المخرج الخاطئ
وفي هذا السياق فإن إصلاح النظام الضريبي ليصبح أكثر تصاعدية ليس مجرّد مسألة تقنية، بل هو خيار سياسي سيحدّد ما إذا كانت الدولة ستستمر فعلياً أم تتلاشى تدريجياً. وسبق أن حذّر صندوق النقد الدولي بشكل واضح من الإجراءات المجتزأة لزيادة الإيرادات التي لا تعالج كيفية توزيع العبء الضريبي. ودعا اقتصاديون ومنظمات من المجتمع المدني ومؤسسات مالية دولية إلى إلغاء الإعفاءات التي تطال أرباح رأس المال وتوزيعات الأرباح وتوسيع نطاق الضرائب العقارية وإنهاء المعاملة التفضيلية للمساكن الثانية والعقارات الشاغرة وتعزيز فعالية التحصيل والإنفاذ الضريبي.
لبنان لا يعاني من نقص في المقترحات والطروحات، بل ما ينقص هو الإرادة السياسية لإعادة توزيع العبء الضريبي بعدالة بدلاً من مواصلة تحميله للفئات نفسها. وظهر تردّد الحكومة في اتخاذ قرارات مالية صعبة بوضوح بعد حرب 2024. وعلى الرغم من تقديم إعادة الإعمار بوصفها أولوية وطنية، تعرّض مشروع موازنة 2026 لانتقادات واسعة بسبب افتقاره إلى أي بند أو استثمار مرتبط بإعادة الإعمار.
ثم عادت حكومة نواف سلام (مثل سابقاتها) إلى الأدوات القديمة. ففي شباط فرض مجلس الوزراء ضريبة جديدة على البنزين واقترح رفع ضريبة القيمة المضافة من 11 إلى 12%، فيما لا تزال الزيادة المقترحة بانتظار موافقة مجلس النواب. وهي إجراءات تُحمّل الأسر ذات الدخل المنخفض كلفة إضافية في وقت ترتفع فيه الأسعار سريعاً ولا تنخفض إلا نادراً.
تُظهر أحدث الأرقام المتاحة أنّ الضرائب المحلية على السلع والخدمات شكّلت في عام 2025 نحو 54.6% من مجمل الإيرادات الضريبية في لبنان، منها 43.1% من ضريبة القيمة المضافة، فيما ساهمت الضرائب على التجارة الدولية بنسبة إضافية بلغت 15.8%. وبذلك أمّنت الضرائب المرتبطة بالاستهلاك والتجارة مجتمعةً نحو 70% من إجمالي الإيرادات الضريبية.
في المقابل لم تتجاوز حصة الضرائب على الدخل والأرباح ومكاسب رأس المال 17.1%، فيما شكّلت الضرائب على الأجور والرواتب وحدها 6% فقط من مجمل الإيرادات الضريبية. وإذا كانت الحكومة جادّة فعلاً في تمويل إعادة الإعمار، فيجب أن يكون تصحيح هذا الاختلال في صلب أولوياتها.
وحجم التفاوت في لبنان وحده كان كفيلاً منذ سنوات بحسم مسألة رفع أعلى شريحة ضريبية. فبحسب تقديرات قاعدة بيانات اللامساواة العالمية حصل أغنى 10% من السكان في عام 2024 على نحو 49% من الدخل القومي قبل الضرائب، مقابل 11% فقط للنصف الأدنى دخلاً من السكان البالغين. أما أغنى 1% وحدهم فاستحوذوا على نحو 20% من الإجمالي. وبعبارة أخرى، تستأثر شريحة ضئيلة جداً من السكان بحصة غير متناسبة من دخل البلاد لكنها لا تسهم، في ظل النظام الضريبي الحالي، إلا بقدر محدود نسبياً في الإيرادات الضريبية.
أدركت الحكومات المتعاقبة هذا الخلل دون أن تتخذ أي إجراءات جدية لمعالجته. وقبيل انهيار عام 2019 ومع تصاعد مؤشرات الأزمة، رفعت النخب الحاكمة أعلى معدل هامشي للضريبة على دخل العمل من 20 إلى 25%، وهي نسبة بقيت متدنية جداً مقارنة بالمعايير الدولية.
تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنّ أعلى معدلات الضريبة على الدخل بلغت 30% أو أكثر في 32 من أصل 38 دولة عضواً في المنظمة عام 2025. وفي النمسا وفرنسا واليابان، تقترب هذه النسبة من 55% عند احتساب الضرائب الوطنية والمحلية والإضافية مجتمعةً. وفي ضوء ذلك، لا يبدو رفع أعلى شريحة ضريبية في لبنان إلى 30% أمراً استثنائياً، كما يمكن استحداث شريحة جديدة بنسبة 35% لأصحاب الدخول الأعلى جداً. وفي المقابل، ينبغي تعديل شرائح أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط بما يواكب التضخم، حتى لا يدفعهم ارتفاع الأسعار وحده إلى شرائح ضريبية أعلى.
ولم تُستخلص دروس تُذكر من الانهيار المالي. ففي هذا الشهر وحده (وتحت عنوان حماية البيئة) فرضت الحكومة «رسم المنتجات الملوِّثة» وهو رسم تصاعدي على المنتجات المستوردة تصل نسبته إلى 3%، ومن المرجّح أن تُنقل كلفته في معظمها إلى المستهلك في وقت تشهد فيه الأسعار ارتفاعاً مستمراً. ولا شك في أنّ فرض الضرائب عند الاستيراد أو الاستهلاك هو الخيار الأسهل لأي حكومة. لكنه ليس الخيار الذي يعالج أصل المشكلة.