الورقة الأخيرة ليست الرابحة: حرب لبنان القادمة ستكون من أجل البقاء

جرّ حزب الله لبنان إلى حربٍ لا يقدر على التحكّم بمسارها، وترك الدولة أمام مهمة إعادة ترتيب أوراقها من موقع ضعف.

يُمسك لبنان اليوم بورقته الأخيرة، وهي ورقة شبه فارغة المضمون. إذ أن إطلاق الصواريخ الأخير لحزب الله على إسرائيل لم يفضِ إلى تصعيد المواجهةٍ على الحدود فقط، بل بدّد آخر الأوهام بأن الحزب ما زال يعمل ضمن إطارٍ وطني لبناني. وبهذا أضعف الحزب نفسه وحاصر الدولة ومنح إسرائيل زمام المبادرة. والنتيجة ليست دفاعاً ولا ردعاً، بل تعرية الحزب ومعه لبنان.

ضبط النفس كاستراتيجية

على مدى عامٍ وثلاثة أشهر منذ وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، انتهج حزب الله ضبط النفس. وكان هذا النهج (أكثر من صواريخه) أقوى أدواته التكتيكية. فقد أتاح له الوقت لإعادة تنظيم صفوفه بعد مواجهة خصمٍ اخترق شبكاته الاستخباراتية وقتل عدداً من قياداته. كما وجّه رسالة إلى قاعدته بأن الصبر، لا التصعيد الدائم، يمكن أن يكون خياراً استراتيجياً. وفي ثقافةٍ سياسية مشبعة بخطاب الشهادة، بدا ضبط النفس موقفاً يكاد يكون راديكالياً.

قد انهار العقد الاجتماعي الضمني – التضحية مقابل الأمن – داخل بيئة حزب الله.

لكن الردع لا يقوم على القدرة وحدها، بل على المصداقية وكلفة الفعل على الخصم وعنصر المفاجأة. ففي 2006 فاجأ حزب الله إسرائيل باستهداف بارجة حربية لم يكن كثيرون يعتقدون أنه قادر على إصابتها. وفي سنوات سابقة عمد إلى نقل بعض ردوده إلى عملياتٍ خارج لبنان من دون تبنٍّ صريح، محافظاً على قدرٍ من الغموض. أما هذه المرة جاء ردّه محسوباً بما يكفي لإرضاء الاعتبارات المعنوية، لا لتغيير ميزان القوى. فلم يردع ولم يخفّف التصعيد، بل فجّره.

ولهذا الخطأ في التقدير تداعيات داخلية تفوق في حدّتها نتائجه العسكرية. فقد تحمّلت القاعدة الاجتماعية لحزب الله في الجنوب والبقاع طويلاً كلفة الدمار مقابل وعد بالحماية والكرامة. أما هذه المرة فكان نصيبها موجة نزوح جديدة بلا مكسبٍ استراتيجي ملموس. بالتالي قد انهار العقد الاجتماعي الضمني – التضحية مقابل الأمن – داخل بيئة حزب الله.

إعادة احتساب موازين القوة

التطوّر الأكثر دلالة هو سياسي. فقد دعمت حركة أمل، الشريك القديم لحزب الله في ما عُرف بـ«الثنائي الشيعي»، خطوة حكومية غير مسبوقة لاعتبار نشاط حزب الله العسكري والامني غير قانوني. وهو ما كان يصعب تصوّره قبل أسابيع قليلة. ورغم أنّ هذا لا يدلّ بالضرورة على قطيعة كاملة، فإنّ هذا التموضع الحذر من حليف راسخ يعكس تبدّلاً في حسابات الكلفة والمنفعة ويشي بتقلّص خيارات حزب الله وقدرته على المناورة.

لكن ضعف حزب الله لا يعني تلقائياً قوة الدولة. على العكس، فقد تكشّف مسار حصر السلاح من خلال مسارين متوازيين: أحدهما تقوده الدولة والآخر تفرضه إسرائيل. وبينما غذّت الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لوقف إطلاق النار سردية «المقاومة» لدى الحزب، كانت الجهود التدريجية للدولة اللبنانية تحقّق تقدّماً ملموساً، مع محاولة احتواء التوترات الاجتماعية الهشّة المرافقة لها.

وبينما بدأت الدولة بجمع أسلحة حزب الله عجزت عن بلورة استراتيجية دفاع وطني مقنعة تطمئن الجنوب إلى أنّه لن يُترك لمصيره. إذ سُلّمت الأسلحة عند اكتشافها لا ضمن انتقال تفاوضي يحفظ ماء الوجه نحو احتكار الدولة للسلاح. وما أفرزه مسار حصر السلاح هو أسوأ الاحتمالين: ميليشيا ضعيفة وجيش غير مهيّأ (أو غير مستعد) للدفاع عن حدوده.

يجد لبنان نفسه اليوم في ممرّ ضيّق. فالاستسلام الكامل سياسياً واستراتيجياً يدفع نحو المزيد من التصدّع الداخلي، والمواجهة الشاملة مع حزب الله تنطوي على خطر الانزلاق إلى صراع أهلي، كما أنّ الحنين إلى «ردع» تقوده الميليشيات لم يعد خياراً مطروحاً.

هنا تتبدّى المعضلة البنيوية. فقد شوّه سلاح حزب الله مفهوم السيادة اللبنانية وأخضع لبنان لاعتبارات السياسة الإيرانية، لكنه أدّى أيضاً وظيفة ردعية ضد التوغلات البرية. وقد تراجع الجيش اللبناني نفسه من المناطق الحدودية. ورغم أنّ هذا الانسحاب قد يكون تكتيكياً، فإنه يتناقض مع توجيه رئاسي صدر في تشرين الأول الماضي دعا الجيش إلى ردع أي توغل إسرائيلي. اليوم وسّعت إسرائيل نطاق سيطرتها في الجنوب، ويبدو أنها تتجه مجدداً إلى توسيع «المنطقة العازلة». ومع تآكل قدرة الردع التي وفّرها حزب الله من دون أن يُستعاض عنها بجيش وطني قادر ومسنود سياسياً، يتحوّل لبنان إلى ساحة مفتوحة فيما تحتفظ إسرائيل بتفوّق واضح في إدارة التصعيد.

ومن المرجّح أن تكون الخطوة التالية إقامة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية، على نحو يذكّر بثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. فالتاريخ يذكّرنا بأن الاحتلال هو ما أفضى أصلاً إلى نشوء حزب الله. والحركات التي تتشكّل في سياق المقاومة نادراً ما تختفي، بل تتحوّل. وإذا واجهت الدولة حزب الله عسكرياً من دون امتلاك القدرة على حماية الحدود، فقد يعيد الصراع الداخلي إنتاج الشرعية التي يخسرها الحزب اليوم.

وما يفاقم المعضلة الضغوطات الخارجية. فالجيش اللبناني يعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الأميركي، وهذا الدعم صِيغ لتعزيز المؤسسة العسكرية مع تقييد قدرتها على صدّ الاعتداءات الإسرائيلية. بل إن ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل منصوص عليه في القانون الأميركي. وعليه يصعب على الجيش اللبناني الجمع بين نزع سلاح حزب الله وردع التوغلات الإسرائيلية في آن واحد، في ظل غياب الحيّز السياسي والعتاد اللازمين اللذين لا يملكهما حالياً.

 

لا خروج مشرّف

يجد لبنان نفسه اليوم في ممرّ ضيّق. فالاستسلام الكامل سياسياً واستراتيجياً يدفع نحو المزيد من التصدّع الداخلي، والمواجهة الشاملة مع حزب الله تنطوي على خطر الانزلاق إلى صراع أهلي، كما أنّ الحنين إلى «ردع» تقوده الميليشيات لم يعد خياراً مطروحاً.

المسار الوحيد القابل للاستمرار إجرائي لا شكلياً. إذ ينبغي إدماج نزع السلاح ضمن عملية وطنية شفافة وعقيدة دفاعية تُقَرّ عبر الطوائف. وعلى الجيش أن يتولّى مسؤولية الجنوب بصورة واضحة، مقرونةً بشكلٍ من الضمانات الدولية التي تحول دون استغلال إسرائيل للمرحلة الانتقالية لفرض وقائع جديدة على الأرض. لا بد من إجراءات بناء الثقة، كالانسحابات المتبادلة وترسيم واضح للحدود وآليات مراقبة فعّالة، وهذه ليست تنازلات بل شروط مسبقة لإعادة التماسك الداخلي، وتتطلّب وزناً دبلوماسياً حقيقياً.

أما حزب الله، فعليه أن يواجه واقعاً طالما أنكره: لا يمكنه الادعاء بالدفاع عن لبنان فيما يُخضع استقراره لاعتبارات إقليمية. وشرعيته السياسية (إن كُتب لها البقاء) يجب أن تنفصل عن استقلالية سلاحه وأن يُعاد بناؤها في في إطار التنافس السياسي المدني.

كما يجدر بإسرائيل أن تتذكّر أنّ العقائد الأمنية القصوى كثيراً ما تُنتج نقيضها. فتوسيع السيطرة الميدانية قد يمنح عمقاً تكتيكياً على المدى القصير، لكنه تاريخياً يفضي إلى أشكال مقاومة لامركزية. ولا يحتاج المرء إلى تمجيد حزب الله ليدرك أنّ الإذلال والفراغ يوفّران تربة خصبة للعسكرة.

تكمن المأساة اليوم في أنّ خيارات لبنان باتت مقيّدة، تحديداً لأن حزب الله بالغ في تقدير قوة أوراقه. إذ إن تصرّفه على نحوٍ لم يردع إسرائيل ولم يحمِ لبنان وكشف وهم قدرته على معايرة المواجهة الإقليمية من دون فرض كلفة وجودية على مجتمعه. وهكذا ترك الدولة تكافح لإثبات سيادتها تحت القصف، بدلاً من بنائها في ظروف أكثر هدوءاً.

الضعف ليس قدراً محتوماً

فيما يتفاوض لبنان اليوم من موقع ضعف، يجدر التذكير بأن الضعف ليس قدَراً. فالدول لا تُعاد بناؤها عبر مبادرات كبرى بل عبر مؤسسات تحظى بقبول عابر للطوائف. وهذا يفرض مقايضات مؤلمة: تخلي حزب الله عن سلاحه ضمن مسار منظّم، وإصلاح الجيش بنيوياً وتولّيه دوراً وطنياً فعلياً، وتوجيه العلاقات الدولية نحو ضمانات تحول دون معاقبة ممارسة السيادة.

في هذا السياق يبدو السلام أفقاً بعيداً. لكن الاستقرار النسبي – ما إن تحقّق – لن يكون نتاج استسلام أو استعراض قوة، بل ثمرة مسار يستبدل ردع الميليشيات بشرعية الدولة، ويستبدل هدنات متقطّعة بترتيبات قابلة للإنفاذ. وبدون هذه البنية سيُنزع سلاح طرفٍ فتنهض أطراف أخرى، وتُلاحَق ميليشيا فتتكاثر ميليشيات.

يُمسك لبنان اليوم بورقته الأخيرة، وهي ورقة شبه فارغة المضمون. وما سيُدوَّن عليها من إجراءات أم اعتبارات معنوية، مؤسسات أم سياسات مرتجلة، سيحسم ما إذا كانت هذه الحرب نقطة انعطاف أم مجرد تمهيد لما يليها. ولم يعد ثمن الخطأ نظرياً بل يُقاس بالمنازل التي هدمت حتى اليوم، وتلك التي لن يُعاد بناؤها إذا آلت الأمور إلى التفكك لا إلى السلام.

سامي حلبي مدير السياسات في البديل | معهد السياسة البديلة.

المواضيع ذات الصلة