بلاد على أعصابها: كيف تَشكّلت كارثة الصحة النفسية في لبنان

الأزمات المتلاحقة وإهمال الدولة أنهكت الصحة النفسية الجماعية في لبنان

تتفشّى اليوم الاضطرابات النفسية في لبنان على نطاق واسع، فيما تحاول القيادة السياسية الاستجابة لأزمة استثنائية في حجمها وتفاقمها بإهمالٍ يكاد يُبلّد العقولفمنذ عام 2019 تحمّل السكان انهياراً مالياً وجائحة وانفجار مرفأ بيروت وحربينوفي أي بلد يمتلك مؤسسات فاعلة، فإن عبئاً نفسياً من هذا النوع يستدعي استجابةً شاملة من الدولةلكن لبنان اليوم، وهو يعيش في ظل وقف إطلاق نار اسمي ومع استمرار الاحتلال الإسرائيلي للجنوب ونزوح أكثر من مليون شخص، ما زال يفتقر إلى هذه الاستجابة. 

قبل اندلاع حرب 2023 فأنّ 62.8% من اللبنانيين ظهرت عليهم أعراض تتوافق مع اضطراب نفسي واحد على الأقل

تؤكد الأرقام ما يشعر به معظم اللبنانيين أصلاً. ففي 2022 وفي خضم سلسلة الكوارث الأخيرة، أي بعد انفجار المرفأ وقبل اندلاع حرب 2023 فأنّ 62.8% من اللبنانيين ظهرت عليهم أعراض تتوافق مع اضطراب نفسي واحد على الأقل. أظهر مسح على المستوى الوطني أن 47.8% ظهرت عليهم مؤشرات الاكتئاب، و45.3% أعراض قلق و43.5% تحتمل إصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، فيما أبدى 28.1% مؤشرات على الاضطرابات الثلاثة معاً. وكان الطلب على خدمات الصحة النفسية يتوازى بشكل دقيق مع هذا التراكم في الكوارث. فقد تلقت جمعية Embrace والتي تدير الخط الوطني للدعم النفسي والوقاية من الانتحار، نحو 1,500 اتصال في عام 2018، وهو عام إطلاق الخط. وبحلول عام 2023، ارتفع العدد إلى قرابة 11,100 اتصال أي زيادة تقارب سبعة أضعاف خلال خمس سنوات. كما ارتفعت استشارات الصحة النفسية ضمن الرعاية الصحية الأولية بنسبة 32% بين عامي 2020 و2021، ثم بنسبة إضافية بلغت 44% بين عامي 2021 و2022.

يُطلَب من «صمود» الناس أن يكون بدليلاً عن السياسة العامة.

قد تعلل هذه الأرقام جزئياً بارتفاع الوعي وتقبّل اللجوء إلى خدمات الصحة النفسية، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤوليتها في الاستجابة للأزمة. ألقت الدولة حتى الآن بواجب الرعاية عن كاهلها: حيث تحاول المنظمات غير الحكومية ووكالات الإغاثة سدّ فجوات الوصول إلى خدمات الصحة النفسية ضمن قيود التمويل الدولي، فيما يتحمل الأشخاص الذين يعيشون أصلاً مآسي وطنية متكررة بقية العبء. وفي هذا المشهد يُطلَب من «صمود» الناس أن يكون بدليلاً عن السياسة العامة. 

يمكن تتبّع تاريخ الإهمال في سياسات الصحة النفسية عبر ثلاثة مسارات متوازية: الفشل في إقرار تشريعات فعالة للصحة النفسية، والفشل في تمويل خدمات الصحة النفسية على نحو مناسب، والفشل في مأسسة الجهة التي تقود الاستجابة الوطنية في مجال الصحة النفسية. 

 

فشل على ثلاثة أصعدة 

صدر التشريع اللبناني الوحيد المخصّص للصحة النفسية في منتصف الحرب الأهلية. ففي 9 أيلول 1983 أصدر الرئيس أمين الجميل المرسوم الاشتراعي رقم 72 في وقت كان يتعذّر فيه انعقاد مجلس النواب، وكان مجلس الوزراء مخوّلاً للتشريع بمراسيم اشتراعية. جاء المرسوم 72 ضمن اندفاعة تنفيذية أوسع أُقرّت خلالها (في الأسبوع نفسه) عدة نصوص متصلة بالصحة في محاولة لإعادة تثبيت سلطة الدولة على إدارة عطّلتها سنوات الحرب وإغلاق مستشفى العصفورية المؤسسة النفسية الرائدة في لبنان. ومنح هذا المرسوم الدولة إطاراً قانونياً للاحتجاز النفسي والعلاج والإدخال إلى المستشفيات النفسية، في لحظة باتت فيها هذه القضايا مستحيلة التجاهل اجتماعياً. اليوم وبعد أكثر من أربعة عقود، لا يزال المرسوم 72 التشريع النافذ الوحيد في مجال الصحة النفسية. 

ينشئ القانون بصيغته الحالية شعبة متخصصة بالصحة النفسية داخل وزارة الصحة العامة تتمتع بصلاحيات مالية واضحة، ويقرّ بعض الحقوق والضمانات.

ومنذ عام 2008، لا يزال مشروع قانون بديل عن المرسوم 72 عالقاً في مراحل مختلفة من المسار التشريعي. أُعدّت المسودة الأصلية بدعم من تمويل أوروبي، من قبل معهد التنمية والبحوث والمناصرة والرعاية التطبيقية (إدراك) ثم بالتعاون مع «المفكرة القانونية». قُدّم المشروع آنذاك إلى مجلس النواب حيث بقي مجمّداً إلى حين تعديله عام 2014. في تلك المرحلة، كان مشروع القانون يركّز بصورة ضيقة على الاستشفاء القسري وحقوق المرضى. وبعد إنشاء البرنامج الوطني للصحة النفسية بموجب مرسوم وزاري في عام 2015، تبنّى البرنامج مشروع القانون ورفعه من اقتراح نيابي إلى مشروع قانون صادر عن مجلس الوزراء بما يمنحه وزناً مؤسسياً أكبر، حسب تعبير المحامية نايلة جعجع المستشارة القانونية للبرنامج. أضافت جعجع أنّ البرنامج أعاد صياغة مشروع القانون بصورة جوهرية عبر نحو 60 جلسة عمل مع لجنة الصحة النيابية بين عامي 2016 و2019.

اعتمدت لجنة الصحة هذه المسودة المعدّلة وهي منذ ذلك الحين تنتظر المرور عبر لجنة الإدارة والعدل ولجنة المال والموازنة، ثم التصويت عليها في الهيئة العامة لمجلس النواب. ينشئ القانون بصيغته الحالية شعبة متخصصة بالصحة النفسية داخل وزارة الصحة العامة تتمتع بصلاحيات مالية واضحة، ويقرّ بعض الحقوق والضمانات انسجاماً مع التزامات لبنان بموجب اتفاقيات الأمم المتحدة، وينظّم الإدخال القسري ويدعم نموذج الرعاية المجتمعية الذي تتبناه استراتيجية الوزارة نفسها.

تشير الاستراتيجية الوطنية إلى أنّ 9.8% فقط من اللبنانيين الذين عانوا اضطراباً نفسياً في مرحلة ما من حياتهم يطلبون مساعدة متخصصة، مع تسجيل فترات تأخّر تتراوح بين 6 و28 عاماً بين ظهور الاضطراب وتلقّي العلاج الأول.

ُطلقت هذه الاستراتيجية تحت عنوان الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية في لبنان (2024-2030) في حزيران 2024 بدعم من منظمة الصحة العالمية والوكالة الفرنسية للتنمية. تتعامل الوثيقة مع الصحة النفسية بوصفها نتاجاً لشروط بنيوية لا كمشكلة سريرية بالمعنى الضيق. فهي تربط سياسات الصحة النفسية بالعمل والتعليم والحماية الاجتماعية والحدّ من الفقر، وتلزم الدولة بتوسيع الرعاية المجتمعية. لكنها تقرّ في نصها نفسه بعدم وجود تمويل حكومي محدد مسبقاً لتنفيذها، ولا بند مخصص للصحة النفسية في الموازنة. ويؤكد أطلس الصحة النفسية للعام 2024 الصادر عن منظمة الصحة العالمية الأمر نفسه: فلبنان لا يملك موازنة مخصصة للصحة النفسية، ولا يتجاوز الإنفاق الحكومي عليها 2.4 دولار للفرد، فيما لا تستحوذ الصحة النفسية سوى على 5% من إجمالي إنفاق وزارة الصحة العامة، يذهب أكثر من 70% منها إلى دعم الإقامة داخل المستشفيات.  

أمّا على مستوى تقديم الخدمات، ينتج هذا الهيكل التمويلي نظاماً يميل بشدة نحو شكل الرعاية الأكثر كلفة والأقل نجاحاً علاجياً. ففي لبنان 1.3 طبيب نفسي لكل 100,000 نسمة مقارنةً بأكثر من 10 أطباء في معظم البلدان مرتفعة الدخل، وبمتوسط يقارب طبيبين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما يضمّ البلد خمسة مستشفيات نفسية توفّر 28.5 سريراً لكل 100,000 نسمة. 

وتشير الاستراتيجية الوطنية إلى أنّ 9.8% فقط من اللبنانيين الذين عانوا اضطراباً نفسياً في مرحلة ما من حياتهم يطلبون مساعدة متخصصة، مع تسجيل فترات تأخّر تتراوح بين 6 و28 عاماً بين ظهور الاضطراب وتلقّي العلاج الأول. كما أن التغطية التأمينية مجزّأة: فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لا يغطي سوى عدد محدود من حالات الاستشفاء النفسي، فيما لا تغطي معظم شركات التأمين الخاصة خدمات الصحة النفسية خارج المستشفيات إطلاقاً. 

وفي هذا الإطار تحتل الجهة التي كلّفتها الدولة اللبنانية رسمياً بسياسات الصحة النفسية موقعاً غير مألوف. فكما سبق، أُنشئ البرنامج الوطني للصحة النفسية بموجب مرسوم وزاري في عام 2015 ووضع الاستراتيجية الرسمية وأعدّ مشروع قانون الصحة النفسية. كما درّب العاملين في الرعاية الصحية الأولية في مختلف أنحاء لبنان، وأدخل لغة الصحة النفسية إلى تشريعات متصلة بالمخدرات وقانون العقوبات والعمل ورعاية السجون، وأجرى تقييمات حقوقية في 50 مؤسسة. 

الجهة التي تدير الاستجابة الوطنية للصحة النفسية في لبنان ليست، مؤسسياً، سوى ضيفٍ داخل وزارة الصحة العامة، فيما لا تقدّم لها الحكومة أي تمويل.

مع كل ذلك، لا يظهر البرنامج الوطني للصحة النفسية في الهيكل التنظيمي لوزارة الصحة العامة. ولا يتقاضى موظفوه الثلاثون رواتبهم من الوزارة أو من أي إدارة حكومية أخرى. أما وحدة الاستشفاء النفسي العامة الوحيدة المخصصة للبرنامج في مستشفى رفيق الحريري الجامعي فتستمر بفضل تمويل الجهات المانحة الدولية. وبعبارة أخرى فإنّ الجهة التي تدير الاستجابة الوطنية للصحة النفسية في لبنان ليست، مؤسسياً، سوى ضيفٍ داخل وزارة الصحة العامة، فيما لا تقدّم لها الحكومة أي تمويل. 

  

سلسلة المآسي   

منذ أواخر عام 2019 تحمّل اللبنانيون انهياراً مالياً وجائحة وانفجار مرفأ بيروت، وحرب 2023-2024 ثم حرب 2026 التي استؤنفت في آذار بعدما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل حربهما على إيران. غير أنّ الانهيار المالي يبقى السياق المستمر الذي فاقم كل ما تلاه. فقد أدّى تدهور قيمة العملة إلى انخفاض إجمالي الإنفاق الصحي للفرد من حوالي 650 دولار إلى أقل من 50 دولار. وارتفعت أسعار الأدوية بنسبة 1123% بين عامي 2018 و2022. أما حصة متوسط الدخل الشهري اللازمة لتغطية كلفة الأدوية النفسية فزادت بنحو 7.5 أضعاف بين عامي 2019 و2023. وبحلول عام 2023 أفادت 92% من الأسر اللبنانية بأنها عاجزة عن تلبية جميع احتياجاتها الأساسية، فيما اعتبرت 64% منها أنّ الرعاية الصحية هي أبرز احتياجاتها غير الملبّاة. باختصار، أصبح العلاج النفسي خارج متناول معظم السكان من الناحية المادية.  

تحمّلت المنظمات غير الحكومية المحلية العبء الأكبر من الاستجابة الميدانية للاحتياجات النفسية المتزايدة. فمثلاً تأسست Embrace عام 2013 كمنظمة صغيرة تُعنى بالتوعية، ثم أصبحت في عام 2017 الجهة المشغّلة للخط الوطني للمساعدة وافتتحت مركزاً مجانياً للصحة النفسية المجتمعية بعد انفجار بيروت في آب 2020، وأطلقت عيادة متنقلة للصحة النفسية في عام 2023. كذلك وسّع مركز «سكون»، وهو المركز اللبناني للإدمان، نطاق عمله خلال حرب 2024، مقدّماً جلسات دعم للنازحين داخلياً في مختلف مناطق بيروت وجبل لبنان. 

ورغم توسّع المنظمات غير الحكومية في محاولة لتلبية الحاجة، فإن وتيرة تدهور الصحة النفسية أسرع من قدرة هذه الخدمات على المواكبة، حسب تعبير المديرة التنفيذية لـ«سكون» تاتيانا سليمان، والتي أضافت أنّ «كل خدمة جديدة تُستحدث تمتلئ بسرعة كبيرة». تشير سليمان إلى أنّ مشهد التمويل الدولي ينكمش هو أيضاً في اللحظة نفسها التي تبلغ فيها احتياجات الصحة النفسية ذروتها، إذ تكون خدمات الصحة النفسية غالباً من أولى الخدمات المرشحة للاقتطاع عندما تُطرح التخفيضات بوصفها ضرورة. 

ولم تؤدِّ حرب 2026 إلا إلى مفاقمة هذا الوضع. فقد قُتل أكثر من 2,900 لبناني منذ مطلع آذار ونزح 1.2 مليون آخرين، في ظل احتلال القوات الإسرائيلية للجنوب ومواصلتها محو القرى في تلك المناطق. ولم يوقف وقف إطلاق النار الحالي، المعلن في 16 نيسان والممدّد لاحقاً، الضربات الإسرائيلية أو عمليات الهدم في المناطق المحتلة. ولم تصدر إحصاءات شاملة توضّح كيف تؤثر هذه الطبقة الأخيرة من الصدمات المتراكمة في الاضطرابات النفسية لدى سكان كانت المعدلات بينهم تتجاوز أصلاً 60%، غير أنّ شبه المؤكد أنّ هذه المعدلات تُدفَع إلى الارتفاع أكثر. 

  

الدَّين الأخلاقي يقع على الدولة   

عند وقوع مأساة كبرى في أي بلد، يكون حدوث صدمات لدى شريحة من السكان أمراً لا مفر منه. لكن ما يجعل الحالة اللبنانية لافتة هو سلسلة الكوارث التي تعرّض لها اللبنانيون، واحدة تلو الأخرى، خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. وباستثناء واحد، يمكن ردّ كل كارثة شهدها لبنان منذ عام 2019 إلى إخفاقات في الحوكمة لدى القيادة السياسية اللبنانية: فالانهيار المالي كان نتيجة سنوات من الهندسات المالية التي أشرفت عليها الدولة، ومن إدارة مصرف لبنان لسعر الصرف، قبل أن تُحمَّل كلفتها للمودعين بعد انهيار النظام في أواخر عام 2019. 

أُتيح للدولة اللبنانية 18 عاماً لإقرار قانون للصحة النفسية وسنتان لتمويل استراتيجية منشورة، كما تتحمل التزاماً بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي وقّعها لبنان عام 2007. ومع ذلك لم تفعل شيئاً من هذا.

 أما انفجار مرفأ بيروت فكان نتيجة منظومة رقابية أعاقتها منظومة الفساد والزبائنية والإهمال، وسمحت ببقاء نحو 2,750 طناً من نيترات الأمونيوم من دون تأمين في مرفأ عام طوال ست سنوات رغم التحذيرات المتكررة. وكانت الحربان، بدورهما، نتيجة مباشرة للصيغة السياسية غير المحسومة للازدواجية العسكرية، حيث احتفظت ميليشيا لبنانية بسلطة جرّ الدولة إلى نزاعات مسلحة لم تخترها حكومتها رسمياً. ومن بين المآسي الوطنية الأخيرة، وحدها جائحة كوفيد-19 لم تسببها الطبقة السياسية في لبنان. وكما قالت تاتيانا سليمان من «سكون»: «مهما كان الوصول إلى المعالجين النفسيين والأطباء النفسيين متاحاً، إذا كنت تعيش في بلد يشهد حرباً كل ثلاثة أشهر فلن تتحسن صحتك النفسية».  

تقع على الدولة مسؤولية رعاية مواطنيها أياً تكن الطريقة التي وقع بها الضرر. لكن حين تكون الدولة نفسها قد أنتجت معظم الشروط التي أضرّت بسكانها، تتحول هذه المسؤولية إلى ما يشبه الدَّين الأخلاقي. إذ أُتيح للدولة اللبنانية 18 عاماً لإقرار قانون للصحة النفسية وسنتان لتمويل استراتيجية منشورة، كما تتحمل التزاماً بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، التي وقّعها لبنان عام 2007. ومع ذلك لم تفعل شيئاً من هذا. 

أما ما يتيحه مشروع قانون الصحة النفسية فهو ليس خارج قدرة الدولة على التحمّل مالياً. فقد خلصت دراسة تقدير كلفة أُجريت عام 2022 بتكليف من البرنامج الوطني للصحة النفسية إلى أنّ المتطلب الأساسي مؤسسي لا مالي. مثلاً فإن أحد العناصر الرئيسية في الاستراتيجية الوطنية للرعاية الصحية النفسية إخراج الرعاية النفسية من نموذج المؤسسات المغلق: أي نقل نقطة الاتصال الأولى من الأطباء النفسيين المتخصصين إلى الأطباء العامين والممرضين والعاملين الاجتماعيين والمرشدين المدرسيين المدرَّبين على الكشف الأساسي عن مشكلات الصحة النفسية والتدخل المبكر.  

«لا يمكنك أن تتحدث عن استراتيجيات التكيّف مع شخص نام في الشارع لأيام، أو يخشى ألّا ينجو طفله حتى الصباح».

إعادة التوزيع هذه ممكنة من الناحية التقنية ولا تتطلب بناء مستشفيات جديدة أو توظيف أعداد كبيرة من الاختصاصيين الجدد بل تدريب العاملين الحاليين في الرعاية الصحية الأولية ودمج الكشوفات في الصحة النفسية في العمل الروتيني لشبكة الرعاية الصحية الأولية، وإحالة الحالات التي تتطلب فعلاً تدخلاً متخصصاً إلى الكوادر الاختصاصية المتوفّرة في لبنان. وكما قال أحد الأطباء النفسيين في ملاحظات نُشرت في 2025 حول تجربة المعالجين خلال حرب 2024: «لا يمكنك أن تتحدث عن استراتيجيات التكيّف مع شخص نام في الشارع لأيام، أو يخشى ألّا ينجو طفله حتى الصباح». بعبارة أخرى، فإن احتياجات الصحة النفسية لا تنفصل عن الاحتياجات الصحية العامة للسكان، ولذلك ينبغي دمج الاستجابة للصحة النفسية ضمن الاستجابة الصحية الأوسع لا التعامل معها كملحق إضافي.  

لا يمكن لمجتمعٍ تسجّل فيه أغلبية السكان مؤشرات على اضطراب نفسي واحد على الأقل، فيما يعجز معظمهم عن طلب العلاج أو الوصول إليه، أن يبقى على حاله. فالتداعيات اللاحقة تتراكم: من ارتفاع معدلات الاستخدام المضطرب للمواد وتصدّع استقرار الأسرة والعلاقات الحميمة، إلى ازدياد خطر الانتحار وإيذاء النفس، ونشوء جيل جديد من الأطفال اللبنانيين على يد أهل لم تُعالَج صدماتهم، وصولاً إلى التآكل للثقة والتكافل والقدرات المدنية التي يحتاج إليها أي مجتمع فاعل. 

بالتالي فإنّ خيار الدولة لعدم التشريع يترك هذه التداعيات تسوء وتتفاقمولن تظهر كلفة هذا الخيار في أي موازنة سنوية بل ستُدفَع كلفتها في المأساة الوطنية المقبلة. 

المواضيع ذات الصلة