تأسست جمعية القرض الحسن في ثمانينيات القرن الماضي في أعقاب الغزو الإسرائيلي، وترتكز مؤسسياً إلى مبدأ القرض الحسن في الفقه الإسلامي، إذ تقدّم قروضاً صغيرة بلا فوائد وخدمات مالية أساسية لقاعدة من المستفيدين يغلب عليها الطابع الشيعي، ما أسهم في بناء شبكة أمان اجتماعي وقاعدة ولاء سياسي متينة لحزب الله. تم ترخيص جمعية القرض الحسن رسمياً كمؤسسة غير ربحية من قبل وزارة الداخلية عام 1987 لكنها تعمل بالكامل خارج الإطار الرقابي لمصرف لبنان. تتهم وزارة الخزانة الأميركية الجمعية بتسهيل الأنشطة المالية لحزب الله، وفرضت واشنطن عقوبات عليها منذ عام 2007. إلا أن الجمعية واصلت توسّعها، إذ ارتفع حجم الإقراض السنوي من نحو 75 مليون دولار في 2007 إلى نحو 500 مليون دولار في 2019. تتفاوت التقديرات، لكن يُقال إن الجمعية قدّمت خدماتها لنحو 1.9 مليون شخص منذ تأسيسها، مع قاعدة مستخدمين نشطة تُقدَّر بحوالي 300 ألف شخص.
ومع اندلاع الأزمة المالية في أواخر 2019 فرضت المصارف التجارية بين ليلة وضحاها قيوداً غير رسمية على السحوبات والتحويلات ما حرم المودعين العاديين من الوصول إلى مدخراتهم بالعملات الأجنبية، في حين تمكّنت النخب المرتبطة بمراكز النفوذ من تحويل مليارات الدولارات إلى الخارج. في المقابل واصلت جمعية القرض الحسن تقديم قروض بالدولار الأميركي ومعالجة السحوبات، ما أدى إلى زيادة ملحوظة في نشاطها، إذ أفادت إدارتها العليا بأن قاعدة عملائها تضاعفت خلال السنة الأولى من الأزمة.
وخلال جولة القتال السابقة بين حزب الله وإسرائيل في 2023-2024 بدأت إسرائيل تتعامل مع الجمعية كهدف عسكري، ومنذ استئناف التصعيد في 2 آذار من هذا العام عادت إلى استهدافها، حيث قصفت معظم، أو جميع، فروع الجمعية الثلاثين. واعتبرت كلّ من منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش أن هذه الضربات ترقى إلى جرائم حرب.
وحسب محمد فحيلي، خبير استراتيجيات المخاطر والاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية في بيروت، في حديثه لمجلة Money Laundering Bulletin، فإن الإسرائيليين «عطّلوا استمرارية العمليات لكنهم لم يدمّروا الجمعية بأي شكل من الأشكال. وقد خلق هذا الضغط حاجةً للانتقال من الفروع الظاهرة إلى آليات أكثر تشتتاً، والتي بدأت بالفعل في ذلك».
بديل مُقوَّض
لا يقتصر الضغط على جمعية القرض الحسن على إسرائيل وواشنطن بل يشمل الدولة اللبنانية أيضاً، وإن جاء ذلك أقرب إلى إجراء امتثال للضغوط الأميركية منه إلى خيار سيادي مستقل. فقد أصدر مصرف لبنان التعميم رقم 170 في تموز 2025 الذي حظر على المؤسسات الخاضعة له التعامل مع كيانات غير مرخّصة أو خاضعة للعقوبات، ويذكر الجمعية بالاسم. في المقابل لم تبادر الدولة ولا مصرف لبنان يوماً إلى تطوير قطاع تمويل أصغر موجّه للفئات محدودة الدخل، ولا حتى إلى إنشاء إطار تنظيمي شامل لمؤسسات التمويل الأصغر كفئة مستقلة خاضعة للرقابة. هذا الفراغ هو ما أتاح المجال للجهات غير الرسمية مثل جمعية القرض الحسن، وكذلك أخرى مثل «إمكان للتمويل» والتي كانت تعمل سابقاً كمؤسسة تمويل صغرى تابعة لبنك البحر المتوسط المملوك لعائلة الحريري، الخصم السياسي لحزب الله، بما يفترض أنه ثِقل موازن لجمعية القرض الحسن.
تطرح هذه الإجراءات ضد جمعية القرض الحسن سؤالاً جوهرياً: إلى أين يتجه عملاء هذه المؤسسة – بل أي مواطن لبناني عادي – للحصول على الخدمات المالية؟ فرغم ما يحيط بالجمعية من إشكاليات بوصفها ذراعاً مالية لحزب الله، فإن خدماتها تؤدي وظيفة اجتماعية اقتصادية أساسية لمئات الآلاف.
وفي سيناريو مستبعد للغاية ينجح فيه لبنان في نزع سلاح حزب الله مقابل حزمة إنقاذ مالي مدعومة أميركياً، ويتم فيه القضاء على الجمعية، سيُدفع عدد كبير من اللبنانيين إلى الخروج من ملاذ مالي فاعل – وإن كان مسيّساً – والعودة إلى مصارف تجارية مفترِسة تتمتع بحصانة جيوسياسية تتيح لها الإفلات من أي مسار محاسبة داخلي.
والأرجح، وبغض النظر عن مآلات المفاوضات في واشنطن أو مسار الحرب في جنوب لبنان، هو تعمّق انقسام السوق المالية: إذ ستتكيف جمعية القرض الحسن وغيرها من الفاعلين الماليين غير الخاضعين للتنظيم، وتترسّخ أدوارهم، ويسهمون في توسيع الاقتصاد غير الرسمي ,الذي قدّر البنك الدولي أنه شكّل نحو نصف النشاط الاقتصادي في لبنان بحلول عام 2022. ولن يكون ذلك نتيجة «نزعة إجرامية» كامنة في المجتمع اللبناني، بل غياب نظام رسمي موثوق يمكن اللجوء إليه.