سمح إهمال الدولة لعقود باستمرار هذا الواقع، ولم يأتِ الاهتمام المحدود الذي أبداه المسؤولون إلا تحت وطأة ضغط دولي. ففي عام 2014 مثلاً، دعت البعثة الدبلوماسية البولندية في بيروت لبنان إلى وقف قتل أعداد كبيرة من طيور اللقلق الأبيض، التي تُعدّ رمزاً للرخاء في بولندا. تعهد وزير البيئة آنذاك محمد المشنوق بأن «الوزارة ستتعاون مع البلديات لمنع هذه الظاهرة»، لكنّ التعهّد لم يترجم عملياً إلا بشكل محدود.
وبدلاً من تحرّك الدولة، كانت الحكومة اللبنانية حتى وقت قريب تُحيل عملياً التزاماتها بحماية الحياة البرية إلى عدد قليل من المنظمات غير الحكومية مثل جمعية حماية الطبيعة في لبنان (SPNL) ومركز الشرق الأوسط للصيد المستدام (MESHC).
غير أن مؤشرات هذا الصيف دلّت على تبدّلٍ في المقاربة ولو شكلياً. ففي حزيران أصدر مجلس الوزراء برئاسة سلام مرسوماً يقضي بإضافة 106 حراس جدد للغابات والصيد والثروة السمكية إلى الملاك الدائم لوزارة الزراعة. وقد قدّمت الحكومة هذه الخطوة بوصفها إجراءً رئيسياً لحماية الغابات والتنوع البيولوجي والموارد البحرية من الاستغلال غير القانوني. ومن المفترض أن يُسهم هؤلاء الحراس في تعزيز قدرات الرصد والإنفاذ على الأرض في المناطق الريفية والساحلية، وأن يتمتعوا بالصلاحيات نفسها المخوّلة للشرطة القضائية.
وقال أدونيس الخطيب، رئيس وحدة مكافحة الصيد الجائر (APU) – وهي مجموعة من صيادين تحوّلوا إلى حرّاس طرائد أنشأتها SPNL وMESHC عام 2017 – في حديثه لـ«البديل» إن مراسيم الحكومة بداية جيدة لكنّ سدّ الثغرات سيتطلب المزيد من الإجراءات. وأضاف: «المشكلة أن الحراس لا يملكون الحضور نفسه على الأرض، فالصيادون موجودون في كل مكان وبأعداد كبيرة».
لسدّ هذه الثغرات، على الحكومة دعم الصيادين الملتزمين بأخلاقيات الصيد في مواجهة الصيد الجائر، على الأقل إلى حين قدرة الدولة على حشد الموارد البشرية اللازمة لتطبيق القوانين البيئية بنفسها. هناك أمثلة كثيرة على صيادين شرعيين يعملون على حماية الأنواع والحدّ من الأثر المدمّر للصيد الجائر. فمثلاً منظمة Ducks Unlimited وهي أكبر منظمة خاصة وأكثرها فاعلية عالمياً في حماية طيور المياه والأراضي الرطبة، تأسست في النصف الأول من القرن الماضي على يد صيادين في أميركا الشمالية سعوا إلى الحفاظ على طيور المستنقعات. كما تتعدد أمثلة مماثلة (في كينيا وزيمبابوي وإيران مثلاً) لكثير من الصيادين الذين بحكم معرفتهم بكيفية عمل الصيادين غير الشرعيين، تحوّلوا إلى أحد أهم خطوط الدفاع عن الحياة البرية المحلية.
إعطاء القانون فاعليته
أصدرت وزارات البيئة والزراعة والداخلية والبلديات تعميماً مشتركاً في أيلول يقضي بحظر صيد الطيور البرية على كامل الأراضي اللبنانية، في شهر كان من المفترض أن يشكّل بداية موسم الصيد. غير أنّ هذا التعميم، والذي أشار صراحةً إلى الأنواع المهاجرة، مرجّح أن يبقى محدود الأثر رغم حسن النيات.
تتمثّل إحدى الإشكاليات المزمنة في أنّ القضاة، وإن أصدروا إنذارات وغرامات، يستندون إلى عقوبات مالية وُضعت قبل الأزمة المالية عام 2019، ما جعلها شبه بلا قيمة في ظلّ التضخّم المفرط خلال السنوات الأخيرة. فيما تعدّ مصادرة الأسلحة النارية للصيادين خياراً أكثر فاعلية، فهي إجراء تعتمده السلطات في فرنسا لإنفاذ القانون ويدفع باتجاهها ناشطون لبنانيون أيضاً، لا سيما وأنهم غالباً ما يتعرّضون لإطلاق النار من قبل الصيادين غير الشرعيين.
ومن بين الخيارات السياسية الواضحة رفع الصيد الجائر إلى مرتبة الجريمة الجنائية. إذ تُظهر أدلّة من قبرص وألبانيا أنّ تشديد العقوبات، إن كان مقروناً برقابة مكثّفة على مواقع الصيد، يخفّض بشكل ملموس معدّلات قتل الطيور بشكل غير قانوني.
أحدثت حكومة سلام تحوّلاً مرحّباً به في الخطاب والنيّة حيال القتل غير القانوني للطيور المهاجرة. غير أنّ التزام لبنان بخطة روما الاستراتيجية سيبقى أقرب إلى الاستعراض منه إلى التطبيق ما لم تُنفَّذ القوانين القائمة بصرامة وتُرفع العقوبات الجنائية، وأيضاً حتى يتغيّر موقف الرأي العام من الحياة البرية. أما على المدى الأبعد، من غير الواضح ما إذا كان لبنان قادراً على خفض معدّل قتل الطيور بشكل غير قانوني. لكن المرجّح، للأسف، أنّ عودة ملايين الطيور هذا الربيع من أفريقيا إلى أوروبا وآسيا ستمرّ مجدداً عبر لبنان، حيث سيستمر استقبالها بوابل من الرصاص.