نهاية الوهم: لا إعادة إعمار في لبنان من دون إصلاح النظام الضريبي

مع شحّ الدعم الدولي واستنفاد النموذج القديم القائم على الاقتراض، يعتمد مسار إعادة الإعمار على أن تدفع النخب اللبنانية حصتها العادلة من الضرائب.

خلّفت حربا 2024 و2026 دماراً هائلاً باتت كلفته واضحة، فالأضرار تُقدَّر اليوم بنحو 20 مليار دولار بعدما دمّرت الهجمات الإسرائيلية والقتال المستمر مدارس ومستشفيات وبلدات بأكملها. وكل ذلك في بلد لم يتعافَ بعد من الانهيار الاقتصادي الذي بدأ عام 2019.

ومع أنّ إنهاء النزاع وإعادة الإعمار يتصدّران الأولويات اليوم، إلا إنّ التحدي الفعلي أعمق من ذلك بكثير. فإن توفير الرعاية الصحية بشكل فعّال، والحماية الاجتماعية والبنية التحتية والقدرات الدفاعية… يتطلّب دولة تمتلك موارد عامة تفوق ما هو متاح لها اليوم بكثير. إذ أن التدهور المتواصل في الخدمات العامة، والتي كانت ضعيفة أساساً ثم ازداد انحدارها منذ الأزمة، ترك أثره على كل جوانب الحياة، بل حتى على الصحة النفسية للسكان: حتى قبل اندلاع الحربين الأخيرتين، أظهرت المسوحات أنّ 62.8% من اللبنانيين يعانون أعراضاً تتوافق مع اضطراب نفسي واحد على الأقل. وفي هذه المرحلة، وإذا عجزت الدولة عن طرح مسار قابل للحياة لإعادة إعمار البلاد، فإنها تخاطر بفقدان المبرّر الأساسي لوجودها.

العيش على الدَّين

ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها لبنان نفسه أمام مسار طويل ومتعثر لإعادة الإعمار. فقد خلّفت الحرب الأهلية (التي انتهت عام 1990 بعد خمسة عشر عاماً من الاقتتال) أضراراً مادية قُدّرت بما لا يقل عن 25 مليار دولار أي ما يعادل نحو 60 مليار دولار بقيمة اليوم. وأمام حاجات إعادة الإعمار الهائلة والتآكل الحاد في قاعدة إيرادات الدولة، لم تجد الحكومة سوى خيار واحد: الاقتراض. على مدار التسعينات كان أكثر من ثلثي الإنفاق الرأسمالي يُموَّل عبر الاقتراض من الأسواق بفوائد مرتفعة، فيما ارتفع الدين العام من نحو ملياري دولار في مطلع التسعينيات إلى 25 مليار دولار بحلول عام 2000، أي ما يعادل 150% من الناتج المحلي الإجمالي. وعواقب ذلك باتت معروفة اليوم.

ولم يكن انهيار هذا النموذج القائم على الاقتراض، إلى جانب الاعتماد على مختلف الداعمين الخارجيين، سوى مسألة وقت.

تداخل نهوض لبنان بعد الحرب مع نهوض قطاعه المصرفي. فقد استقطبت المصارف الودائع عبر الفوائد المرتفعة واستقرار سعر الصرف والسرية المصرفية المشدّدة، ثم أعادت توظيف جزء كبير من هذه الأموال في تمويل دين الدولة. وهكذا نشأت علاقة تبادلية عزّز فيها كل طرف موقع الآخر: إذ حصّلت الدولة التمويل فيما حققت المصارف عوائد منتظمة من إقراضها. ومع الوقت ازداد تشابك المصالح المالية والسياسية، وأظهر تحقيق نشره «البديل» في 2023 أنّ ربع أعضاء مجالس إدارة أكبر 15 مصرفاً في لبنان يندرجون ضمن فئة «الأشخاص المعرّضين سياسياً».

أدّى الاقتراض أيضاً وظيفة سياسية، إذ أتاح للحكومات تمويل إعادة الإعمار وشبكات الزبائنية من دون الاضطرار إلى حسم مسألة من ينبغي أن يتحمّل الكلفة عبر الضرائب، فيما جعلت السرية المصرفية مراقبة الثروات وفرض الضرائب عليها أكثر صعوبة. وفي موازاة ذلك قوّض حزب الله وإيران سيادة الدولة عبر بناء قناة تمويل موازية خاصة بهما، حيث قدّمت مؤسسة «القرض الحسن» المرتبطة بحزب الله منذ تأسيسها في ثمانينيات القرن الماضي وحتى 2021 قروضاً بقيمة 3.7 مليارات دولار.

ولم يكن انهيار هذا النموذج القائم على الاقتراض، إلى جانب الاعتماد على مختلف الداعمين الخارجيين، سوى مسألة وقت. فبحلول عام 2019 بلغ الدين العام 160% من الناتج المحلي الإجمالي فيما استحوذت مدفوعات الفوائد على ما يقارب 32% من إنفاق الدولة. وفي العام نفسه انهار النظام فسقطت معه آلية التمويل التي اعتمدت عليها الدولة لعقود، وتبدّدت في الوقت نفسه مدخرات الناس ومصادر عيشهم. واليوم تجد الدولة نفسها عاجزة عن السداد لدائنيها، ولا تكاد تستطيع دفع رواتب القطاع العام المتدنية أو تمويل الجيش اللبناني بما يكفي ليتولى مهمة حماية الحدود. وهكذا يجد لبنان نفسه مجدداً أمام إعادة الإعمار وكأنها مرحلة لم تنتهي أصلاً، لكن هذه المرة بخيارات أضيق بكثير.

لم يبقَ سوى القليل من الأوراق

تسبّبت حرب 2026 بانكماش اقتصادي يُقدَّر بنحو 7 إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، ما يقوّض قدرة الدولة على تمويل التعافي من إيراداتها الحالية. ولم يعد المانحون التقليديون للبنان على الاستعداد نفسه لتقديم الدعم. فالشركاء الغربيون والخليجيون، والذين ضاقوا ذرعاً بسنوات من الإصلاحات المتعثرة وببطء مسار نزع سلاح حزب الله منذ وقف إطلاق النار عام 2024، باتوا يستخدمون المساعدات كأداة ضغط، رافعين سقف مطالبهم من الدولة اللبنانية فيما يتراجع حجم الدعم المقدّم لها.

وبذلك بات استمرار الدعم مرهوناً بقدرة الجيش اللبناني، المرهَق والمفتقر إلى الموارد، على إحراز تقدّم في ملف نزع السلاح. وقد جرى ضبط الدعم العسكري الغربي للجيش اللبناني عمداً بما يخدم الاستقرار الداخلي، لا بما يمكّنه من أن يشكّل قوة ردع فعلية في مواجهة حزب الله أو إسرائيل، وذلك تحديداً في اللحظة التي تحتاج فيها الدولة إلى إثبات قدرتها على فرض سلطتها.

عملياً، يكرّس ذلك معادلة ضريبية تقوم على مبدأ«ادفع القليل ولا تتوقّع شيئاً تقريباً»: فالدولة تجبي قدراً محدوداً نسبياً من أصحاب الثروات ولا تقدّم في المقابل سوى خدمات محدودة، ما يدفع الأسر إلى الاعتماد على الخدمات الخاصة وشبكات الزبائنية السياسية. وفي الوقت نفسه تجعل الضرائب غير المباشرة (مثل ضريبة القيمة المضافة) الأسر الأقل دخلاً تتحمّل عبئاً ضريبياً أكبر نسبياً، بما يرسّخ هشاشتها الاقتصادية.

إن إصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر تصاعدية ليس مجرّد مسألة تقنية، بل هو خيار سياسي سيحدّد ما إذا كانت الدولة ستستمر فعلياً أم تتلاشى تدريجياً.

المخرج الخاطئ

وفي هذا السياق فإن إصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر تصاعدية ليس مجرّد مسألة تقنية، بل هو خيار سياسي سيحدّد ما إذا كانت الدولة ستستمر فعلياً أم تتلاشى تدريجياً. وسبق أن حذّر صندوق النقد الدولي بشكل واضح من الإجراءات المجتزأة لزيادة الإيرادات التي لا تعالج كيفية توزيع العبء الضريبي. ودعا اقتصاديون ومنظمات من المجتمع المدني ومؤسسات مالية دولية إلى إلغاء الإعفاءات التي تطال أرباح رأس المال وتوزيعات الأرباح وتوسيع نطاق الضرائب العقارية وإنهاء المعاملة التفضيلية للمساكن الثانية والعقارات الشاغرة وتعزيز فعالية التحصيل والإنفاذ الضريبي.

لبنان لا يعاني من نقص في المقترحات والطروحات، بل ما ينقص هو الإرادة السياسية لإعادة توزيع العبء الضريبي بعدالة بدلاً من مواصلة تحميله للفئات نفسها. وظهر تردّد الحكومة في اتخاذ قرارات مالية صعبة بوضوح بعد حرب 2024. وعلى الرغم من تقديم إعادة الإعمار بوصفها أولوية وطنية، تعرّض مشروع موازنة 2026 لانتقادات واسعة بسبب افتقاره إلى أي بند أو استثمار مرتبط بإعادة الإعمار.

ثم عادت حكومة نواف سلام (مثل سابقاتها) إلى الأدوات القديمة. ففي شباط فرض مجلس الوزراء ضريبة جديدة على البنزين واقترح رفع ضريبة القيمة المضافة من 11 إلى 12%، فيما لا تزال الزيادة المقترحة بانتظار موافقة مجلس النواب. وهي إجراءات تُحمّل الأسر ذات الدخل المنخفض كلفة إضافية في وقت ترتفع فيه الأسعار سريعاً ولا تنخفض إلا نادراً.

تُظهر أحدث الأرقام المتاحة أنّ الضرائب المحلية على السلع والخدمات شكّلت في عام 2025 نحو 54.6% من مجمل الإيرادات الضريبية في لبنان، منها 43.1% من ضريبة القيمة المضافة، فيما ساهمت الضرائب على التجارة الدولية بنسبة إضافية بلغت 15.8%. وبذلك أمّنت الضرائب المرتبطة بالاستهلاك والتجارة مجتمعةً نحو 70% من إجمالي الإيرادات الضريبية.

في المقابل لم تتجاوز حصة الضرائب على الدخل والأرباح ومكاسب رأس المال 17.1%، فيما شكّلت الضرائب على الأجور والرواتب وحدها 6% فقط من مجمل الإيرادات الضريبية. وإذا كانت الحكومة جادّة فعلاً في تمويل إعادة الإعمار، فيجب أن يكون تصحيح هذا الاختلال في صلب أولوياتها.

وحجم التفاوت في لبنان وحده كان كفيلاً منذ سنوات بحسم مسألة رفع أعلى شريحة ضريبية. فبحسب تقديرات قاعدة بيانات اللامساواة العالمية حصل أغنى 10% من السكان في عام 2024 على نحو 49% من الدخل القومي قبل الضرائب، مقابل 11% فقط للنصف الأدنى دخلاً من السكان البالغين. أما أغنى 1% وحدهم فاستحوذوا على نحو 20% من الإجمالي. وبعبارة أخرى، تستأثر شريحة ضئيلة جداً من السكان بحصة غير متناسبة من دخل البلاد لكنها لا تسهم، في ظل النظام الضريبي الحالي، إلا بقدر محدود نسبياً في الإيرادات الضريبية.

أدركت الحكومات المتعاقبة هذا الخلل دون أن تتخذ أي إجراءات جدية لمعالجته. وقبيل انهيار عام 2019 ومع تصاعد مؤشرات الأزمة، رفعت النخب الحاكمة أعلى معدل هامشي للضريبة على دخل العمل من 20 إلى 25%، وهي نسبة بقيت متدنية جداً مقارنة بالمعايير الدولية.

تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنّ أعلى معدلات الضريبة على الدخل بلغت 30% أو أكثر في 32 من أصل 38 دولة عضواً في المنظمة عام 2025. وفي النمسا وفرنسا واليابان، تقترب هذه النسبة من 55% عند احتساب الضرائب الوطنية والمحلية والإضافية مجتمعةً. وفي ضوء ذلك، لا يبدو رفع أعلى شريحة ضريبية في لبنان إلى 30% أمراً استثنائياً، كما يمكن استحداث شريحة جديدة بنسبة 35% لأصحاب الدخول الأعلى جداً. وفي المقابل، ينبغي تعديل شرائح أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط بما يواكب التضخم، حتى لا يدفعهم ارتفاع الأسعار وحده إلى شرائح ضريبية أعلى.

ولم تُستخلص دروس تُذكر من الانهيار المالي. ففي هذا الشهر وحده (وتحت عنوان حماية البيئة) فرضت الحكومة «رسم المنتجات الملوِّثة» وهو رسم تصاعدي على المنتجات المستوردة تصل نسبته إلى 3%، ومن المرجّح أن تُنقل كلفته في معظمها إلى المستهلك في وقت تشهد فيه الأسعار ارتفاعاً مستمراً. ولا شك في أنّ فرض الضرائب عند الاستيراد أو الاستهلاك هو الخيار الأسهل لأي حكومة. لكنه ليس الخيار الذي يعالج أصل المشكلة.

الحقيقة أنّ أي إصلاح ضريبي جدّي يصطدم مباشرةً بمصالح النخب التي شكّلت الخيارات المالية في لبنان طوال عقود. لكن الجانب الإيجابي هو أنّ الوقت حان لتغيير ذلك، وثمة مؤشرات إلى أنّ هذا التغيير قد يكون ممكناً.

لا يوجد خيار سهل

الحقيقة أنّ أي إصلاح ضريبي جدّي يصطدم مباشرةً بمصالح النخب التي شكّلت الخيارات المالية في لبنان طوال عقود. لكن الجانب الإيجابي هو أنّ الوقت حان لتغيير ذلك، وثمة مؤشرات إلى أنّ هذا التغيير قد يكون ممكناً. ويُحسب لهذه الحكومة أنّها اتخذت خطوات لتحسين جباية الضرائب، بعد سنوات بقي فيها التحصيل عند مستويات متدنية للغاية. وإذا استمر هذا المسار، فإن بعض التقديرات تشير إلى إمكان زيادة الإيرادات الضريبية بنسبة تصل إلى 50%.

لكن حتى في أفضل السيناريوهات، لن تقترب هذه الزيادة من تغطية حاجات البلاد. فرفع إيرادات الدولة البالغة 4.65 مليارات دولار في عام 2025 بنسبة 50% لن يكون كافياً لتمويل كلفة إعادة الإعمار المقدّرة بـ20 مليار دولار، ناهيك عن إصلاح الخدمات العامة الأساسية.

ومع اقتراب جلسة مناقشة الموازنة في مجلس النواب في تشرين الأول، فإن الدولة أمام خيار واضح. يمكنها أن تواصل تحسين الجباية وتعيد توجيه النظام الضريبي نحو تصاعدية فعلية وتستعيد الثقة بالمالية العامة، بما يمهّد في نهاية المطاف للعودة إلى أسواق الاقتراض. أو يمكنها أن ترضخ للمعادلة الضريبية القائمة اليوم على مبدأ «ادفع القليل ولا تتوقّع شيئاً تقريباً»، وتتجاهل حقيقة أنّ قدرتها على أداء وظائفها الأساسية تتراجع بشكل خطير. وبالنسبة إلى اللبنانيين، لا يخلو أيّ من الخيارين من الصعوبة، لكن واحداً منهما فقط يقدّم مخرجاً فعلياً.

المواضيع ذات الصلة