الفضة مقابل الرصاص: صفقة ترامب قد تُشرّد اللبنانيين في الشوارع

ربطت الولايات المتحدة المساعدات المقدمة للبنان بحزب الله المنزوع السلاح، وعززت التقارب مع إسرائيل، متخلية عن الإصلاحات المالية.

عادت واشنطن مرة أخرى إلى التلويح بحوافز مالية أمام لبنان مقابل نزع سلاح حزب الله وإبرام السلام مع إسرائيل. وللمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود عقد لبنان وإسرائيل محادثات رسمية حين اجتمع سفيرا البلدين في واشنطن برعاية وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو. عقب الاجتماع أعلنت وزارة الخارجية الأميركية إنها تأمل أن تتجاوز المفاوضات اللاحقة إطار وقف إطلاق النار لعام 2024، وأن تفتح الباب أمام «مساعدات إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي للبنان».

وفي ظل وقف إطلاق نار يمتد لعشرة أيام، ويُفترض أن يحدّ من إطلاق حزب الله الصواريخ ومن الغزو الإسرائيلي المتواصل وإعادة احتلال جنوب لبنان، تعمل واشنطن في الوقت نفسه على التسويق لاتفاق سلام مستقبلي من منظور التعافي الاقتصادي يبدو ظاهرياً مكافأة للحكومة اللبنانية كي «تستعيد احتكار استخدام القوة، وتضع حدًا للنفوذ الإيراني المفرط» على حد تعبير وزارة الخارجية الأميركية. غير أنّ السؤال المطروح هو: أي نوع من «التعافي» تقصده إدارة ترامب؟ وهل سيلبّي الاحتياجات الأساسية للبنانيين العاديين؟ أم أنّه سيفاقم أوجه فشل الدولة التي أتاحت لحزب الله بناء منظومته العسكرية والمالية والمؤسسية الموازية؟

 

من الإصلاح إلى الامتثال

لم يتعافَ لبنان حتى اليوم من الانهيار المالي لعام 2019 والذي وصفه البنك الدولي بأنه من بين الأسوأ في التاريخ الحديث. وحتى العام الماضي كانت الصفقة المطروحة من المجتمع الدولي واضحة نسبياً: الإصلاح مقابل الإنقاذ. فإذا أقدم لبنان على إعادة هيكلة قطاعه المصرفي وتوزيع الخسائر بشفافية واستوفى شروط صندوق النقد الدولي المتفق عليها على مستوى الخبراء في نيسان 2022، كان يُفترض أن تتبع ذلك مساعدات مالية دولية. ولم تكن شروط الصندوق مثالية لكنها انطلقت من مبدأ مشترك: أن تتحمّل المؤسسات التي تسببت في الأزمة حصةً ملموسة من كلفتها.

على الأرجح فإن كيفية معالجة القضايا الاقتصادية في المفاوضات الجارية ستعكس مدى محاسبة المصارف التجارية اللبنانية على الانهيار الذي تسببت فيه، كما ستحدّد مصير مئات الآلاف من اللبنانيين الذين يعتمدون على الخدمات المالية التي يوفرها حزب الله.

منذ تولي الرئيس دونالد ترامب منصبه العام الماضي، برز ازدراء إدارته للمؤسسات متعددة الأطراف بما فيها صندوق النقد الدولي كأحد الثوابت القليلة في سياسات البيت الأبيض. انعكس ذلك في تصريحات نائبة المبعوث الخاص لترامب إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس، حين شككت العام الماضي في ضرورة اضطلاع الصندوق بدور في تعافي لبنان المالي. ففي فعالية عُقدت في الدوحة في أيار 2025، قالت أورتاغوس إن الصندوق «ليس الحل الوحيد» للبنان وإن لديها «خطة ورؤية طموحتين يمكن للبنان من خلالهما الاستغناء حتى عن صندوق النقد الدولي». اقترحت أورتاغوس، والتي تظهر اليوم علناً كشريكة المصرفي اللبناني الملياردير أنطون صحناوي، أن تتولى رؤوس الأموال الأميركية والخليجية تمويل تعافي لبنان ضمن ترتيب يُفضي فيه نزع سلاح حزب الله إلى فتح الباب أمام التقدم الاقتصادي بما يخلق «دولة جاذبة للاستثمار» على حد تعبيرها.

وبالمثل، وضع بيان وزارة الخارجية الأميركية الصادر يوم الثلاثاء واشنطن في موقع الجهة المهيمنة التي تدفع بالمفاوضات بين لبنان وإسرائيل نحو اتفاق سلام، دون أي إشارة إلى دور محتمل للأطر متعددة الأطراف. ويتسق ذلك مع تفضيل إدارة ترامب للعلاقات الثنائية، حيث تكون الولايات المتحدة أقدر على توظيف ثقلها المالي والعسكري لفرض شروطها. غير أن هذه الشروط  تبدو مختلفة عن شروط صندوق النقد الدولي في ما يتعلق بإنقاذ لبنان، إذ يتمحور الاهتمام الأميركي أساساً حول نزع سلاح حزب الله لا إصلاح القطاع المالي. ويكتسب هذا الفارق أهمية بالغة بالنسبة للبنانيين العاديين. وعلى الأرجح فإن كيفية معالجة القضايا الاقتصادية في المفاوضات الجارية ستعكس مدى محاسبة المصارف التجارية اللبنانية على الانهيار الذي تسببت فيه، كما ستحدّد مصير مئات الآلاف من اللبنانيين الذين يعتمدون على الخدمات المالية التي يوفرها حزب الله.

 

التمويل الموازي في ظل فشل الدولة

لم يتولَّ حزب الله دوره العسكري صدفة، بل نشأ في سياق فشل مؤسسي خلال الحرب الأهلية اللبنانية حين عجزت الدولة عن توفير الأمن أو إرغام إسرائيل على الانسحاب من جنوب لبنان. وبالمثل فإن شبكات الحزب المالية والاجتماعية نشأت نتيجة إخفاق الدولة في توفير الخدمات والحماية للطائفة الشيعية، وتُعدّ جمعية القرض الحسن أحد أبرز النماذج عن سدّ المؤسسات الموازية وغير الرسمية لهذا الفراغ.

مع اندلاع الأزمة المالية في أواخر 2019 حرمت البنوك التجارية الناس من الوصول إلى مدخراتهم، في حين استمرت مؤسسة القرض الحسن بتوفير القروض والسحوبات بالدولار الأميركي.

تأسست جمعية القرض الحسن في ثمانينيات القرن الماضي في أعقاب الغزو الإسرائيلي، وترتكز مؤسسياً إلى مبدأ القرض الحسن في الفقه الإسلامي، إذ تقدّم قروضاً صغيرة بلا فوائد وخدمات مالية أساسية لقاعدة من المستفيدين يغلب عليها الطابع الشيعي، ما أسهم في بناء شبكة أمان اجتماعي وقاعدة ولاء سياسي متينة لحزب الله. تم ترخيص جمعية القرض الحسن رسمياً كمؤسسة غير ربحية من قبل وزارة الداخلية عام 1987 لكنها تعمل بالكامل خارج الإطار الرقابي لمصرف لبنان. تتهم وزارة الخزانة الأميركية الجمعية بتسهيل الأنشطة المالية لحزب الله، وفرضت واشنطن عقوبات عليها منذ عام 2007. إلا أن الجمعية واصلت توسّعها، إذ ارتفع حجم الإقراض السنوي من نحو 75 مليون دولار في 2007 إلى نحو 500 مليون دولار في 2019. تتفاوت التقديرات، لكن يُقال إن الجمعية قدّمت خدماتها لنحو 1.9 مليون شخص منذ تأسيسها، مع قاعدة مستخدمين نشطة تُقدَّر بحوالي 300 ألف شخص.

ومع اندلاع الأزمة المالية في أواخر 2019 فرضت المصارف التجارية بين ليلة وضحاها قيوداً غير رسمية على السحوبات والتحويلات ما حرم المودعين العاديين من الوصول إلى مدخراتهم بالعملات الأجنبية، في حين تمكّنت النخب المرتبطة بمراكز النفوذ من تحويل مليارات الدولارات إلى الخارج. في المقابل واصلت جمعية القرض الحسن تقديم قروض بالدولار الأميركي ومعالجة السحوبات، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في نشاطها، إذ أفادت إدارتها العليا بأن قاعدة عملائها تضاعفت خلال السنة الأولى من الأزمة.

وخلال جولة القتال السابقة بين حزب الله وإسرائيل في 2023-2024 بدأت إسرائيل تتعامل مع الجمعية كهدف عسكري، ومنذ استئناف التصعيد في 2 آذار من هذا العام عادت إلى استهدافها، حيث قصفت معظم، أو جميع، فروع الجمعية الثلاثين. واعتبرت كلّ من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن هذه الضربات ترقى إلى جرائم حرب.

وحسب محمد فحيلي، خبير استراتيجيات المخاطر والاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية في بيروت، في حديثه لمجلة Money Laundering Bulletin، فإن الإسرائيليين «عطّلوا استمرارية العمليات لكنهم لم يدمّروا الجمعية بأي شكل من الأشكال. وقد خلق هذا الضغط حاجةً للانتقال من الفروع الظاهرة إلى آليات أكثر تشتتاً، والتي بدأت بالفعل في ذلك».

 

بديل مُقوَّض

لا يقتصر الضغط على جمعية القرض الحسن على إسرائيل وواشنطن بل يشمل الدولة اللبنانية أيضاً، وإن جاء ذلك أقرب إلى إجراء امتثال للضغوط الأميركية منه إلى خيار سيادي مستقل. فقد أصدر مصرف لبنان التعميم رقم 170 في تموز 2025 الذي حظر على المؤسسات الخاضعة له التعامل مع كيانات غير مرخّصة أو خاضعة للعقوبات، ويذكر الجمعية بالاسم. في المقابل لم تبادر الدولة ولا مصرف لبنان يوماً إلى تطوير قطاع تمويل أصغر موجّه للفئات محدودة الدخل، ولا حتى إلى إنشاء إطار تنظيمي شامل لمؤسسات التمويل الأصغر كفئة مستقلة خاضعة للرقابة. هذا الفراغ هو ما أتاح المجال للجهات غير الرسمية مثل جمعية القرض الحسن، وكذلك أخرى مثل «إمكان للتمويل» والتي كانت تعمل سابقاً كمؤسسة تمويل صغرى تابعة لبنك البحر المتوسط المملوك لعائلة الحريري، الخصم السياسي لحزب الله، بما يفترض أنه ثِقل موازن لجمعية القرض الحسن.

تطرح هذه الإجراءات ضد جمعية القرض الحسن سؤالاً جوهرياً: إلى أين يتجه عملاء هذه المؤسسة – بل أي مواطن لبناني عادي – للحصول على الخدمات المالية؟ فرغم ما يحيط بالجمعية من إشكاليات بوصفها ذراعاً مالية لحزب الله، فإن خدماتها تؤدي وظيفة اجتماعية اقتصادية أساسية لمئات الآلاف.

وفي سيناريو مستبعد للغاية ينجح فيه لبنان في نزع سلاح حزب الله مقابل حزمة إنقاذ مالي مدعومة أميركياً، ويتم فيه القضاء على الجمعية، سيُدفع عدد كبير من اللبنانيين إلى الخروج من ملاذ مالي فاعل – وإن كان مسيّساً – والعودة إلى مصارف تجارية مفترِسة تتمتع بحصانة جيوسياسية تتيح لها الإفلات من أي مسار محاسبة داخلي.

والأرجح، وبغض النظر عن مآلات المفاوضات في واشنطن أو مسار الحرب في جنوب لبنان، هو تعمّق انقسام السوق المالية: إذ ستتكيف جمعية القرض الحسن وغيرها من الفاعلين الماليين غير الخاضعين للتنظيم، وتترسّخ أدوارهم، ويسهمون في توسيع الاقتصاد غير الرسمي ,الذي قدّر البنك الدولي أنه شكّل نحو نصف النشاط الاقتصادي في لبنان بحلول عام 2022. ولن يكون ذلك نتيجة «نزعة إجرامية» كامنة في المجتمع اللبناني، بل غياب نظام رسمي موثوق يمكن اللجوء إليه.

بالنسبة لكثير من اللبنانيين فإن العودة إلى النظام المالي الموازي لحزب الله لن تكون بدافع الولاء بل الضرورة.

ورغم تأكيد رئيس الحكومة نواف سلام أن الجنوب «لن يُترك وحيداً» فإن المسارات الراهنة تشير إلى عكس ذلك. ففرض السيادة في غياب إصلاح مالي ذي مصداقية ينطوي على خطر إعادة إنتاج التقصير الذي أتاح نشوء أنظمة موازية مثل جمعية القرض الحسن في الأساس. ولا يمكن توقّع أن يعود مئات الآلاف من اللبنانيين الذين اعتمدوا على خدمات الجمعية إلى قطاع مصرفي أفلت من أي مساءلة منذ عام 2019. أما عملياً، فإنه يتركهم دون وصول إلى خدمات مالية قانونية وفعّالة وموثوقة في وقت تربط فيه واشنطن إعادة الإعمار والتعافي بمسار نزع السلاح. بالنسبة لكثيرين، لن يكون الخيار أيديولوجياً بل بنيوياً. أي أن العودة إلى النظام المالي الموازي لحزب الله لن تكون بدافع الولاء بل الضرورة، بما قد يعيد إنتاج القاعدة الاجتماعية التي تدّعي الدولة أنها تسعى إلى استبدالها.

المواضيع ذات الصلة