول الضمني» من جانب واشنطن بالأفعال الإسرائيلية، وهو ما كشف «ثغرة حرجة في اعتماد الخليج الطويل الأمد على الولايات المتحدة بوصفها ضامنه الأمني الرئيسي».

إذا كانت ضربة قطر قد أعادت ترتيب تصوّر الأمن الخليجي داخل القصور الحاكمة، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ولا سيما الردّ الإيراني المتواصل، حطّمت أمام العالم قشرة الأمن والاستقرار والأبهة التي أحاطت بالخليج. ففي غضون ساعات من الضربات الأميركية الإسرائيلية على طهران، في 28 شباط من هذا العام، أطلقت إيران ما سمّته عملية «الوعد الصادق 4»: حملة متواصلة بالصواريخ والمسيّرات ضد البنية العسكرية الإقليمية التي بنتها الولايات المتحدة منذ «عاصفة الصحراء»، كأنها تستهدف مكوّنات هذه البنية بالتتابع، بحسب تاريخ إنشائها. وقد تكبّدت قاعدة الدعم البحري في البحرين، التي استُهدفت في 28 شباط، أي في اليوم الأول من الحرب وحده، أضراراً تُقدّر بنحو 200 مليون دولار. ثم تلتها قاعدة العديد الجوية في قطر، وقاعدة الظفرة الجوية في الإمارات، ومعسكر عريفجان ومعسكر بوهرينغ وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية، وغيرها. وبحلول أوائل أيار، قُدّر إجمالي الأضرار التي لحقت بالأصول العسكرية الأميركية في أنحاء المنطقة بنحو 11.9 مليار دولار. هكذا، لم يعد الوجود العسكري الأميركي عائقاً أمام العدوان الخارجي على الخليج، بل صار هو نفسه الهدف.

أمضى الخليج 35 عاماً في تسويق نفسه بوصفه المكان الذي لا تصل إليه أزمات الإقليم. لكن خلال نحو ثلاثة أشهر من الحرب، أصبح المكان الذي تتركّز فيه الآثار العالمية لتلك الأزمات أكثر من غيره.

كما ألحقت الهجمات الإيرانية أضراراً بالبنية التحتية المدنية التي يقوم عليها وعد مجلس التعاون الخليجي بوصفه ملاذاً آمناً، بما في ذلك الأبراج السكنية والمطارات والموانئ ومنشآت النفط والغاز وطيف واسع من البنى التحتية الأخرى. إلا أنّ الخطوة الأشدّ وقعاً كانت الحصار الإيراني لمضيق هرمز، الذي خنق صادرات المحروقات والبضائع الخليجية، أي شريان الحياة الاقتصادي للمنطقة. وبسبب اندماج الخليج العميق في سلاسل الإمداد الدولية منذ تسعينيات القرن الماضي، انتشرت آثار إغلاق المضيق في الاقتصاد العالمي، إذ عطّل عبور نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز في العالم، و30 في المئة من إمدادات الأسمدة. وبالتالي ارتفعت أسعار هذه المدخلات الحيوية عالمياً، وأثارت مخاوف من أزمات اقتصادية طويلة المدى قد تمتدّ تداعياتها لسنوات.

وهكذا، ومن بين كل ما دمّرته الحرب، دمّرت أيضاً فرضية أنّ مجلس التعاون الخليجي قائم بمعزل عن بقية المنطقة. فقد أمضى الخليج 35 عاماً في تسويق نفسه بوصفه المكان الذي لا تصل إليه أزمات الإقليم. لكن خلال نحو ثلاثة أشهر من الحرب، أصبح المكان الذي تتركّز فيه الآثار العالمية لتلك الأزمات أكثر من غيره. وقد تبيّن أنّ الضمانات الأمنية الأميركية أضيق نطاقاً، وأكثر مشروطية، وأقل فعالية بكثير مما أراد حكّام الخليج والعالم الأوسع تصديقه. لا تنذر إعادة تسعير المخاطر الجارية اليوم بانهيار اقتصادي في الخليج، لكنها تعني بالتأكيد نهاية تصوّر الخليج بوصفه واحة.

 

حسابات متباينة

كل دولة في الخليج تتعامل اليوم مع “إعادة تسعير المخاطر” بما يعكس جغرافيتها، والنموذج التنموي الذي اختاره خلال السلام الطويل. ومع دفع كل مركز ثمن ماضيه، اتسعت الفوارق إلى حدّ بات معه احتمال تصرّف مجلس التعاون الخليجي كفاعل موحّد أبعد مما كان عليه في أي لحظة من تاريخه الممتدّ على خمسة وأربعين عاماً.

بنت دبي نموذج مدينة ما بعد هيدروكربونية، يعتمد كل قطاع رئيسي فيها على تصوّر أن العالم سيظل ينعم بأمن دائم: تجارة إعادة تصدير قائمة على الاستقرار الإقليمي، ومركز طيران ولوجستيات قائم على التدفق المستمر، ومحور مالي قائم على ثقة رأس المال الأجنبي، وسوق عقارية قائمة على استعداد غير المقيمين لإيداع ثرواتهم فيها.

بنت دبي الصيغة الأكثر طموحاً من وعد الملاذ الآمن. في 2024 كان اقتصاد دبي قائماً على التجارة، التي شكّلت نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي، والنقل والخدمات اللوجستية بنسبة 12 في المئة، والتمويل بنسبة 12 في المئة، والعقارات والبناء بنسبة 14 في المئة. أما المساهمة المباشرة للنفط، فكانت دون الواحد في المئة. بعبارة أخرى بنت دبي نموذج مدينة ما بعد هيدروكربونية، يعتمد كل قطاع رئيسي فيها على تصوّر أن العالم سيظل ينعم بأمن دائم: تجارة إعادة تصدير قائمة على الاستقرار الإقليمي، ومركز طيران ولوجستيات قائم على التدفق المستمر، ومحور مالي قائم على ثقة رأس المال الأجنبي، وسوق عقارية قائمة على استعداد غير المقيمين لإيداع ثرواتهم فيها. لم يكن أي من هذه القطاعات معزولاً عن حرب حوّلت مطارها إلى هدف ومجالها الجوي إلى منطقة متنازع عليها. فقد تراجعت حركة الطيران التجاري في مطار دبي الدولي بحدّة خلال الأسابيع الأولى من الحرب، وانخفضت المعاملات العقارية إلى النصف بين شباط وآذار وحدهما، وتراجع الطلب على المطاعم والضيافة بنحو 27 في المئة. أما مركز دبي المالي العالمي والذي كان يستضيف بحلول نهاية عام 2025 نحو 300 مصرف وأكثر من 500 شركة لإدارة الثروات فتضرّر مادياً ومعنوياً، لكن الضرر الأعمق أصاب الفرضية التي قام عليها بوصفه أكثر المراكز الاقتصادية موثوقية في المنطقة. باتت الحجة التسويقية موضع نزاع على نحو لم تعرفه منذ افتتاح مركز دبي المالي العالمي عام 2004. ولم يتحقق النزوح الجماعي المتوقع للودائع، لكن إعادة التموضع على المدى الأطول باتت مصدر قلق متزايد.

تملك أبوظبي أوسع هامش مالي بين مراكز الخليج، ومنه ينبع معظم تموضعها الاستراتيجي. يوفّر خط أنابيب أبوظبي-الفجيرة قدرة التفافية حول مضيق هرمز تتراوح بين 1.5 و1.8 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل تقريباً نصف الإنتاج الإماراتي قبل الحرب. ويبلغ سعر التعادل المالي في الإمارات نحو 65 دولاراً للبرميل، وهو الأدنى في الخليج وأقل بفارق مريح من أسعار خام برنت الحالية. وقد أمضت شركة بترول أبوظبي الوطنية «أدنوك» عقداً في توسيع طاقتها الإنتاجية باتجاه خمسة ملايين برميل يومياً بحلول عام 2027، فيما باتت طاقتها المستدامة أصلاً ضمن نطاق 4.5 إلى 5 ملايين برميل يومياً. اتُخذت هذه الخيارات قبل الحرب بوقت طويل، وهي التي جعلت خروج الإمارات من «أوبك» في 1 أيار 2026 خياراً قابلاً للاستمرار اقتصادياً. ففي ظل قيود على الحصص قُدّر أنها كلّفت الإمارات ما يصل إلى 70 مليار دولار سنوياً من الإيرادات الضائعة، بات مستحيلاً تأجيل الحساب بمجرد انكسار ترتيب الاستقرار الأوسع. وقد وصف فريدريك شنايدر، من مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، هذا الخروج بأنه «استعراض علني لتعمّق الخصومة بين أبوظبي والرياض». وهو أيضاً دليل على أنّ أبوظبي ترى أنّ لديها الهامش المالي والبنيوي الذي يسمح لها بالتحرّك منفردة حيث لا تستطيع الرياض ذلك. أما التموضع الاستراتيجي الأوسع، من تعميق التنسيق العسكري مع واشنطن وإسرائيل، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية على الأراضي الإماراتية، إلى الضربات السرّية المزعومة داخل الأراضي الإيرانية قبل الحرب وخلالها، فهو الوجه الخارجي لذلك الهامش المالي. تتيح حسابات الإمارات أوسع مساحة للتحرّك الأحادي داخل مجلس التعاون الخليجي، ولذلك جاء ردّها الأكثر حزماً.

سُوّقت «رؤية 2030» بوصفها مشروعاً للتحوّل. أما في صيغتها الحالية، ومع بقاء خام برنت دون سعر التعادل وسقوط المقذوفات الإيرانية على البنية التحتية السعودية، فقد تحوّلت إلى مسألة تتّصل بالميزانية.

أما حسابات السعودية فقد أصبحت تحت ضغط حقيقي. فسعر التعادل المالي عند احتساب التزامات المشاريع الكبرى ضمن «رؤية 2030» بات يتراوح بين 108 و111 دولاراً للبرميل، فيما ظلّ خام برنت يتداول في الغالب دون هذا المستوى، حتى بعد ثلاثة أشهر من ضغط الحرب على إمدادات النفط وما رافقه من ارتفاع حاد في الأسعار. وقد بلغ عجز الربع الأول من عام 2026 نحو 33.5 مليار دولار وهو الأكبر منذ عام 2018. وأعاد صندوق الاستثمارات العامة السعودي تخصيص نحو 92 مليار دولار من الاستثمارات الدولية إلى الاستثمار المحلي، لا بوصف ذلك توسّعاً في «رؤية 2030»، بل بوصفه عازلاً مالياً في مواجهة اضطراب ممتد. كما رُفعت القدرة التشغيلية لخط أنابيب الشرق-الغرب إلى محطة التصدير على البحر الأحمر في ميناء ينبع من مليون برميل يومياً إلى ما بين 4 و4.3 ملايين برميل يومياً، رغم أنّ قيود التحميل في الميناء تسبّبت بتعليق صادرات تقدّر بنحو 100 مليون دولار يومياً.  ولا تكمن أهمية هذه الأرقام في أنها حكاية الضائقة السعودية، بل في أنها تقيس كيفية تفاعل نموذج تنموي مبني على افتراض معيّن لسعر النفط مع انكسار ترتيب الاستقرار الأوسع.

  ويعكس الردّ الاستراتيجي السعودي هذا القيد: اتفاقية دفاع استراتيجي مشترك وُقّعت مع باكستان في 17 أيلول 2025، بعد أسبوع واحد من الضربة الإسرائيلية على قطر، وتتضمن بنداً للدفاع المشترك على غرار المادة 5 من ميثاق حلف شمال الأطلسي، تلاها نشر قوات باكستانية على الأراضي السعودية، بما في ذلك أسراب من مقاتلات JF-17 وأنظمة دفاع جوي من طراز HQ-9. وقد قُرئ الاتفاق علناً في الرياض بوصفه تحوّطاً في مواجهة حدود الضمانة الأمنية الأميركية. كما يشير إلى استعداد لبناء بنية أمنية إقليمية لا تمرّ عبر واشنطن.

تبدو حسابات قطر الأكثر تحديداً داخل مجلس التعاون الخليجي: فقد بنت نموذجاً حول تصدير سلعة واحدة عالية القيمة، من دون منفذ بري بديل، وضربت الحرب نقطة الضعف هذه تحديداً.

تكبّدت قطر أكبر قدر من الأضرار المادية في الحرب. فقد أدّت ضربة 18 آذار على مجمّع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال إلى خفض القدرة الإنتاجية القطرية بنسبة 17 في المئة، مع جدول زمني لإعادة الإعمار يمتدّ بين ثلاث وخمس سنوات. وإلى جانب إغلاق مضيق هرمز، دفع ذلك قطر إلى إعلان حالة القوة القاهرة في عقود التصدير. يحمي بند القوة القاهرة المورّد قانونياً، لكنه لا يعيد ثقة المشتري بموثوقية الإمداد، وهي جزء مما يدفع مشترو الغاز الطبيعي المسال مقابله. لذلك تبدو حسابات قطر الأكثر تحديداً داخل مجلس التعاون الخليجي: فقد بنت نموذجاً حول تصدير سلعة واحدة عالية القيمة، من دون منفذ بري بديل، وضربت الحرب نقطة الضعف هذه تحديداً. وبعد ثلاثة أشهر على اندلاعها، تمثّلت الاستجابة الاستراتيجية القطرية في إعادة تأكيد الدور الدبلوماسي الذي جعل الدوحة مرجعاً إقليمياً قبل النزاع. شمل ذلك تمويل المفاوضات التي تقودها باكستان وإرسال فريق تفاوضي إلى طهران خلال وقف إطلاق النار، رغم تعرّض قطر نفسها لضربات إيرانية، والعمل كجسر بين القوى الإقليمية وواشنطن. تقوم مصداقية قطر كوسيط على قدرتها على التحدّث إلى أطراف لا يستطيع غيرها التحدّث إليها، وكانت إعادة التموضع بعد الحرب خطوة مقصودة لاستعادة هذا الموقع.

الكويت لا تملك مساراً بديلاً عن مضيق هرمز ولم تصدّر أي نفط في شهر نيسان، وهو من أكثر الأرقام اللافتة في هذه الحرب.

تمثّل الكويت والبحرين نسختين مختلفتين من الانكشاف البنيوي. الكويت لا تملك مساراً بديلاً عن مضيق هرمز ولم تصدّر أي نفط في شهر نيسان، وهو من أكثر الأرقام اللافتة في هذه الحرب. ولم يبنِ نموذجها التنموي تنويعاً كان يمكن أن يتيح استجابة مختلفة، وذلك جزئياً بسبب سنوات من الجمود السياسي بين الحكومة والبرلمان، والذي لم يبدأ بالتراجع إلا مع إصلاحات آب 2025. صحيح أنّ لديها وسادة مالية كبيرة، إذ تبلغ أصول الهيئة العامة للاستثمار في الكويت نحو 800 مليار دولار، أي أكثر من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، لكن هذه الوسادة تستطيع تمويل عجز مالي، لا فتح قناة تصدير. لذلك، يرتبط الانكشاف الكويتي مباشرة ببنية اقتصاد ضيقة، شديدة الاعتماد على النفط ومسار واحد إلى أسواق التصدير، وبات اقتصادها الأساسي اليوم مرهوناً بالكامل بعودة الحركة الطبيعية في مضيق هرمز. أما انكشاف البحرين فهو تراكمي. فسعر التعادل المالي فيها يتراوح بين 110 و130 دولاراً للبرميل، وهو الأعلى في مجلس التعاون الخليجي، ما يعني أنّها كانت تواجه مشكلات بنيوية قبل الحرب أصلاً. وكانت «فيتش» و«ستاندرد آند بورز» قد خفّضتا تصنيف المملكة في الأشهر السابقة للحرب، فيما حوّلت «موديز» نظرتها المستقبلية لاحقاً إلى سلبية. وقد بُني النموذج التنموي البحريني، القائم على الخدمات المالية والصناعات الخفيفة وما تبقّى من القطاع النفطي، على افتراض أنّ البنية العسكرية الأميركية التي تستضيفها، أي الأسطول الخامس الأميركي، ستعمل كحارس أمني، يُبقي الباب مفتوحاً أمام نشاط اقتصادي قد يسمح لها في نهاية المطاف بالتنويع. وعندما أصابت المقذوفات الإيرانية مقرّ الأسطول الخامس في اليوم الأول من الحرب، طالت الأضرار أيضاً آفاق الاستدامة المالية في البحرين.

تتشكل حسابات سلطنة عُمان بفعل تاريخ وجغرافيا مختلفين. فالسلطنة تقع بمعظمها خارج نقطة الاختناق الرئيسية في مضيق هرمز، إذ تمتد غالبية أراضيها ويقيم معظم سكانها خلف أضيق نقطة صالحة للملاحة في المضيق. وقد أمضت عقوداً في بناء تموضع خارجي مغاير لبقية دول مجلس التعاون الخليجي. حافظت على علاقاتها مع إيران خلال مرحلة ما بعد عام 1979، في وقت لم يفعل جيرانها ذلك. واستضافت المحادثات السرّية بين الولايات المتحدة وإيران التي أنتجت خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، وكذلك المحادثات النووية الأميركية الإيرانية التي سبقت الحرب الحالية قبل أن تحبطها. وقد أنتج هذا التموضع واقعاً يميّز عُمان عن كل دولة أخرى في مجلس التعاون الخليجي في مشهد ما بعد الحرب: فإيران وعُمان تخوضان الآن محادثات نشطة لصياغة إطار ثنائي ينظّم العبور في مضيق هرمز، مع اجتماعات لفرق قانونية في مسقط. أكّد المبعوث الإيراني إلى فرنسا هذه المفاوضات علناً في 21 أيار. ومن شأن هذا الإطار أن يؤسّس نظام الرسوم الذي بدأت إيران تطبيقه في مطلع أيار، وأن يمنحه غطاءً قانونياً عبر اتفاق ثنائي بين دولتين ساحليتين تتداخل مطالباتهما الإقليمية. تضع هذه المفاوضات عُمان في موقع بنيوي مختلف عن بقية مجلس التعاون الخليجي. فالدول الخليجية الأخرى تردّ على انكسار نظام ما بعد عام 1991. أما عُمان، فتتعامل معها إيران بوصفها شريكة في صياغة ما سيحل محلها عند أهم نقطة اختناق بحريّة في العالم.

ما يكشفه الانكسار

نجح نظام ما بعد عام 1991 في أمر واحد. فقد حوّل الهشاشة الإقليمية التي كشفها غزو الكويت إلى مظهر استقرار دائم في جزء من المنطقة، وحافظ على هذا المظهر طوال خمسة وثلاثين عاماً. وكانت الصفقة التي قام عليها محدّدة: ملكيّات خليجية تستضيف البنية التحتية العسكرية الأميركية مقابل الحماية، وثروة خليجية تؤدي دور المقابل المالي للأمن الأميركي، ويعاد تدويرها عبر مشتريات السلاح وحيازات سندات الخزينة والاستثمارات السيادية في الشركات الأميركية. أنتجت تلك الصفقة تراكماً هائلاً للثروة، ووفّرت الشروط التي مكّنت كل مركز خليجي من السعي وراء رؤيته الخاصة للتقدّم، مع بقائه مشدوداً إلى البنية العسكرية لما بعد «عاصفة الصحراء»، وهي البنية التي منحت فكرة الاستقرار الخليجي الاستثنائي صدقيتها.

باعت واشنطن دولَ مجلس التعاون الخليجي استقراراً بدا معزولاً عن العنف الذي كانت البنية نفسها تنتجه وتموّله في أماكن أخرى. لكن فاتورة هذا الترتيب لم تُسدَّد بالتساوي، بل ظلّت موزّعة على المنطقة على نحو غير متكافئ طوال عقود.

إلا أنّ كلفة هذا الترتيب توزّعت على المنطقة على نحو غير متكافئ. فالنظام الأمني الأميركي نفسه الذي ضمن استقرار الخليج دعم، في الوقت نفسه، نتائج أخرى: منظومة العقوبات على العراق التي قتلت مئات الآلاف خلال التسعينيات، وغزو عام 2003 والانهيار الطائفي الذي أعقبه، والظروف البنيوية التي ظهر فيها تنظيم الدولة الإسلامية، والغياب الأميركي الطويل عن أي قيد فعلي على العنف الإسرائيلي وانتهاكات حقوق الإنسان بحق الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين. لم تكن ملكيات الخليج مصدر هذه النتائج، وكانت للحروب التي أصابت العراق وسوريا واليمن وفلسطين ولبنان محرّكاتها الداخلية الخاصة. لكن البنية التي أمّنت الخليج والبنية التي أتاحت العنف الإقليمي الأوسع كانتا واحدة، تديرهما القوة الخارجية نفسها، وتموّلهما دوائر الثروة الخليجية والإمداد العسكري الأميركي نفسها. الثروة الخليجية والإمداد العسكري الأميركي. باعت واشنطن دولَ مجلس التعاون الخليجي استقراراً بدا معزولاً عن العنف الذي كانت البنية نفسها تنتجه وتموّله في أماكن أخرى. لكن فاتورة هذا الترتيب لم تُسدَّد بالتساوي، بل ظلّت موزّعة على المنطقة على نحو غير متكافئ طوال عقود.

وما هو الآن في أفول هو ذلك الجزء من الترتيب الذي نال فيه الخليج الاستقرار، فيما تحمّلت بقية المنطقة الكلفة. لم تفرض المقذوفات الإيرانية التي سقطت على المنامة والدوحة ودبي شرطاً جديداً على المنطقة، بل أنهت الاستثناء. وبات الخليج يُرى اليوم بوصفه خاضعاً لمعادلة الاستقرار الهش نفسها التي عاشت معها بقية المنطقة لعقود. من المستبعد أن يصبح نسخة من سوريا أو اليمن أو لبنان، لكنه بالتأكيد سيصير جاراً لها.

المواضيع ذات الصلة