عصا الامتثال بلا جزرة الحماية: الخارج يضغط على الدولة اللبنانية بلا ضمانات

اصطفاف لبنان مع الغرب والخليج لم يوفّر له أي حماية من العدوان الإسرائيلي.

في غضون أسابيع قليلة، حظرت الحكومة اللبنانية الجناح العسكري لحزب الله وأمرت بترحيل عناصر من الحرس الثوري الإيراني وأعلنت السفير الإيراني شخصاً غير مرغوب فيه. اعتبر مسؤولون في الحكومة هذه الخطوات تأكيداً متأخراً (وإن كان ضرورياً) على سلطة الدولة. غير أن هذه الإجراءات تكشف أيضاً عن تسارع واضح في إعادة اصطفاف جيوسياسي تدريجي بدأ قبل أكثر من عام مع تشكيل الحكومة الإصلاحية في لبنان.

على مدى عقود حافظ لبنان على قدر من الغموض الدبلوماسي، إذ وازنت الدولة بين المصالح الغربية والسعودية من جهة واستيعاب حزب الله وسوريا وإيران من جهة أخرى. إلا أن هذا التوازن انكسر الآن بصورة نهائية بعدما دفعت الحرب الحالية الحكومة إلى التموضع داخل معسكر واشنطن والرياض.

حزب الله وإيران يتحدّيان أوامر الحكومة علناً، فيما كان الأثر الأبرز لإجراءات الدولة تصعيد التوترات السياسية الداخلية ودفع البلاد إلى تجدّد الصراع الأهلي.

غير أن هذا التحول لا يبدو أنه وفّر أي حماية من الجيش الإسرائيلي الذي يستهدف اليوم علناً بنى الدولة التحتية ويجتاح جنوب لبنان، ويعلن صراحة عزمه على احتلال كل الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني بشكل دائم.

في ظل هذه الظروف، فإن إعادة الاصطفاف الجيوسياسي للحكومة اللبنانية تخاطر دفع البلاد إلى القبول بنمط غريب من “السيادة” أي سيادة ترسم حدودها قوى خارجية تطالب الدولة اللبنانية بالامتثال السريع لشروطها السياسية والأمنية دون أن توفّر لها في المقابل سوى قدر ضئيل من الحماية أو الدعم.

وفوق ذلك سيتحمّل لبنان وحده كلفة هذا الترتيب. فحزب الله وإيران يتحدّيان أوامر الحكومة علناً، فيما كان الأثر الأبرز لإجراءات الدولة تصعيد التوترات السياسية الداخلية ودفع البلاد إلى تجدّد الصراع الأهلي.

 

جيشٌ موجَّه إلى الداخل

تتجلّى هذه الفجوة بين الامتثال والحماية بكل بوضوح في حالة الجيش اللبناني. ففي مطلع 2026 بدأ الجيش يؤسس لبعض المصداقية عبر الانتشار في المواقع التي أخلاها حزب الله في الجنوب، وقدّمت الحكومة هذا الانتشار بوصفه امتداداً ملموساً لسلطة الدولة.

لكن مع اندلاع الحرب في آذار واتساع رقعة العمليات الإسرائيلية، تراجع الجيش اللبناني من مواقعه الحدودية فيما عاد حزب الله إلى المواجهة المباشرة مع القوات الإسرائيلية المتقدّمة. من الصعب التوفيق بين هذا التسلسل وبين خطاب حكومي يقول إنه أعاد ترسيخ احتكار الدولة للقوة. والأدقّ وصف الجيش اللبناني بأنه رمز لحضور الدولة يمكنه المساعدة في ضبط الأرض وإدارتها، لكنه في لحظة الحسم فإنه لا يملك القدرة على ترجيح الميزان العسكري على الأرض.

ولم يكن ذلك هو الدور المُراد له أصلاً. فقد جرى تصميم الدعم العسكري الغربي للجيش اللبناني بما يخدم الاستقرار الداخلي: رواتب ودعم لوجستي وآليات مدرّعة ومساندة لمسار نزع السلاح. ولم يُجهَّز الجيش لمواجهة جيش نظامي تابع لدولة بل لمواكبة مساعي الدولة إلى حصر السلاح بيدها وإدارة التداعيات الداخلية لذلك. بما يعني التركيز على البعد الداخلي (أي إنفاذ القانون وسلطة الدولة) فيما يبقى البعد الآخر (الحماية من القوة الخارجية) غائباً.

ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن إعادة اصطفاف لبنان مدفوعة كذلك بالاختناق الاقتصادي. فالانهيار المالي الذي أصاب البلاد عام 2019، إلى جانب حاجاتها إلى إعادة الإعمار بعد حرب 2023-2024، منحا الجهات الخليجية والغربية نفوذاً كبيراً على وجهة البلد. وارتبط الانخراط السعودي المتجدّد في بيروت صراحةً بمسار الإصلاح فيما التزمت حكومة سلام بالتقيّد ببرنامج جديد لصندوق النقد الدولي وبإعادة هيكلة القطاع المصرفي. ومن هذا المنظور يبدو انتقال لبنان إلى محور الغرب والخليج أقلّ خياراً سياسياً منه نموذجاً للتمويل، فيما لا تزال عوائده وعوداً لم تتحقق على أرض الواقع. ولا يعني ذلك أن الحكومة بلا هامش قرار لكن حجم حاجاتها المالية يجعل إعادة اصطفافها تجري تحت وطأة ضغط شديد.

 

مطالب واضحة، التزامات غامضة

تُفاقم معايير الامتثال التي يروّج لها الرعاة الغربيون والخليجيون هذه الإشكالية. فنزع سلاح حزب الله ليس هدفاً محدداً بنقطة نهاية واضحة، بل شرط مرن يمكن توسيعه وإطالته وإعادة تفسيره وفق الحاجة. وفي المقابل من غير المرجّح أن ينخرط الفاعلون الاقتصاديون بجدية ما دامت الأعمال العسكرية مستمرة. وبذلك قد يجد لبنان نفسه يدفع كلفة إعادة الاصطفاف سياسياً وأمنياً من دون أن يبلغ لحظة يحصل فيها على حماية أو إعادة إعمار أو انفراج دبلوماسي.

مع تصاعد الحرب تجد الحكومة نفسها أمام مأزق مزدوج: فالمضي في الامتثال للمطالب الخارجية يعني الدخول في مواجهة مع حزب الله الذي لا يزال، رغم خسائره، أقوى فاعل غير حكومي في البلاد.

وقد وضع الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، والتهديدات بضمّه، الدعم الغربي الشكلي للبنان في مواجهة مكشوفة. ففي 31 آذار أصدر وزراء خارجية عشر دول أوروبية والممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي بياناً مشتركاً دعوا فيه إسرائيل إلى تجنّب تنفيذ عملية برية داخل الأراضي اللبنانية وأكدوا فيه وحدة أراضي لبنان. كما نسّقت فرنسا بيانات مماثلة بين الدول المساهمة في قوة اليونيفيل. وأبلغت كندا إسرائيل بضرورة عدم انتهاك سيادة لبنان، فيما أدانت إسبانيا التهديدات الإسرائيلية للبنية التحتية المدنية. ومع ذلك لم تُفضِ أي من هذه المواقف إلى آلية إنفاذ، أو ضمانة أمنية أو كلفة ملموسة لعدم الامتثال.

وفي المقابل فإن البيان نفسه الذي دعا إسرائيل إلى احترام حدود لبنان، طالب لبنان باتخاذ “إجراءات ملموسة لا رجعة فيها” لاستعادة مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، واعتماد إصلاحات مالية تتماشى مع متطلبات صندوق النقد الدولي. وهكذا تبدو المطالب المفروضة على لبنان محددة ودقيقة، فيما تبقى الالتزامات تجاهه عامة وفضفاضة.

 

دفع الثمن، ولكن مقابل ماذا؟

بدأت الكلفة الداخلية لهذا الترتيب تتبدّى بالفعل. إذ تستدعي خطوات الحكومة ضد حزب الله وإيران ردود فعل من الداخل. كما نظّمت جهات موالية لإيران (بما فيها حزب الله) تحرّكاً أمام السفارة الإيرانية دعماً للسفير فيما وجّه مسؤول رفيع في المكتب السياسي للحزب تهديداً علنياً إلى وزير الخارجية اللبناني. ومع ذلك، وبقاء السفير الإيراني في لبنان رغم قرار طرده، لم يُفضِ هذا المسار حتى الآن إلا إلى الارتباك لا ضبط الوضع، وإلى تعميق الانقسام داخل مجلس الوزراء وتقويض مصداقية الحكومة بدلاً من ترسيخ سلطة الدولة.

ومع تصاعد الحرب تجد الحكومة نفسها أمام مأزق مزدوج: فالمضي في الامتثال للمطالب الخارجية يعني الدخول في مواجهة مع حزب الله الذي لا يزال، رغم خسائره، أقوى فاعل غير حكومي في البلاد. أما عدم الامتثال فيهدّد بخسارة الغطاء الدولي الذي راهنت عليه الحكومة لمستقبلها. كلا الخيارين ينطويان على مخاطر زعزعة الاستقرار، ومع الحرب يتقلّص هامش الخطأ في إدارة هذا التوتر.

كان واضحاً منذ زمن أن الغموض الدبلوماسي الذي حكم موقع لبنان لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن دولةً تعجز عن تحديد تموضعها الجيوسياسي تبقى عرضةً لأن تُستدرج وتُفكَّك بفعل القوى الأخرى. لكن الوضوح من دون مقابل هو فخّ من نوع آخر. فلم يعد لبنان يوازن بين أقطاب متكافئة بل يُسحب إلى نظام شديد الاختلال، أي أن الاصطفاف يعني امتثالاً فورياً من دون أي ضمانات لوحدة أراضيه أو تعافيه.

تستطيع الحكومة اللبنانية حظر سلاح حزب الله وطرد السفراء، لكن ذلك لا يمنع إسرائيل من قصف بيروت أو إعادة احتلال جنوب لبنان. بل إن النتيجة الوحيدة الملموسة لإعادة الاصطفاف حتى الآن كانت تصاعد التوترات الداخلية. وعليه لا يكمن السؤال في ما إذا كان لبنان يوضّح تموضعه الجيوسياسي، بل في أيّ شكل من أشكال السيادة ينتظره في ظل غياب أي حماية فعلية في المقابل.

 

فيكتور ماسون محلل سياسات في البديل | معهد السياسة البديلة

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسة البديلة أو فريقه التحريري.

المواضيع ذات الصلة