كما أن هناك صفقة تُعيد اليوم تشكيل التجارة اللبنانية، وتُنذر في الوقت نفسه بمستوى من تركّز السوق لم يعرفه البلد من قبل. فشركة CMA CGM عملاق الشحن البحري العابر للحدود والمملوك لعائلة سعادة الفرنسية اللبنانية، كانت تدير أصلاً محطات الحاويات الرئيسية في مرفأي بيروت وطرابلس، أي البوابات التي تمرّ عبرها معظم واردات البلاد. وفي نيسان 2026 أبرمت الشركة صفقة لشراء مجموعة «فتّال» وهي إحدى أكبر شركات التوزيع الإقليمية المسؤولة عن نقل جزء كبير من المواد الاستهلاكية إلى الأسواق اللبنانية، بما فيها الغذاء والدواء إلى مستحضرات التجميل. وتعني هذه الصفقة أنّ مجموعة واحدة ستسيطر على بوابة الاستيراد، وعلى إحدى الشبكات الأساسية التي تنقل السلع إلى المتاجر. وهذا تحديداً هو نوع التكامل العمودي الذي وُجدت هيئة المنافسة لفحصه، والتأكّد من أنّه لا يفضي إلى انتهاكات في السوق وإلى أسعار أعلى تدفع ثمنها العائلات اللبنانية.
بعد مرور أربع سنوات على منح الهيئة الوطنية للمنافسة صلاحياتها، يبدو تأخير تشكيلها اليوم خياراً سياسياً متعمّداً. فإن وجود هيئة منافسة فاعلة قد يُربك المستفيدين من الوضع القائم، ويسلّط الضوء على المستوردين والموزّعين وشبكات التجارة التي تفضّل أن يبقى إنفاذ القانون موجّهاً نحو أهداف أصغر وأكثر ظهوراً. كما سيطرح أسئلة محرجة حول العلاقة بين القوة السوقية والحماية السياسية.
وسبق للبنان أن ترك هيئات ناظمة معطّلة في قطاعات أخرى. فالهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء نصّ عليها القانون عام 2002 ثم بقي تشكيلها معطّلاً لأكثر من عقدين. والهيئة الناظمة للاتصالات، والتي نصّ عليها القانون في العام نفسه، لم تنشط منذ ذلك الحين إلا لفترة وجيزة. أما الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، والتي أُنشئت قانوناً عام 2022، فقد حُرمت الموارد اللازمة لكي تقوم بعملها. واليوم تُدفع هيئة المنافسة نحو المصير نفسه.
مساعدات تتآكل تحت ضغط الأسعار
بين شباط وأيار رفعت الحكومة متوسط تحويلات برنامج «أمان»، وهو البرنامج العام الأساسي لدعم اللبنانيين ذوي الدخل المحدود، إلى حدّ أقصى يبلغ 145 دولاراً للأسرة، أي بزيادة قدرها 20.5 دولاراً. لكن الأسعار الرئيسية ارتفعت بنسبة 8.6% خلال الأشهر نفسها، ما بدّد نحو 12.5 دولاراً من تلك القوة الشرائية، أي أنّ أكثر من نصف الزيادة تلاشى قبل أن تتمكّن الأسر من الشعور بها. فالتحويلات نقدية تفقد قيمتها شهراً بعد شهر، ونظام حماية المستهلك يحتاج إلى سنوات لمعاقبة أي مخالفة، وقانون المنافسة ليس لديه هيئة تسانده، وهذه كلها لا تشكّل سوى استجابة بائسة من الدولة لأزمة القدرة على تحمّل كلفة المعيشة التي يواجهها البلد. فلا يمكن للدولة أن تقدّم الدعم بيد، ثم تترك الأسواق غير المضبوطة تسحبه منهم باليد الأخرى.
يتحدّث قادة لبنان اليوم عن السيادة بلغة الحدود والسلاح والضغوط الخارجية. غير أنّ السيادة تعني أيضاً القدرة على تنظيم المرافئ والمستودعات وشبكات الوقود والأسواق التجارية وعقود التوزيع. والدولة التي تعجز عن كبح التجاوزات في سلاسل الإمداد، فيما تسلب هذه التجاوزات الناس من قدرتهم الشرائية، يصعب أن تدّعي أنها تحميهم.
إذا أراد مجلس الوزراء أن يثبت أنّ الحماية ليست مجرّد خطابات، فالخطوة الأولى غير استعراضية وتقع بالكامل ضمن صلاحياته: تعيين الهيئة الوطنية للمنافسة وتمويلها، وتزويدها بالكوادر اللازمة، والسماح لها بنشر قواعد مراجعة عمليات الدمج، ورسم خريطة تركّز السوق في القطاعات الأساسية، والتدقيق في عمليات الاستحواذ الكبرى، وإعلان نتائج إنفاذ القانون المتصلة بتسعير الأزمات.
لن ينهي أيّ من ذلك الحرب ولن يعكس مسار الانهيار الاقتصادي، لكنه سيساعد في منع المستفيدين من الأزمات من مفاقمة معاناة اللبنانيين. فالخطوة الأولى نحو المعالجة واضحة ومتاحة. أما استمرار المماطلة في تنفيذها، فلا يمكن الدفاع عنه.