رفوف بلا رقابة: معركة لبنان لضبط الأسعار

ترفع الحرب الأسعار ثم يرفعها التجار أكثر، لكنّ لبنان يملك الأدوات اللازمة لوقف ذلك.

كلّ بضعة أسابيع، يخرج مسؤولون في وزارة الاقتصاد والتجارة ليقولوا للناس إنّهم يفعلون ما باستطاعتهم وأنّهم سيؤمنون الحماية للمواطنين، وأنّ العائلات لن تُترك وحدها في مواجهة الصدمات الاقتصادية للحرب. لكن في السوبرماركت لا أثر لأي انفراج: فالعائلات التي عانت أصلاً من الانهيار المالي ومن الحرب السابقة والنزوح الجماعي، ثم من حرب جديدة، شهدت موجات من ارتفاع الأسعار في كلّ المواد تقريباً. بين شباط وأيار 2026 ارتفع سعر البنزين بنحو 39% والمازوت بنسبة 62% وتعرفة المولّدات الخاصة بنسبة 53%. وبحلول أيار كان معدّل التضخّم السنوي العام يقارب 20%.

تعتمد الحافلات وصهاريج المياه والمولّدات وشاحنات النقل المبرّد والمعدّات الزراعية على المازوت، ولذلك فإنّ ارتفاع سعره ينعكس على كلّ شيء تقريباً. وبالنسبة إلى الأسر الأفقر، ولا سيما العائلات النازحة، يقتطع هذا الارتفاع قسماً أكبر ممّا كان بالكاد في متناولها أصلاً.

صدمات الأسعار في الأسواق المركزة

جزء من هذا الضغط مصدره خارج لبنان. فقد أدّت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ثم إغلاق مضيق هرمز خلال معظم الأشهر الأربعة الماضية، إلى تعطيل مسارات الإمداد ورفع أسعار الوقود عالمياً، وكشفت هشاشة اعتماد لبنان على استيراد معظم ما يستهلكه. كما أن تدمير الأراضي الزراعية في الجنوب أو ضررها بفعل الهجمات الإسرائيلية دفع أسعار الخضار للارتفاع بنسبة 45% منذ حزيران 2025.

يجول المفتّشون على المتاجر وينظّمون المحاضر ويحيلون المخالفات، وقد أجرت مديرية حماية المستهلك منذ شباط نحو 5,700 عملية تفتيش ونظّمت أكثر من 250 محضر ضبط، وضبطت ثلاثة من كبار تجّار اللحوم لحجبهم المخزون ورفع الأسعار دون مبرّر.

مرّت هذه الصدمات عبر أسواق تخضع إلى حدّ كبير لسيطرة دائرة ضيّقة من الفاعلين النافذين. فالسلع الأساسية تمرّ عبر المستوردين ووكلاء الشحن ومشغّلي المرافئ والمستودعات والموزّعين، ثم المتاجر (السوبرماركت)، وحين تتركّز السيطرة بأيدي عدد محدود من الجهات النافذة يتّسع هامش الاستغلال. لذلك تميل الأسعار في لبنان إلى الارتفاع سريعاً عند وقوع الصدمات، ثم إلى الانخفاض ببطء (أو جزئياً) أو عدم الانخفاض أصلاً عند انحسار الأزمة. وقد صرح وزير الاقتصاد والتجارة عامر بساط إنّ زيادات الأسعار هذا العام تبلغ تقريباً ضعف ما ينبغي أن تكون عليه، بسبب سوء نيّة فاعلين نافذين في السوق.

في المقابل فإن استجابة الدولة كانت سطحية، فهي تلاحق السعر عند آخر حلقة في السلسلة: أي على الرفوف في السوبرماركت. وعملياً تترجم هذه الاستجابة بجولات تفتيش على المتاجر ونظم محاضر وإحالة المخالفات، وقد أجرت مديرية حماية المستهلك منذ شباط نحو 5,700 عملية تفتيش ونظّمت أكثر من 250 محضر ضبط، ونظّمت محاضر بحقّ ثلاثة من كبار تجّار اللحوم لحجبهم المخزون ورفعهم الأسعار من دون مبرّر. تشكل رقابة حماية المستهلك جزءاً من الحلّ، لكنها لا تعالج في جوهرها سوى أعراض مشكلة بنيوية أعمق بكثير. فقد يحاول صاحب المتجر أو بائع التجزئة استغلال حالة الهلع لزيادة هامش ربحه، لكنّ الأسعار غالباً ما تكون قد رُفعت اصطناعياً قبل وصول المنتج إلى الرفّ، أي على يد المستورد أو جهة التخزين أو يتحكّم بالوصول إلى سوق الجملة أو الموزّع، أو من يملك القدرة على إبقاء المخزون خارج السوق إلى حين ارتفاع الأسعار. فضلاً عن ذلك، تستغرق المخالفات المشتبه بها أربع سنوات (وسطياً) قبل أن تمرّ عبر المحاكم، فيما وُضعت الغرامات المنصوص عليها لهذه المخالفات قبل انهيار سعر الصرف بعد عام 2019، ما يجعل الحدّ الأقصى للعقوبة مبلغاً زهيداً لا يتجاوز 1,100 دولار.

قوانين على الورق، ولا شيء على أرض الواقع

الهيئة الوطنية للمنافسة هي الجهة الحكومية المكلّفة بالتحقيق في انتهاكات القوة السوقية البنيوية وكبحها. منح قانون المنافسة الذي أُقرّ عام 2022 الهيئة صلاحية التحقيق في الكارتلات وإساءة استخدام موقع الهيمنة وتقاسم الأسواق والتركّز الاقتصادي، كما منحها صلاحيات أبعد من المخالفات الفردية، مثل النظر في طريقة تنظيم الأسواق، وتقييم ما إذا كانت عمليات الدمج والتكامل العمودي تمنح مجموعات معيّنة سيطرة مفرطة على قطاعات أساسية. يزوّد القانون الهيئة بأدوات فعلية، منها وحدة تحقيق تتمتع بصلاحيات الضابطة العدلية، وغرامات تصل إلى 10% من رقم أعمال الشركة في السنة السابقة، وعقوبات على الأفراد قد تبلغ كامل الإيرادات المحقّقة من المنتجات المعنية. لكن، بعد أربع سنوات على إقرار قانون المنافسة، لا تزال الهيئة الوطنية للمنافسة موجودة على الورق فقط، ولا يملك لبنان أي آلية جدّية لمراجعة تركزات القوة السوقية في الاقتصاد.

سبق لـ«البديل» أن وثّقنا كيف تشوّه هذه الممارسات الأسواق المحلية. فعلى سبيل المثال، لطالما تقاسمت ثلاث شركات صناعة الإسمنت هي «الترابة الوطنية» و«هولسيم» و«سبلين»، فيما تتمتع هذه الشركات بالحماية عبر رسوم استيراد تصل إلى 75% ونظام تراخيص أبقى المنافسين خارج السوق. وكانت النتيجة أن المستهلكين في لبنان يدفعون ثمناً للإسمنت يقارب ثلاثة أضعاف السعر العالمي. أما في القطاع الزراعي في منطقة عكار، فيُبقي عدد محدود من التجّار مزارعي البطاطا داخل حلقة مغلقة، إذ يشترون محصولهم بأقل من سعر السوق ويعمدون، بحسب شهادات عدة، إلى حجب المخزون لتصريفه لاحقاً.

وجود هيئة منافسة فاعلة قد يُربك المستفيدين من الوضع القائم، ويسلّط الضوء على المستوردين والموزّعين وشبكات التجارة التي تفضّل أن يبقى إنفاذ القانون موجّهاً نحو أهداف أصغر وأكثر ظهوراً.

كما أن هناك صفقة تُعيد اليوم تشكيل التجارة اللبنانية، وتُنذر في الوقت نفسه بمستوى من تركّز السوق لم يعرفه البلد من قبل. فشركة CMA CGM عملاق الشحن البحري العابر للحدود والمملوك لعائلة سعادة الفرنسية اللبنانية، كانت تدير أصلاً محطات الحاويات الرئيسية في مرفأي بيروت وطرابلس، أي البوابات التي تمرّ عبرها معظم واردات البلاد. وفي نيسان 2026 أبرمت الشركة صفقة لشراء مجموعة «فتّال» وهي إحدى أكبر شركات التوزيع الإقليمية المسؤولة عن نقل جزء كبير من المواد الاستهلاكية إلى الأسواق اللبنانية، بما فيها الغذاء والدواء إلى مستحضرات التجميل. وتعني هذه الصفقة أنّ مجموعة واحدة ستسيطر على بوابة الاستيراد، وعلى إحدى الشبكات الأساسية التي تنقل السلع إلى المتاجر. وهذا تحديداً هو نوع التكامل العمودي الذي وُجدت هيئة المنافسة لفحصه، والتأكّد من أنّه لا يفضي إلى انتهاكات في السوق وإلى أسعار أعلى تدفع ثمنها العائلات اللبنانية.

بعد مرور أربع سنوات على منح الهيئة الوطنية للمنافسة صلاحياتها، يبدو تأخير تشكيلها اليوم خياراً سياسياً متعمّداً. فإن وجود هيئة منافسة فاعلة قد يُربك المستفيدين من الوضع القائم، ويسلّط الضوء على المستوردين والموزّعين وشبكات التجارة التي تفضّل أن يبقى إنفاذ القانون موجّهاً نحو أهداف أصغر وأكثر ظهوراً. كما سيطرح أسئلة محرجة حول العلاقة بين القوة السوقية والحماية السياسية.

وسبق للبنان أن ترك هيئات ناظمة معطّلة في قطاعات أخرى. فالهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء نصّ عليها القانون عام 2002 ثم بقي تشكيلها معطّلاً لأكثر من عقدين. والهيئة الناظمة للاتصالات، والتي نصّ عليها القانون في العام نفسه، لم تنشط منذ ذلك الحين إلا لفترة وجيزة. أما الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والتي أُنشئت قانوناً عام 2022، فقد حُرمت الموارد اللازمة لكي تقوم بعملها. واليوم تُدفع هيئة المنافسة نحو المصير نفسه.

مساعدات تتآكل تحت ضغط الأسعار

بين شباط وأيار رفعت الحكومة متوسط تحويلات برنامج «أمان»، وهو البرنامج العام الأساسي لدعم اللبنانيين ذوي الدخل المحدود، إلى حدّ أقصى يبلغ 145 دولاراً للأسرة، أي بزيادة قدرها 20.5 دولاراً. لكن الأسعار الرئيسية ارتفعت بنسبة 8.6% خلال الأشهر نفسها، ما بدّد نحو 12.5 دولاراً من تلك القوة الشرائية، أي أنّ أكثر من نصف الزيادة تلاشى قبل أن تتمكّن الأسر من الشعور بها. فالتحويلات نقدية تفقد قيمتها شهراً بعد شهر، ونظام حماية المستهلك يحتاج إلى سنوات لمعاقبة أي مخالفة، وقانون المنافسة ليس لديه هيئة تسانده، وهذه كلها لا تشكّل سوى استجابة بائسة من الدولة لأزمة القدرة على تحمّل كلفة المعيشة التي يواجهها البلد. فلا يمكن للدولة أن تقدّم الدعم بيد، ثم تترك الأسواق غير المضبوطة تسحبه منهم باليد الأخرى.

يتحدّث قادة لبنان اليوم عن السيادة بلغة الحدود والسلاح والضغوط الخارجية. غير أنّ السيادة تعني أيضاً القدرة على تنظيم المرافئ والمستودعات وشبكات الوقود والأسواق التجارية وعقود التوزيع. والدولة التي تعجز عن كبح التجاوزات في سلاسل الإمداد، فيما تسلب هذه التجاوزات الناس من قدرتهم الشرائية، يصعب أن تدّعي أنها تحميهم.

إذا أراد مجلس الوزراء أن يثبت أنّ الحماية ليست مجرّد خطابات، فالخطوة الأولى غير استعراضية وتقع بالكامل ضمن صلاحياته: تعيين الهيئة الوطنية للمنافسة وتمويلها، وتزويدها بالكوادر اللازمة، والسماح لها بنشر قواعد مراجعة عمليات الدمج، ورسم خريطة تركّز السوق في القطاعات الأساسية، والتدقيق في عمليات الاستحواذ الكبرى، وإعلان نتائج إنفاذ القانون المتصلة بتسعير الأزمات.

لن ينهي أيّ من ذلك الحرب ولن يعكس مسار الانهيار الاقتصادي، لكنه سيساعد في منع المستفيدين من الأزمات من مفاقمة معاناة اللبنانيين. فالخطوة الأولى نحو المعالجة واضحة ومتاحة. أما استمرار المماطلة في تنفيذها، فلا يمكن الدفاع عنه.

المواضيع ذات الصلة