الثمن الذي ندفعه: لماذا ترتفع الأسعار في لبنان ولا تنخفض؟

مع وجود أكثر من مليون نازح وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، على لبنان أن يبني منظومة لحوكمة الأسعار تضع حدّاً للتربّح من الأزمات.

في لبنان، تميل الأسعار في الأزمات إلى التحوّل إلى أسعار دائمة. فارتفاع أسعار الوقود والحروب والنزوح وصدمات الاستيراد، كلّها عوامل تدفع أسعار الغذاء إلى الارتفاع بسرعة. لكن حين تخفّ هذه الضغوط، نادراً ما تتراجع الأسعار بالسرعة نفسها، هذا إن تراجعت أصلاً. ومع دخول لبنان في ثالث صدمة كبرى لأسعار الغذاء خلال أقلّ من عقد، لا تزال الآليات اللازمة لضبط التربّح من الأزمات شكلية إلى حدّ كبير، ما يترك الأسر أمام أسعار ترتفع مع كلّ طارئ، ثم تبقى مرتفعة طويلاً بعد انقضائه.

والضغط الحالي على إمدادات الوقود العالمية، إلى جانب النزوح السكاني الواسع في لبنان، أدى إلى وضع يواجه فيه 1.24 مليون شخص (ما يقارب واحد من كلّ أربعة أشخاص) مستويات حادّة وطارئة من انعدام الأمن الغذائي وفق تقييمٍ للأمم المتحدة صدر مطلع حزيران. يأتي ذلك في أعقاب الحرب الأخيرة في لبنان والنزوح السكاني الواسع في عامَي 2023 و2024، واللذين سبقهما بدورهما التضخّم الهائل والمتواصل بين عامَي 2019 و2023، في ظلّ الانهيار المالي وجائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت، وآثار الحرب الروسية على أوكرانيا.

لا تملك الوزارة سوى خيار واحد له فعالية حقيقية وهو إحالة القضايا إلى النيابة العامة المالية. لكن نظراً إلى قلّة الملفات التي يمكن لهذا المسار أن يستوعبها، تبدو القدرة الفعلية للوزارة على الإنفاذ محدودةً بأداة واحدة.

في ظل هذه الأزمات كانت هناك ضغوط تضخّمية حقيقية ومبرّرة. غير أنّ عاملاً آخر كان حاضراً أيضاً: الشركات التي تسيطر على نقاط الاختناق في سلاسل التوريد في البلاد، أي مستوردو السلع الأساسية وموزّعوها، الذين يحوّلون حالات الطوارئ الوطنية إلى فرصٍ للربح، فيضيفون هامشاً إضافياً لمصلحتهم مع ارتفاع التكاليف ثم يخفضون الأسعار ببطء، إن خفّضوها أصلاً، مع تراجع الضغوط التضخّمية.

والحكومة اللبنانية على علم بما يحدث. قال وزير الاقتصاد والتجارة عامر بساط، وهو المسؤول الحكومي المعنيّ في نهاية المطاف بمراقبة أسعار المستهلكين، إنّ الأزمة الإقليمية قد تبرّر منطقياً ارتفاعاً في الأسعار بنحو 10%، لكن الزيادات التي يشهدها السوق اللبناني اليوم تتجاوز هذا المستوى بوضوح. ووصف الوضع بأنه مزيج من اقتصاد الحرب والاحتكار والتخزين. كذلك أشار وزير الزراعة نزار هاني إلى فجوة مماثلة بين السعر الذي يتقاضاه المزارع وسعر المنتجات على الرفّ، معتبراً أنّها تعكس خللاً في سلسلة التوريد وفي آلية تسعير السلع. حتى المفتشون العاملون في وزارة الاقتصاد ضبطوا في أواخر شباط ثلاثةً من كبار تجّار اللحوم وهم يمتنعون عن طرح المخزون في السوق ويرفعون الأسعار من دون مبرّر، غير أنّ هذه قطرة في بحر من التجاوزات، ولم تردع موجات التلاعب في السوق.

أمّا الهيئة المفترض أن تعالج هذه الإشكالات، وهي الهيئة الوطنية للمنافسة، فقد تم تفويضها قانونياً عام 2022 لكنها بقيت غير مُشكّلة طوال أربع سنوات، لأنّ الطبقة السياسية التي يُفترض أن تُنشئها هي نفسها الطبقة التي تتاجر بالسلع التي ستتولّى الهيئة مراقبتها.

نظرياً، يمتلك لبنان الأدوات اللازمة لمعالجة هذا الوضع. وزارة الاقتصاد والتجارة تراقب سلسلة التوريد وترصد التحركات غير الطبيعية في الأسعار وترسل مفتشين يسجّلون مئات محاضر المخالفات. لكن مكمن الخلل هو ما يحدث بعد ذلك. فهوامش الأسعار الرسمية المعتمدة للحكم على المخالفات باتت عديمة الجدوى إذ يعود عمرها إلى أكثر من نصف قرن، ولذلك يستخدم مسؤولو الوزارة معايير ظرفية لا تُعلَن للرأي العام بما يخلّ بأبسط متطلبات الشفافية والنزاهة. ثم تدخل القضايا التي تعبر هذا الغموض إلى مسار قضائي يمتدّ لسنوات، يستطيع خلاله المخالف أن يواصل خرق القانون من دون عائق. أمّا الحدّ الأقصى للغرامة التي تُفرض فهو ضئيل جداً، لأنّ العقوبات لم تُحدَّث منذ انهيار العملة ما بدّد تأثيرها الردعي. ولا تملك الوزارة سوى خيار واحد له فعالية حقيقية وهو إحالة القضايا إلى النيابة العامة المالية. لكن نظراً إلى قلّة الملفات التي يمكن لهذا المسار أن يستوعبها، تبدو القدرة الفعلية للوزارة على الإنفاذ محدودةً بأداة واحدة.

أمّا الهيئة المفترض أن تعالج هذه الإشكالات، وهي الهيئة الوطنية للمنافسة، فقد تم تفويضها قانونياً عام 2022 لكنها بقيت غير مُشكّلة طوال أربع سنوات، لأنّ الطبقة السياسية التي يُفترض أن تُنشئها هي نفسها الطبقة التي تتاجر بالسلع التي ستتولّى الهيئة مراقبتها. وما يبقى هو نظام يتخفّى بلباس تنظيم الأسعار، لكنه في الواقع يحمي المستفيدين من التربّح من الأزمات.

صدمة الأسعار

ترتفع الأسعار عادةً كلّ عام خلال شهر رمضان، مع زيادة مشتريات الأسر وارتفاع الطلب، وهو اتجاه ترصده وزارة الاقتصاد والتجارة في لبنان سنوياً عبر «مؤشّر الفتّوش» الذي يتتبّع كلفة مكوّنات هذه السلطة التقليدية. وقد بدأ شهر رمضان لعام 2026، الممتدّ من منتصف شباط إلى منتصف آذار، وفق هذا المنحنى المألوف في ارتفاع الكلفة.

لكن الصدمة السعرية الفعلية جاءت في نهاية شباط، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران. فردّت طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام شحنات البضائع والوقود، ما خنق إمدادات المحروقات عالمياً ودفع السعر العالمي لخام برنت إلى الارتفاع من 71 دولاراً للبرميل في شباط إلى 120 دولاراً في نيسان. وبالنسبة إلى لبنان الذي يستورد نحو 80% من غذائه ويعتمد على الوقود المستورد لتشغيل شاحناته ومولّداته ومضخّات المياه، انعكست الزيادة في كلفة الوقود على الاقتصاد شبه فورياً: فارتفع سعر المازوت محلياً بنسبة 61% بين شباط وأيار، والبنزين بنسبة 39%، وبدلات المولّدات الخاصة بنسبة 53% وسطياً وفق حسابات فريق «البديل». واللافت أنّ أسعار خام برنت العالمية قد تراجعت إلى 107.5 دولارات بحلول أيار فيما بقيت أسعار الوقود والمولّدات في لبنان مرتفعة حتى حزيران.

كما أدّى النزاع المسلّح مع إسرائيل في مطلع آذار إلى نزوح أكثر من مليون شخص في جنوب لبنان بما فيهم نحو 78% من مزارعي الجنوب، مع تضرّر محاصيل الحمضيات والزيتون والموز المحلية بشدّة ونفوق ما يقارب مليونَي رأس من الماشية والدواجن بحلول أوائل أيار.

وتراكمياً، ساهمت الصدمات السعرية الخارجية والداخلية في مضاعفة معدّل التضخّم في لبنان بين كانون الثاني ونيسان من 10.9% إلى 20%. وبحلول حزيران كانت الفئات الغذائية التي سجّلت أعلى معدّلات تضخّم سنوية هي الخضروات الطازجة (45%) والفواكه (20%) والحبوب والبذور والمكسّرات (21%) واللحوم والدواجن (18%).

قوانين متراكمة

يعود بناء الأسس القانونية لتنظيم أسعار الاستهلاك في لبنان إلى نصف قرن. فالقرار رقم 277/1 لعام 1972 والذي عُدّل لاحقاً بالقرار رقم 173 لعام 1977 يحدّد سقف هامش الربح في كلّ مرحلة من مراحل سلسلة التوريد، ولكلّ فئة من فئات المنتجات المشمولة بهذين القرارَين. أما صلاحية التدخّل بشكل أكثر صريح فقد جاءت مع المرسوم الاشتراعي رقم 73 لعام 1983 والذي أتاح للوزير تحديد الأسعار القصوى ونِسَب الأرباح وألزم التجّار بالتصريح عن مخزونهم. أما في الحالات التي لا يُحدَّد فيها سقف للسعر، فالمرسوم يحظر بيع أي سلعة بأكثر من ضعف كلفتها. كما أن المادة 16 من المرسوم تجعل أي زيادة غير طبيعية أو غير مبرّرة في الأسعار مخالفة بحدّ ذاتها، ويعرّف المرسوم الاحتكار والتخزين وإخفاء البضائع بوصفها مخالفات. وفي عام 1996، حُدّد الحدّ الأقصى لغرامة هذه المخالفات بمئة مليون ليرة لبنانية، أي ما كان يعادل نحو 66 ألف دولار آنذاك، إضافةً إلى عقوبات حبس تتراوح بين بضعة أيام وثلاثة أشهر.

ثم جاء قانون حماية المستهلك رقم 659 لعام 2005 لينشئ مديرية حماية المستهلك، ويوجّه اهتمام الدولة إلى طريقة عرض المنتج على الرفّ من خلال تنظيم عرض الأسعار والوسوم والإعلانات المضلّلة والشكاوى ومحاضر التفتيش. إلا أن هذا القانون صُمّم لحماية المستهلك لا لمراقبة سلسلة التوريد، ولذلك لا يزال تقييم هوامش الربح يستند إلى النصوص الأقدم.

أمّا الإضافة الأحدث وهو قانون المنافسة رقم 281 لعام 2022 فكان يُفترض أن يوفّر ما افتقرت إليه النصوص السابقة: آلية للتعامل مع قوّة السوق نفسها. فهو يحظر الكارتلات وإساءة استخدام الوضع المهيمن، وينشئ هيئة وطنية للمنافسة تضمّ مجلساً من سبعة أعضاء، ووحدة تحقيق تتمتّع بصلاحيات مماثلة لصلاحيات الضابطة العدلية مع القدرة على تغريم الأفراد المخالفين بما يصل إلى 100% من إيراداتهم المتأتية من المنتج المعني، وتغريم الشركات بما يصل إلى 10% من إجمالي حجم أعمالها في السنة السابقة، وإلزام المؤسسات بالإقفال لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر. بل يتيح القانون لمجلس الوزراء تحديد أسعار مؤقتة في حالات الطوارئ، إنما فقط بعد أن تُبدي الهيئة رأيها. غير أنّه، بعد أربع سنوات على صدور قانون المنافسة عام 2022، لا تزال الهيئة الوطنية للمنافسة غير مُنشأة.

أين يكمن الخلل؟

يستند الجهاز القانوني الناظم لتدخّل الدولة في أسعار المستهلك إلى آلية مراقبة فعّالة إلى حدّ ما. وفق توصيف المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر فإن النظام يتابع سلسلة التوريد بكاملها وينظر «في حجم الارتفاع الفعلي للأسعار في الخارج، كي نتمكّن من معرفة مقدار الربح الذي يضيفه [المستوردون]». وترصد الوزارة التحركات غير الطبيعية في الأسعار وترسل مفتّشيها لمتابعتها. وفي الأسابيع الستة الأولى من عام 2026 نفّذ حوالي 1,928 زيارة تفتيشية أكثر ونظّم أكثر من مئة محضر مخالفة.

لكن الضعف يكمن في المعايير التي يستخدمها المفتشون في محاضرهم. لم تُحدَّث عتبات هوامش الربح الرسمية منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم تعد صالحة للاقتصاد الحديث. لذلك يستخدمها المفتشون مع «هامش تساهل معتمد ضمن حدود محدّدة»، بحسب ما قال رئيس مديرية حماية المستهلك طارق يونس في حديثه لـ«البديل»، أي أن الوزارة طوّرت معايير داخلية ظرفية خاصة بها لتقييم هوامش أسعار المستهلك. وفي الحالات التي يتعذّر فيها إعادة بناء كلفة المنتج بالكامل، يستند الملف إلى معيار أوسع وأقلّ وضوحاً لما يُسمّى «الزيادة غير الطبيعية». وفي الحالتين لا يطّلع عموم الناس على الاعتبارات التي تقف خلف التقييم، إذ أن الوزارة لم تنشر منهجيات احتساب الكلفة المعتمدة حالياً ولا معايير الهوامش التي تُقيَّم الأسعار على أساسها، كما تركت مؤشرات الأسعار السابقة تتوقف. ومن دون هذه الأدوات، يصبح التحقّق الخارجي من محاضر المخالفات مستحيلاً، سواء من جانب المتسوّقين أو الصحافيين.

وإلى جانب مديرية حماية المستهلك، هناك المجلس الوطني لحماية المستهلك والمجلس الوطني لسياسة الأسعار المشترك بين الوزارات والمركز الفني لسياسة الأسعار. وفي حين يعمل المجلس الوطني لحماية المستهلك كهيئة استشارية، ينسّق المجلس الوطني لسياسة الأسعار السياسات بين الوزارات، بينما يراقب المركز الفني أسعار السوق وينشر التقارير. (انظر الرسم البياني).

وكما أوضح الخبير الاقتصادي والصحافي علي نور الدين لـ«البديل»، فمن الصعب التمييز بين الحالات التي تكتفي فيها الشركات بتمرير ارتفاع كلفة الوقود والشحن إلى المستهلكين، وتلك التي تنتج فيها زيادات الأسعار، على حدّ تعبيره، عن «ممارسات احتكارية أو تعسّف أو استغلال للأزمة». وهنا تحديداً تصبح المعايير المنشورة وهيئة المنافسة الفاعلة ضرورية لترسيخ مصداقية العملية ونزاهتها.

بمجرد وصول المحضر إلى المحاكم «يستغرق صدور الحكم نحو أربع سنوات» وهو تأخير «يسمح للمخالفين بالاستمرار في تجاهل القانون»

حين تُسجَّل مخالفة بحقّ مؤسسة ما، يُحال المحضر إلى وزير الاقتصاد والتجارة الذي يملك بموجب القانون أحد مسارين: إمّا إعادته لتوجيه إنذار يطلب من التاجر الامتثال أو إحالته إلى القضاء. وبحسب طارق يونس، بمجرد وصول المحضر إلى المحاكم «يستغرق صدور الحكم نحو أربع سنوات» وهو تأخير «يسمح للمخالفين بالاستمرار في تجاهل القانون».

وبعد انقضاء هذه السنوات الأربع، وحتى إذا أُدين المتّهم، تبقى العقوبة ضئيلة إلى حدّ يجعلها شبه بلا أثر. فالحدّ الأقصى للغرامة (100 مليون ليرة لبنانية) كان يساوي نحو 66 ألف دولار وفق سعر الصرف المعتمد قبيل الانهيار المالي عام 2019. أمّا بعد انهيار العملة فلم تعد هذه الغرامة تساوي سوى حوالي 1,100 دولار. وكما قال الخبير الاقتصادي منير يونس لـ«بديل»، «حتى حين توجد الرقابة تبقى الغرامات منخفضة جداً». بعبارة أخرى، إذا كانت كلفة خرق القانون أدنى من الربح المتأتي من هذا الخرق، يتحوّل حكم الإدانة لا إلى رادع بل إلى ما يشبه بدل ترخيص.

أما وزير الاقتصاد فيملك خياراً أسرع نسبياً وهو إحالة الملف إلى النيابة العامة المالية، والتي تشمل صلاحياتها توقيف المشتبه بهم وختم مؤسساتهم بالشمع الأحمر. وبالفعل أحال الوزير بساط في نيسان ملفاً إلى النيابة العامة المالية يسمّي مستوردين وموزّعين وأصحاب مولّدات. لكن هذا الإجراء يبقى مؤقتاً واستثناءً من القاعدة، إذ «لا يمكن إغراق مكتب النيابة العامة المالية بقضايا يُفترض بوزارة الاقتصاد والتجارة أن تتولاها بصورة مستمرة على امتداد السوق» بحسب علي نور الدين. وعليه تشكّل الإحالات إلى النيابة العامة المالية تدبيراً إسعافياً في الأزمة الحالية، ولا يمكن أن تحلّ محلّ الحلّ المؤسسي الأطول مدى، أي تشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة وتفعيلها، بما تملكه من تفويض قانوني كامل وصلاحيات للتعامل، بصورة مستمرة، مع الممارسات المناهضة للمنافسة والتلاعب بالسوق.

الطريق إلى حوكمة الأسعار

قانونياً، لا يبدو تشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة معقّداً. فالقانون ينصّ على مجلس من سبعة أعضاء بينهم قاضيان تُرشّحهما الجهة المشرفة على المحاكم في لبنان، على أن يأتي الأعضاء الآخرون من المجالات الاقتصادية والقانونية والأكاديمية. لكن بعد أربع سنوات على إقرار إنشاء الهيئة، لا يزال تشكيلها متعثّراً.

يقول زهير برو، رئيس جمعية «حماية المستهلك»، إنّ صعوبة تشكيل الهيئة الوطنية للمنافسة تكمن في بنية السلطة اللبنانية، مشيراً إلى أنّ «معظم الطبقة السياسية وأقاربها يعملون في التجارة» وبالتالي سيخضعون لسلطة هذه الهيئة. ويبدو قانون المنافسة نفسه مصمّماً بما يراعي مصالح هذه الشريحة، إذ لا يعتبر المؤسسة في وضع مهيمن إلا إذا استحوذت على 35% من السوق وهو ما يؤدّي – في سوق صغيرة كلبنان – إلى حماية سلوك يشبه الكارتلات عبر السماح لعدد محدود من المؤسسات بتقاسم قطاعٍ ما من دون أن يتجاوز أيٌّ منها العتبة القانونية.

غير أنّ إنشاء الهيئة الوطنية للمنافسة ليس سوى الخطوة الأولى في بناء قدرة رقابية فعّالة. فعلى سبيل المثال عُيّنت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في كانون الثاني 2022، لكن تم تحييدها عملياً بفعل نقص التمويل والموارد.

النظام القادر على ضبط التسعير التعسّفي وحماية المستهلكين هو أيضاً نظام قادر على جذب الاستثمار، لأنّه يشير إلى وجود قواعد قابلة للتوقّع بدلاً من ترك السوق لمنطق الريع والاستنساب.

بالتالي فإن تمكين الهيئة الوطنية للمنافسة ودعمها بالشكل الكافي قد يتيح للبنانيين جهازاً مختصاً بملاحقة الصفقات غير التنافسية وتثبيت الأسعار وتقاسم الأسواق والتعسّف في استخدام الوضع المهيمن والتركّز الاقتصادي، وأي ترتيبات قد تقوض المنافسة في السوق. كما يمكن للهيئة أن تساهم في تخفيف تراكم الملفات أمام القضاء، وأن تتيح لمجلس الوزراء مساراً لاستخدام صلاحيات التسعير الطارئة خلال الأزمات، بما أنّ الشرط القانوني المسبق لاستخدام هذه الصلاحيات هو أن تُصدر الهيئة رأياً استشارياً أولاً.

أمّا المهمة الثانية تقع على عاتق البرلمان، وتتمثّل في إعادة جعل العقوبات القانونية رادعة وذات معنى. فربط الغرامات بالتضخّم أو بحجم أعمال المؤسسة أو بحجم المخالفة، قد يحوّل الإنفاذ من بدلٍ رمزي إلى رادع فعلي.

وتبقى المهمة الثالثة (أي الشفافية) الأقل كلفة والأسرع تنفيذاً، إذ إنّ الدولة بدأت بإعادة حساب الكلفة وهوامش الربح ولا تحتاج إلا إلى جعل المنهجية علنية. فإن نشر منهجية احتساب الكلفة وإحياء مؤشرات الأسعار التي تركتها الوزارة معطّلة وتحديد معايير الهوامش، يمكن أن يتيح لكل لأطراف المعنية أن ترى بنفسها أين تجاوز السعر كلفته بفارق كبير.

نهايةً، فإن بناء حوكمة موثوقة للأسعار هو خيار سياسي لا مشكلة تقنية، ويقع في صلب التعافي من أزمة 2019. فمن شأن ذلك أن يعلن قطيعة مع التفلت القانوني والسلوك الافتراسي في السوق، اللذين ساهما أصلاً في دفع البلاد نحو الانهيار. كما أنّ النظام القادر على ضبط التسعير التعسّفي وحماية المستهلكين هو أيضاً نظام قادر على جذب الاستثمار، لأنّه يشير إلى وجود قواعد قابلة للتوقّع بدلاً من ترك السوق لمنطق الريع والاستنساب. يمكن لنظام مثل هذا بناء مصداقية الدولة داخلياً كمؤسسة حاضرة ومستعدة للتدخّل عندما تُتلاعب الأسواق ضد مواطنيها. فكسر احتكار القلّة ومواجهة الكارتلات لن يكونا مجرّد إصلاح اقتصادي، بل إشارة إلى أنّ الدولة قد عادت.

المواضيع ذات الصلة