خلال ربيع 2026 ساد تفسير واحد لارتفاع أسعار البنزين والمازوت: الحرب مع إيران رفعت أسعار النفط، فارتفعت معها أسعار الوقود. ثم عادت أسعار النفط إلى الانخفاض، حتى إنّ سعر خام برنت (وهو المؤشّر العالمي المرجعي) هبط بحلول تموز إلى ما دون مستواه قبل الحرب. ومع ذلك، ظلّ اللبنانيون يدفعون في محطات الوقود أسعاراً أعلى بنحو 40 إلى 60%، فيما بدأت الأسعار ترتفع مجدداً.
إذا كان ارتفاع أسعار النفط قد أدّى إلى ارتفاع أسعار الوقود في المحطات، فلماذا لم يؤدِّ انخفاضها إلى تراجع مماثل؟

التركيز على السعر الخطأ
يكمن جزء من الإجابة في أنّ الأنظار كانت متّجهة إلى المؤشّر الخطأ. فلبنان لا يستورد النفط الخام بل يستورد المازوت والبنزين بعد تكريرهما وشحنهما على متن الناقلات، وتُحتسب أسعارهما بالاستناد إلى مؤشّرات يومية تقيّمها وتنشرها وكالة «بلاتس».
وبينما كانت أسعار النفط الخام قد انخفضت بصورة ملحوظة بحلول تموز، بقيت أسعار المشتقات النفطية المكرّرة أعلى بنحو 30% من مستوياتها في شباط. وتُظهر بيانات وزارة الطاقة والمياه أنّ أسعار الوقود في لبنان واكبت ارتفاع مؤشّرات «بلاتس» وانخفاضها بين شباط ومطلع تموز.

النفط وحده لا يحدّد أسعار الوقود العالمية
تقيس وكالة «بلاتس» الأسعار الفعلية التي تُباع بها شحنات الوقود بالجملة، ولا يشكّل النفط الخام سوى أحد عوامل هذه الأسعار. أمّا العوامل الثلاثة الأخرى فهي: هامش التكرير الذي يتأثّر بحجم طاقة التكرير المتاحة فعلياً، ومدى توافر كلّ نوع من الوقود في المنطقة، إذ يشكّل البنزين والمازوت سوقين منفصلين، وقد يعاني كلّ منهما من اختناقات ونقص خاصَّين به، وكلفة إيصال الشحنة البحرية إلى وجهتها بما يشمل أجور الشحن والتأمين ضدّ مخاطر الحرب. وتدخل هذه العوامل جميعها في احتساب سعر واردات لبنان من الوقود قبل أن تصل إلى البلاد.
مع انحسار القتال بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تراجعت أسعار النفط الخام، لكن العوامل الثلاثة الأخرى التي تدخل في تحديد أسعار الوقود لم تتراجع بالقدر نفسه. فمثلاً بقي عمل المصافي ومسارات الشحن التي تخدم هذا الجزء من البحر الأبيض المتوسط عرضةً للاضطراب، كما واصلت شركات التأمين احتساب رسوم مرتبطة بالمخاطر.
كيف يتحدّد سعر الوقود في لبنان؟
تنشر وزارة الطاقة والمياه بصورة دورية تفصيلاً لمكوّنات الأسعار التي يدفعها اللبنانيون مقابل البنزين والمازوت في محطات الوقود (انظر الرسم البياني أدناه).

في حالة البنزين شكّلت كلفة المنتج على المستورد 67.5% من السعر النهائي، تلتها الرسوم الحكومية بنسبة 13.4% ثم ضريبة القيمة المضافة بنسبة 9.9%، ثم عمولة صاحب المحطة بنسبة 7.5% وكلفة النقل بنسبة 1.3% والرسوم المصرفية بنسبة 0.3%. أمّا المازوت المعفى من ضريبة القيمة المضافة ومن الرسم المالي المفروض على البنزين، فشكّلت كلفة المستورد 93.1% من سعره النهائي.
توضح معادلة التسعير التي تعتمدها الوزارة البنود الداخلة ضمن فئة «كلفة المستورد» وهي: مؤشّر «بلاتس» والفروقات السعرية الإضافية ورسوم مخاطر الحرب وأجور الشحن والتأمين والرسوم المصرفية والفاقد والمناولة والتخزين والمعاملات الجمركية وهامش ربح المستورد. كما تحدّد المعادلة النسب المعتمدة لعدد من هذه البنود، ومنها هامش ربح يعادل 5% من مجموع كلفة المنتج والتأمين والشحن.
لكن جدول 28 تموز يدمج هذه البنود جميعها في رقم واحد، دون أن يبيّن مقدار مساهمة كلّ منها في السعر النهائي، ما يصعّب تحديد مدى تأثير كلفتَي النقل والتأمين على وجه الدقة في الزيادة المسجّلة.
وفي المقابل يتقاضى أصحاب محطات الوقود عمولة ثابتة منفصلة قدرها 2 دولار عن كل 20 ليتر من البنزين، و1.20 دولار عن كل 20 ليتر من المازوت.
كانت الحكومة قد فرضت في شباط زيادة دائمة في الكلفة حجبت الحرب أثرها عن الأنظار، تمثّلت في رسم مالي مقطوع قدره 300 ألف ليرة لبنانية على كل 20 ليتر من البنزين أُدرج ضمن فئة «الرسوم والأعباء». وهذا الرسم ذو أثر تنازلي، إذ يقتطع حصة أكبر من موازنات الأسر ذات الدخل المنخفض، كما أنّه سيبقى قائماً بعد انتهاء الحرب.
موجة الارتفاع المقبلة
أدّى تجدّد الاضطرابات في مضيق هرمز إلى فرض ضغوط جديدة على أسعار النفط العالمية. وفي الوقت نفسه أعلن الحوثيون في اليمن فرض حصار بحري يستهدف السعودية (أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم) وحذّروا الشركات من استخدام موانئها. ومع ارتفاع أسعار واردات لبنان من البنزين والمازوت المكرّرَين، يبدو أنّ اللبنانيين مقبلون على موجة جديدة من الزيادات المفاجئة في أسعار الوقود.






