عود على بدء: مشروع مياه بيروت، ديون تتصاعد ومياه تتبخّر

في ذروة العطش، قد يُقبل لبنان على مشروع يجلب الديون اليوم… والسدود غداً.

الملخص التنفيذي

لبنان اليوم عطِشٌ يائس، وعرضة للاستغلال.. والسياسيون يدركون ذلك تماماً. ففي ظلّ أسوأ موجة جفاف منذ عقود، يشعر الناس بالإنهاك والإحباط وقد تهيّأوا لتصديق الوعود المرتجلة. وهذه بالضبط لحظة ما تسمى “عقيدة الصدمة”: حين تُبرم الحكومات صفقات عاجلة وتقترض مبالغ ضخمة لمشاريع بنى تحتية ضخمة وبراقة، دون أي مساءلة.

يُطرح الآن ما يُسمى بـ”مشروع إمدادات المياه الثاني لبيروت الكبرى” (SGBWSP)، بقرض من البنك الدولي قيمته 257.8 مليون دولار. سُوّق لهذا المشروع كطوق نجاة لبيروت، إذ يعد أخيراً بإيصال مياه “نظيفة” من خزان القرعون الملوّث، والذي يغذّيه نهر الليطاني – أحد أكثر أنهار لبنان تلوّثاً – مباشرةً إلى منازل العاصمة.

لكن هذا الوعد سرعان ما يتبخّر عند التدقيق. فالفكرة ليست جديدة، بل تكرار لمشروع مياه بيروت الكبرى الكارثي الذي أُطلق قبل 15 عاماً بكلفة 370 مليون دولار، والذي لم يُنتج حتّى اليوم لتراً واحداً من المياه، ولم يتدفّق عبر أنفاقه غير المكتملة أو أنابيبه نصف المنجزة ولو متراً مكعباً واحداً من الماء.

هل ستنجح هذه المحاولة الثانية حيث فشلت الأولى؟ ربّما، لبضع سنوات في أحسن الأحوال. ولكن بأي ثمن؟

أولاً، هناك كلفة الدَّين: سيتوجب على لبنان دفع ملايين الدولارات سنوياً كفوائد على هذا القرض الجديد وحده، بالإضافة إلى عشرات الملايين المتراكمة من مشاريع مائية سابقة باءت بالفشل. ثانياً تأتي “الاستراتيجية” الحكومية المضمَرة خلف هذا الإعلان الرنّان: تمهيد الأرضية لإعادة طرح مشروع سدّ بسري، المشروع الضخم الذي أُلغي عام 2020 بفعل المخاطر الزلزالية والغضب الشعبي العارم. واليوم، بعدما أُدرج سدّ بسري مجدداً وبهدوء في الاستراتيجية الوطنية الأخيرة للمياه، بات ينتظر اللحظة المناسبة ليُعاد تقديمه كخيار لا غنى عنه.

المشكلة ليست في السدود بحدّ ذاتها، بل في القرارات المستعجلة التي تحرّكها الحسابات السياسية واليأس بدلاً من الاعتبارات الواقعية للحياة وسبل استمرارها. فلبنان لا يعاني فقط من الجفاف، بل من السرقة والتلوّث، والأهم من ذلك: من سوء الإدارة. نصف المياه في البلاد تتسرّب قبل أن تصل إلى صنابير المنازل. لذلك، فإن معالجة المياه في نهاية الأنابيب لا تُعدّ حلاً، بل استسلاماً مكلفاً وغير مستدام.

سيُقال أن رفض المشروع يعني حرمان أهالي بيروت من المياه التي هم بأمسّ الحاجة إليها. لكننا نقول العكس: لو كان الساسة في لبنان حريصين فعلاً على تأمين المياه – أو الكهرباء أو الرعاية الصحية أو النقل – لكانت هذه الخدمات الأساسية متوفّرة منذ زمن. لكنها غائبة، لأن كل أزمة استخدمت بنفس الطريقة: للاقتراض وبناء معالم ضخمة لتمجيد الزعامات، وتأجيل الحلول الفعلية إلى أجل غير مسمّى.

على البرلمان أن يتريّث قبل المصادقة على اتفاقية قرض مشروع SGBWSP. فلبنان بأمسّ الحاجة إلى المياه لا في بيروت فقط، بل في البقاع لري المحاصيل، وفي الجنوب لإعادة الإعمار، وفي الشمال لدعم الصناعة. لا يمكننا الاستمرار في المراهنة على حلول مختصرة أو التسليم بمنطق “لا بديل”. فثمّة بدائل.

ما يحتاجه لبنان ليس مزيداً من الأنابيب إلى اللامكان، بل سدًّا يوقف سيل الفساد وسوء الإدارة. لسنا متعطّشين للأفكار، ولا فقراء بالمياه، بل غارقون بالوعود المنقوضة. إلى أن نُصلح طريقة إدارة هذا المورد، ستظلّ كل قطرة نسعى إليها تنفلت من بين أيدينا، وكل قرض نوقّعه يجعلنا أكثر عطشاً من ذي قبل.

سامي حلبي

مدير السياسات

البديل | معهد السياسة البديلة

مقدمة: أزمة المياه المتفاقمة في لبنان

أزمة المياه في لبنان لم تعد تلوح في الأفق — بل أصبحت واقعًا.وتستنزف الجيوب. ومع نضوب الإمدادات الرسمية، باتت العائلات تدفع أكثر من 10 أضعاف السعر الرسمي لشاحنات المياه الخاصة لتلبية حاجاتها اليومية. وقد دقّ ناقوس الخطر مطلع هذا العام، حين أعلنت مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان (BMLWE) في كانون الثاني عن “تقنين شديد” بعد انخفاض معدل الهطول بنسبة 70% خلال فصل الشتاء.

تتضافر عدة عوامل وراء استنزاف موارد المياه في لبنان: منها بنيوية، وأخرى و مناخية. العامل الأول مزمن: تستهلك الزراعة ما يقارب 60% من المياه، متجاوزة بكثير الحصص البلدية (29%) والصناعية (11%) بحسب آخر أرقام صادرة عن وزارة الطاقة والمياه في عام 2010. في ذلك الوقت كانت المياه أكثر وفرة وأقل تنازعاً، ولم يكن لبنان قد خسر 35% من اقتصاده بفعل الانهيار المالي. أما اليوم فقد باتت أزمة المياه إحدى أخطر القضايا الوجودية التي يتوقّف عليها العيش الكريم.

يُضاف إلى ذلك عامل أشد تهديداً: تغيّر المناخ. فقد أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى تراجع الثلوج على جبال لبنان، ما خفّض ذوبانها الموسمي الذي كان يرفد الأنهار والخزانات والمياه الجوفية. ووفقاً للبنك الدولي من المتوقع أن ينخفض توفر المياه خلال موسم الجفاف إلى النصف بحلول عام 2040 إذا استمرت الاتجاهات الحالية. أما وحدة تغير المناخ في وزارة البيئة اللبنانية فتحذّر من أن حتى ارتفاعاً طفيفاً في درجات الحرارة ستكون له تبعات خطيرة: فزيادة بمقدار درجة مئوية واحدة قد تقلّص إجمالي إمدادات المياه العذبة بنسبة تصل إلى 8%. وما إذا ارتفعت الحرارة درجتين، فقد يصل هذا الانخفاض إلى 16%. وعند الجمع بين هذا الواقع وسوء التوزيع الحالي والإفراط في الاستهلاك، يصبح المسار واضحاً: مياه أقل لعدد أكبر من الناس، ومن دون أي خطة لإصلاح النظام قبل انهياره.

ومع ذلك، تبقى الجذور البشرية للأزمة هي الأخطر: الإهمال المنهجي. إذ يُفقد نحو نصف مياه لبنان بسبب التسريبات أو السرقة أو الأعطال التقنية، في حين تبقى كميات كبيرة من المياه المُوزّعة من دون جباية. وتُعرف هذه الظاهرة فنياً بـ”المياه غير المُدرّة للدخل”، والتي يُقدّر بعض الخبراء أنها تصل إلى 60% في بعض المناطق.

تقول وزيرة البيئة تمارا الزين إن الأسباب البشرية لندرة المياه هي الأكثر أهمية: “لبنان بلد غني بالمياه”، كما صرّحت للبديل، “لكن سوء الإدارة حال دون الاستفادة المثلى من موارده”، والوزيرة محقّة في ذلك.

تشير الاستراتيجية الوطنية للمياه في لبنان (2024-2035) الصادرة عن وزارة الطاقة والمياه في حزيران إلى أن المشكلة ليست في ندرة المياه، بل في الهدر. فلبنان يتلقى نحو 8.6 مليار متر مكعب من الهطولات سنوياً، إلا أنه لا يتمكّن من اسغلال سوى 2.7 مليار متر مكعب تقريباً. أما الكمية المتبقية – أي نحو 6 مليارات متر مكعب – فتُفقد بسبب التبخّر والتسرّب العميق، والجريان السطحي الذي لا يُخزَّن. بهذا المعنى فإن الأزمة ليست أزمة شحّ، بل أزمة فشل في إدارة الوفرة. ومع الانهيار المالي الذي بدأ عام 2019، لم يكن مفاجئاً أن تنخفض كميات المياه العامة المتاحة من 120 لتراً للفرد إلى أقل من 35 لتراً في عام 2021.

وبعد عامين فقط، صنّف معهد الموارد العالمية (WRI) لبنان ضمن الدول الخمس الأكثر عرضة لشحّ المياه (أو الضغوط المائية) على مستوى العالم إلى جانب البحرين وقبرص والكويت وعُمان. وبحسب أطلس مخاطر المياه التابع للمعهد، يُظهر لبنان باستمرار معدلات “ضغط مائي شديد للغاية” ما يعني أن البلاد تستهلك أكثر من 80% من مواردها المتجددة سنوياً في قطاعات الزراعة والصناعة والاستخدام المنزلي.

وفي أيار من هذا العام وقّع وزير المالية ياسين جابر، ووزير الطاقة والمياه جوزيف الصدي، اتفاقية قرض جديدة مع البنك الدولي لتمويل المشروع الثاني لإمدادات المياه في بيروت الكبرى (SGBWSP) بقيمة 257.8 مليون دولار. وعلى الرغم من أن المشروع لا يزال بحاجة إلى مصادقة البرلمان فإن أهدافه المعلنة تشمل استكمال البنية التحتية المائية الأساسية وتحسين جودة المياه، والحد من الاعتماد على المصادر الخاصة المكلفة. إلا أن التجربة السابقة تُنذر بأن هذا المشروع قد ينتهي إلى ضخّ المزيد من الأموال المقترضة في نظام يعاني من تسرب مزمن، من دون تحقيق أي نتائج تُذكر.

جُرّبت وفشلت

أُطلق مشروع إمدادات المياه في بيروت الكبرى (GBWSP) عام 2010 بكلفة 370 مليون دولار، وكان الهدف منه إنهاء أزمة نقص المياه المزمنة في بيروت في خلال خمس سنوات. لكن بعد نحو 15 عاماً، ومع إنفاق لا يقلّ عن 350 مليون دولار من المال العام – منها أكثر من 192 مليون دولار كقرض من البنك الدولي، وما لا يقل عن 158 مليون دولار من الحكومة اللبنانية ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان – لا تزال النتيجة مزيجاً من التأخير والتعثّر. وبحسب تقييم البنك الدولي مطلع هذا العام، فإن التقدّم نحو أهداف المشروع يُعدّ – بكل بساطة – “غير مُرضٍ“.

رغم أن المشروع صُمّم في الأساس كمرحلة واحدة لتأمين مياه نظيفة إلى بيروت وتعزيز قدرة المرافق، إلا أنه فشل في تحقيق حتى أبسط أهدافه. كان من المفترض أن يجري تحويل المياه الخام من خزّان القرعون المغذّى بمياه نهر الليطاني في البقاع، وضخّها عبر 26 كيلومتراً من الأنفاق في تضاريس جبلية وصولاً إلى محطة المعالجة في الوردانية ثم توزيعها عبر شبكة أنابيب جديدة لتخدّم 1.2 مليون نسمة في بيروت الكبرى. ولو اكتمل هذا المشروع كما خُطّط له، لكان قد وفّر ما يصل إلى 50 مليون متر مكعب من المياه سنوياً أي ما يعادل 20% تقريباً من ذروة الطلب في المنطقة، وشمل 350,000 شخصاً في الأحياء ذات الدخل المحدود.

لكن بعد 15 عاماً بلغ حجم المياه الإضافية التي وصلت إلى السكان… صفر. إذ لم يتدفّق متر مكعب واحد بحلول الإغلاق النهائي للمشروع في نيسان 2025، بسبب عدم اكتمال الأنفاق وخطوط الأنابيب إضافة إلى أن محطة معالجة مياه الوردانية لا تزال قيد الإنشاء.

والمؤشرات الأخرى لا تقلّ سوءاً. فبينما كان المشروع يستهدف ربط 20,000 أسرة فقيرة في جنوب بيروت بالشبكة، لم يُربَط فعلياً سوى 5,125 أسرة، أي نحو 21,500 شخص. الأهم أن البنية التحتية الحيوية، مثل الأنفاق ومحطة الوردانية، بقيت غير مكتملة. وفي بيان قدّمه البنك الدولي لبديل، أشار إلى أن أسباب التعثّر شملت: فجوة في التمويل، وعجز مؤسسة المياه عن تمويل محطة الوردانية، والتضخّم، إضافة إلى إفلاس المقاول الإيطالي الأساسي.

وقالت رندا ضاهر، مديرة المشروع في مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان: “تقدّم العمل في البداية بشكل جيد جداً، وحققنا رقمًا قياسياً في حفر الأنفاق”.

ومن الجدير بالذكر أن الموعد الأصلي لإغلاق المشروع كان في حزيران 2016، أي قبل أكثر من ثلاث سنوات من الانهيار المالي في أواخر عام 2019. كما أن المقاول الإيطالي، Cooperativa Muratori & Cementisti di Ravenna، لم يبدأ مفاوضات إعادة هيكلة إفلاسه إلا في كانون الثاني 2019. ما يعني أن لا الأزمة المالية – ولا إفلاس المقاول – كانا ليؤثّرا على المشروع لو تم إنجازه في الموعد المحدد، أو حتى خلال السنوات الثلاث التي تلت هذا الموعد.

هل تكون المرة الثانية أوفر حظاً؟

إطار رقم 1: رغم تصنيفها كقروض ميسّرة، تبقى ديون لبنان للبنك الدولي ذات كلفة عالية. فمشروع إمدادات المياه الثاني لبيروت الكبرى (SGBWSP) مُهيكل بفائدة ترتبط بمؤشر التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR) – البالغ حالياً 4.31% – بالإضافة إلى هامش متغيّر بنسبة 1.44%، ما يجعل الفائدة الإجمالية اليوم تقارب 5.75% سنوياً.

وهذا المعدّل قابل للتغيّر وفق مؤشر SOFR، وتُضاف إليه رسوم أخرى: رسم سنوي بنسبة 0.25% على الأموال غير المصروفة، ورسم مقدّم لمرة واحدة بنسبة 0.25%. ولم يزوّد البنك الدولي فريق البديل بإيضاحات حول حجم الفوائد المدفوعة والمستحقّة حتى تاريخ نشر هذا التقرير.

يَعِد المشروع الجديد، والذي تُشرف عليه مجدداً كل من مجلس الإنماء والإعمار ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان – بتحقيق ما عجز المشروع الأول عن إنجازه: إتمام العمل. على الورق، يتضمّن المشروع كل ما يُفترض أن تتضمّنه خطة مائية مكتملة: استكمال الأنفاق والخزانات المتروكة، وإعادة تأهيل خطوط الأنابيب المهجورة، وتحديث محطة معالجة الوردانية التي لا تزال غير مكتملة، وإصلاحات تهدف إلى تحديث عمليات مؤسسة المياه.

يتضمّن المشروع أيضاً بنوداً لشراء الأراضي وبناء قدرات وزارة الطاقة والمياه، وصندوقاً احتياطياً غير واضح المعالم لمواجهة الطوارئ المستقبلية. بعبارة أخرى، إنه المخطط نفسه وقد أُعيد طرحه وتغليفه وتحديث اسمه – مع بعض التعديلات – ضمن قرض جديد بقيمة 257.8 مليون دولار. الفارق هذه المرة، كما يُقال، أن التمويل يأتي بالكامل من البنك الدولي ولا يعتمد على تمويل مشترك من الجانب اللبناني.

لكن هذا التمويل ليس مجّانياً (انظر الإطار 1)، ولم يكن غيابه أصلاً ما أدى إلى تعثّر المشروع الأول.. المشكلة كانت – ولا تزال – بنيوية ومؤسسية وسياسية، ولم يتغير شيء من ذلك حتى الآن.

يُقدّم المسؤولون المشروع على أنه بغاية الضرورة، وقال متحدّث باسم وزارة الطاقة والمياه للبديل: “هذا المشروع حيوي لبيروت الكبرى” مضيفاً أنه “سيساهم – فور تشغيله – في تحسين شبكات الإمداد والتوزيع وتخفيف العبء المالي عن السكان الناتج عن شراء المياه”.

ووفقًا للبنك الدولي، سيستفيد من المشروع حوالي 1.8 مليون شخص (ارتفاعاً من 1.2 مليون في المشروع السابق)، من بينهم 350,000 من ذوي الدخل المحدود لا يحصلون حالياً إلا على أقل من ربع حاجاتهم اليومية من المياه.وكحال سائر السكان، يعتمد كثيرون منهم على صهاريج مياه خاصة تفوق تكلفة المياه الرسمية بما يصل إلى 10 أضعاف. يهدف النظام الجديد إلى رفع نسبة تلبية الطلب في موسم الجفاف من 24% إلى 70%، وزيادة توفّر المياه الموزّعة عبر الأنابيب في بيروت الكبرى بنسبة 75% خلال موسم الأمطار. وتشمل مصادر هذه الكميات الإضافية: بحيرة القرعون ونهر الأولي وعدد من الينابيع الإضافية وصولاً إلى عين الزرقاء (انظر الخريطة).

وتنصّ الخطة على تعزيز إدارة التلوّث في محطة معالجة الوردانية. وصرّحت رندا ضاهر من مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان للبديل” بأن “الترتيبات الاحتياطية المُدرجة ضمن الخطة ستسمح بضمان استدامة المحطة مالياً”. وأوضحت أن رفع كميات المياه وعدد المشتركين سيُمكّن المحطة من معالجة وبيع 50 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، ما يكفل الجدوى المالية من دون الحاجة إلى قروض إضافية في المستقبل.

أما البنك الدولي، فقد صرّح لـ البديل: “سيبدأ تنفيذ المشروع فور استيفاء الحكومة اللبنانية جميع الشروط اللازمة لدخوله حيّز التنفيذ، بما في ذلك تصديق البرلمان على اتفاقية القرض الموقّعة”. وأشارت وزارة الطاقة والمياه إلى أنها تعمل حالياً مع وزارة المالية ومجلس الإنماء والإعمار ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان لاستكمال هذه المتطلبات.

الكمية: سراب الوفرة

رغم الجفاف غير المسبوق هذا العام والتأثيرات الواضحة لتغيّر المناخ، لا يزال المسؤولون عن المشروع الثاني لإمدادات المياه في بيروت الكبرى واثقين من قدرة لبنان على تلبية الطلب. تؤكد رندا ضاهر، من مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، أن نهر الليطاني – المصدر الأساسي لتغذية بحيرة القرعون – لا يزال قادراً على تأمين 50 مليون متر مكعب سنوياً، واصفة شتاء العام الماضي بأنه عام “جاف للغاية واستثنائي”.

لكن الواقع يقول عكس ذلك، إذ تدفقات بحيرة القرعون تنهار. ففي آذار 2025 لم تدخل إلى الخزان سوى 43 مليون متر مكعب، مقارنة بمتوسط تاريخي يبلغ 233 مليون متر مكعب للفترة نفسها. ويتوقّع سامي علوية، مدير مصلحة نهر الليطاني، أن يبلغ إجمالي التدفقات لعام 2024–2025 نحو 65 مليون متر مكعب فقط، أي بانخفاض قدره 80% عن المتوسط السنوي طويل الأمد البالغ 320 مليون متر مكعب. بين أيلول 2024 وأيار 2025 وحدها، يُتوقع أن لا تتجاوز التدفقات 55 مليون متر مكعب – أي بالكاد تكفي لتلبية أي من الطلبات المتنافسة على مياه القرعون.

مع ذلك، يشارك البنك الدولي مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان تفاؤلها، مشيراً إلى أن خزان جون تتلقى ما يكفي من المياه من نهر الأولي وبحيرة القرعون، ومجموعة من الينابيع لتغطية احتياجات النظام خلال موسم الجفاف. ويستند هذا التصوّر إلى المرسوم الجمهوري رقم 14522 الصادر عام 1970، والذي يخصص 3 أمتار مكعبة في الثانية – أي ما يعادل 50 مليون متر مكعب سنوياً – من مياه القرعون لتأمين مياه الشرب لبيروت الكبرى بين نيسان وتشرين الأول.

لكن ما يُغفله البنك الدولي يكشف أكثر مما يقوله. ففي تشرين الأول 2011 أصدر مجلس الوزراء استراتيجية محدثة لتخصيص مياه نهر الليطاني، معترفاً بتزايد الضغوط على الموارد المائية. وقد منح القرار أولوية لمشروع إمدادات مياه بيروت الكبرى (ناقل الأولي–بيروت)، لكن على أساس افتراضي: ألّا يتزامن تشغيل المشروع مع استكمال مشاريع أخرى، تُخطط الدولة حالياً لإتمامها.

في تلك المرحلة، كانت الحكومة تعوّل على تنفيذ سد بسري – والذي أُلغي لاحقاً – لسدّ العجز المتوقع في حال دخل مشروع “القناة 800” حيّز التشغيل الكامل في عام 2036. وقد كان هذا المشروع واحداً من مبادرتين ضخمتين في مجال البنية التحتية للري، تعتمدان بشكل كبير على مياه بحيرة القرعون ونهر الليطاني. القناة 800، وهي قيد التنفيذ حالياً، صُمّمت لري 15,000 هكتار من الأراضي الزراعية وتوفير مياه الشرب لـ 77 قرية، من خلال استجرار 100 مليون متر مكعب سنوياً من بحيرة القرعون. أما القناة 900 فقد أُطلقت في سبعينيات القرن الماضي بهدف توسيع نطاق الري في جنوب البقاع لتغطي 21,500 هكتار، لكنها لا تخدم اليوم سوى 1,900 هكتار فقط بعدما تعثّر توسيعها إلى حدّ بعيد بسبب التلوّث الشديد في مياه بحيرة القرعون.

وقد أقرّ البنك الدولي نفسه، في تصريح أدلى به للبديل، أن القناة 800 “ستخلق مزيداً من المنافسة لتلبية جميع استخدامات المياه”، ما يستدعي “تقييماً لجدوى مشروع الري في ظلّ الظروف المتوقعة في عام 2036”.

ما يعنيه ذلك ببساطة هو التالي: إذا اكتمل مشروع SGBWSP في الموعد المحدد بعد سبع سنوات – أي بحلول عام 2032 – وتزامن تشغيله مع دخول مشاريع الري حيّز التنفيذ، فإن بحيرة القرعون لن تتمكن من تزويد بيروت بالمياه من دون عوائق إلا لمدة أربع سنوات فقط. ووفق هذا الحساب، يكون لبنان قد أنفق حوالي 151.95 مليون دولار سنوياً من أجل تأمين إمدادات مستقرة للعاصمة لمدة لا تتجاوز أربع سنوات.

وعلى المدى الأبعد، تصبح الصورة أكثر قتامة. فبحسب ملحق تقييم الأثر البيئي والاجتماعي الصادر عن مجلس الإنماء والإعمار ومؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان للمشروع الثاني، من المتوقع أن يتدهور توفر المياه في حوضي الليطاني والأولي خلال الأشهر الجافة من الصيف بشكل حاد في الفترة 2044–2050. فخلال هذه السنوات لن يتمكّن النظام من تلبية الكميات اليومية المخططة من المياه سوى في 47.9% من الأيام ما يعني أنّ بيروت الكبرى ستعاني نقصاً في المياه خلال معظم فترات السنة. ويمثل هذا تراجعاً حاداً مقارنة بالفترة 2026–2030، التي تُتوقع فيها تغطية الطلب اليومي على المياه في جميع الأيام تقريباً (99.8%).

 

الجودة: سموم من المصدر

كل من وقف يوماً على ضفاف بحيرة القرعون أو سار على ضفاف نهر الليطاني العلوي يعرف الحقيقة: هذه ليست مصادر مياه، بل مجارٍ مكشوفة لمياه الصرف الصحي. الرائحة الكريهة، اللون الداكن، والطبقة الطافية على السطح تقول كل شيء قبل أن تظهر أي نتائج مخبرية. ومع ذلك، هذه هي المياه التي تنوي الدولة ضخّها مباشرة إلى منازل سكان بيروت. من المفترض أن تجعل محطة معالجة الوردانية هذه المياه صالحة للشرب. لكن حتى لو تمّ بناؤها وتشغيلها بشكل مثالي – وهو افتراض متفائل نظراً إلى سجل لبنان – فإن حجم التلوّث وتعقيد المعالجة قد يتجاوزان قدراتها الفعلية.

البنك الدولي على دراية تامة بهذا الواقع. ففي عام 2016، وافق على قرض بقيمة 55 مليون دولار لتمويل “مشروع الحدّ من تلوث بحيرة القرعون“. لكن تحقيقاً صدر في عام 2022 كشف أن خمس سنوات مرّت ولم يُصرف سوى جزء ضئيل من القرض، وبقيت البحيرة على حالها – بما سمته “مجرىً مفتوح للصرف الصحي” – فيما أظهرت تقارير ارتفاعاً في معدلات السرطان في المناطق المحيطة. وقد تم تمديد الموعد النهائي للمشروع إلى كانون الأول 2025، لكن حتى وقت إعداد هذا التقرير، لم يتغيّر الكثير.

في بيان إلى بديل، قال البنك الدولي إن “معالجة التلوّث من مصدره تُعدّ الاستراتيجية الأجدى لتحقيق حلّ طويل الأمد لمشاكل جودة المياه المرتبطة بمشروع SGBWSP”، لكنه أضاف أن تشغيل محطات معالجة الصرف الصحي القائمة في البقاع غير مستدام، إذ إن العديد منها “تدهورت نتيجة سنوات من الإهمال والصيانة غير الكافية”، بينما “تُشكّل الكلفة المرتفعة للتشغيل والضعف المالي للجهات المشغّلة عائقاً مستمراً، وتُنتج نمطاً غير مستدام من التبعية”. وأشار البنك إلى أن مصادر التلوث غير النقطية – أي تلك التي لا تأتي من منشآت أو أنابيب محددة – قد ازدادت في العقد الأخير، مما يجعل من غير المرجّح أن يتم تنظيف بحيرة القرعون في المدى القصير أو المتوسط. ولهذا السبب، برّر البنك الدولي استثمار مشروع SGBWSP على أنه حلّ مرحلي لتلبية الحاجات العاجلة لبيروت الكبرى.

وهكذا، في ظلّ غياب القدرة – أو الإرادة – لدى الدولة والبنك الدولي لمعالجة المشكلة من مصدرها، وُضعت خطة معالجة معقّدة متعددة المراحل في محطة الوردانية. أجرت وزيرة البيئة تمارا الزين مقارنة صريحة بالمشروع السابق، قائلة: “حين نقرر نقل المياه من منطقة إلى أخرى، ينبغي على الأقل أن تكون هذه المياه صالحة للاستخدام”، مشيرة إلى أن مشروع GBWSP أغفل جودة المياه منذ البداية، ما أدّى إلى تعديلات مكلفة على محطة المعالجة. وشدّدت على ضرورة إجراء دراسات تلوّث دقيقة قبل الشروع بأي بنية تحتية ممولة بقروض، محذّرة من عبء التشغيل الباهظ الذي يظهر عادة بعد انقطاع التمويل الخارجي.

تُشير لمى عبد الصمد، وهي مهندسة صحة عامة متخصصة في المياه والصرف الصحي، إلى أن التهديدات الأبرز للصحة العامة لا تقتصر على المعادن الثقيلة، بل تشمل كذلك الارتفاع الشديد في مستويات البكتيريا القولونية البرازية، والأمونيا والنترات والفوسفور، نتيجة الزراعة المكثفة والتصريف العشوائي لمياه الصرف غير المعالجة. اليوم، باتت بحيرة القرعون – المصدر الأساسي للمياه في المشروع – ذات رائحة كريهة ولون بنيّ واضح. وقد اعتبرت دراسة أجريت عام 2022 أن مياهها غير صالحة حتى للري، فكيف باستخدامها كمصدر لمياه الشرب من دون معالجة مسبقة. وفي حادثة غير مسبوقة في نيسان 2021، جُرف ما يزيد 40 طناً من الأسماك النافقة إلى شواطئ البحيرة بسبب التلوّث الحاد.

وليس هذا بجديد. فمنذ عام 2010 سُجّلت مستويات مرتفعة من المعادن الثقيلة – بما فيها الكادميوم والكروم والنيكل والزنك والألمنيوم والباريوم – في عينات من مياه البحيرة، فضلاً عن وجود الزرنيخ في الرواسب.

وبحسب المواصفة اللبنانية لمياه الشرب (NL 161:2016) فإن الحد الأقصى المسموح به لتركيز الأمونيا (NH₃) في مياه الشرب هو 0.5 ملغم/لتر. لكن نهر الليطاني سجّل معدلاً وسطياً يبلغ 4.6 ملغم/لتر، أي أعلى بنسبة 920% من الحد المسموح. وترتبط هذه المستويات المرتفعة من الأمونيا، إلى جانب ملوثات أخرى، بمخاطر صحية جسيمة في حال استخدام هذه المياه من دون معالجة كاملة.

ورغم اتفاق أغلب الخبراء الذين تحدثوا مع بديل على أن محطة الوردانية قادرة نظرياً على معالجة النسبة الأكبر من الملوثات التي ستصل إلى بيروت، فإن هناك شكوكاً جدّية حول قدرة الدولة اللبنانية على إدارة مشاريع معالجة بهذا الحجم والاستمرار في صيانتها بشكل منتظم.

في المقابل، يقول البنك الدولي إن المشروع سيستخدم “الإدارة التكيفية” لضبط أنظمة الوردانية وفق مستويات التلوث الموسمية، مؤكداً أن الناتج النهائي سيلتزم “بالمعايير الصارمة لمياه الشرب”. ويصرّ البنك على أن المحطة ستكون قادرة على التعامل مع “المستويات المتوقعة” من التلوّث. لكن الوقائع السابقة لا تدعو إلى الاطمئنان.

تعتبر عبد الصمد أن التلوّث الشديد يجعل محطة الوردانية ضرورية، لكنها حذّرت من أن نظام المعالجة المتعدد المراحل سيُضاعف تكاليف التشغيل ويزيد من عبء الديون. وأشارت إلى أن مشروع SGBWSP يواصل نمط الاقتراض من دون رؤية واضحة للسداد. من جهتها، تقول ضاهر إن زيادة الكميات المُورّدة إلى بيروت ستجذب المزيد من المشتركين، ما يضمن استرداد الكلفة ويُجنّب الحاجة إلى قروض إضافية لتشغيل المحطة. وتشير بيانات مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان إلى أن نسبة الاشتراك بلغت نحو 87% في عام 2021.

لكن الواقع يقول إن كل حديث عن “إدارة تكيفية” و”معايير صارمة” يبقى حبراً على ورق ما لم تُثبت الدولة أنها قادرة – أو راغبة – في جعل تنظيف المنابع أولوية. وفي غياب ذلك، يُطلب من لبنان أن يُراهن على نظام معالجة معقّد ومكلف في بلد نادراً ما تتم فيه الصيانة، وتندر فيه الميزانيات المستقرة. وإذا ما فشلت هذه المقامرة، فلن يدفع الثمن أصحاب القرار، بل العائلات العادية، التي ستشرب من صنابير قيل لها إنها آمنة، بينما تُسدد قروضاً ما كان ينبغي عقدها أصلاً.

 

بسري: السد الذي يرفض أن يموت

في حزيران/يونيو 2024، أصدرت الدولة اللبنانية نسخة محدّثة للاستراتيجية الوطنية لقطاع المياه، ترسم خارطة طريق طموحة للبنية التحتية المائية حتى عام 2035، باستثمارات متوقعة تبلغ 1.76 مليار دولار. تُعطي الخطة أولوية لبناء 18 سداً جديداً خلال العقد المقبل، وتأهيل شبكات الإمداد والري، والحد من نسبة المياه غير المُدرّة للدخل، إلى جانب الدعوة لإصلاحات في حوكمة مؤسسات المياه. اللافت فيها أنها تُعيد إحياء مشروع سد بسري المُلغى، وتدرجه ضمن المشاريع ذات الأولوية، رغم إلغائه رسمياً في عام 2020 – وهي خطوة يدرك البنك الدولي أبعادها جيداً.

في عام 2014، أُطلق مشروع تعزيز إمدادات المياه في لبنان بقيمة 617 مليون دولار، بتمويل مشترك من البنك الدولي (474 مليون دولار) والبنك الإسلامي للتنمية (128 مليون دولار) والحكومة اللبنانية (15 مليون دولار). عُرف المشروع عموماً باسم مشروع “سد بسري”، وكان من المفترض تنفيذه بإشراف مجلس الإنماء والإعمار، لتأمين مصدر آمن ومستدام للمياه لصالح بيروت الكبرى وجبل لبنان. الخطط كانت تقضي بإنشاء سدّ بسعة 125 مليون متر مكعب قرب بلدة بسري – على بُعد 35 كيلومتراً جنوب شرق بيروت، على أن يُخزَّن خلال الشتاء والربيع، وتُنقل مياهه في الصيف والخريف عبر أنفاق جوفية بطول 26 كيلومتراً بالجاذبية إلى محطة معالجة الوردانية، ومنها إلى شبكة المياه في العاصمة.

لكن هذا المشروع الطموح سرعان ما أثار جدلاً واسعاً، إذ شكّك خبراء وناشطون بجدواه الجيولوجية وآثاره البيئية المتوقعة (انظر التفاصيل أدناه). أُلغي المشروع عام 2020 بعدما صُرف منه 244 مليون دولار. في توضيحها للإلغاء، أشارت إدارة البنك الدولي إلى فشل الحكومة اللبنانية في تقديم معلومات حاسمة بشأن الآليات المؤسسية والمالية المرتبطة بوزارة الطاقة والمياه، إضافة إلى عدم تنفيذ خطة التعويض البيئي، التي تُعدّ جزءاً أساسياً من تقييم الأثر البيئي، والتي انتهى مفعولها عام 2016.

من هذا المنظور، لا يبدو مشروع “إمدادات المياه الثاني لبيروت الكبرى” حلاً قائماً بذاته، بل أقرب إلى واجهة لإعادة إحياء سد بسري من الباب الخلفي. الأنفاق ومحطة المعالجة، والوعود المعهودة بإمدادات مستقبلية، كلّها تمهّد عملياً لنظام نقل مياه لا يمكن أن يعمل من دون مصدر إضافي ضخم: أي سدود جديدة وباهظة التكلفة.

ورغم إصرار البنك الدولي على أن مشروع SGBWSP مستقل عن سد بسري، إلا أن المعطيات الواقعية ترسم صورة مختلفة. فالهدف المعلن للمشروع – أي تأمين إمداد موثوق ومستمر بالمياه لـ 1.8 مليون نسمة في بيروت الكبرى – يبدو غير قابل للتحقيق دون مصدر جديد. وهذا المصدر، في الأغلب، هو سد بسري. يُدرَج السدّ فعليًاً ضمن فئة “الأولوية 1 – الدفعة 1” في الاستراتيجية الوطنية، ويسعى إلى نيل حصة من تمويل بقيمة 595 مليون دولار، إلى جانب أربعة سدود أصغر.

لطالما اعتُبر سد بسري من أكثر مشاريع البنية التحتية إثارةً للجدل في لبنان. عارضه خبراء بيئة، وجيولوجيون، وجمعيات مدنية، وتوقّف العمل به عام 2020 بعد موجة من الاعتراضات وتحذيرات من المخاطر الزلزالية، والتدمير البيئي، والهدر المالي. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الوطنية المحدثة – والتي وُضعت خلال ولاية الوزير السابق وليد فياض – تتجاهل تماماً كل الاعتراضات السابقة والتقييمات الفاشلة، والأدلة العلمية التي أثبتت عدم جدوى المشروع.

قال الدكتور سمير زعاطيطي، عالم الهيدروجيولوجيا، في حديث مع البديل: “طبيعة لبنان لا تحتمل السدود الكبيرة. البلد مليء بالحفر والفراغات الجوفية، وعلينا أن نتعلّم من الطبيعة لا أن نعمل ضدها”. ويُشير الزعتيتي إلى دراسة جيولوجية فرنسية وصفت وادي بسري بأنه يعاني من effondrement أي انهيارات تحت السطح. وقد كشفت أعمال الحفر عن تجاويف وكهوف تتوسّع مع الوقت بفعل تدفّق المياه وذوبان الثلوج، ما يُضعف الطبقات الأرضية ويُحدث انهيارات متكررة. كما أن الرواسب النهرية القادمة من نهر الأولي تُضيف وزناً فوق أرض هشّة أساساً.

شاركت الناشطة أماني بعيني هذا القلق. أما حسن حجار، من اللجنة المحلية لحماية وادي بسري، فقال إن المشروع “محكوم عليه بالفشل”. وأضاف: “يتطلب المشروع إزالة 27 مليون متر مكعب من الصخور، بكلفة ابتدائية تبلغ مليار دولار. ومع التكاليف الطويلة الأمد، قد تصل الكلفة إلى 5 أو 6 مليارات، ولن يُنجز قبل مرور 20 إلى 25 سنة”. وتابع: “بعد زلزال تركيا، يبدو من العبث إعادة فتح النقاش حول سد بسري… التلاعب بالطبيعة بعد كل ما شهدناه هو جنون محض”.

كما شدّد حجار على المخاطر البيئية والثقافية الأوسع، مشيراً إلى أن المشروع سيحوّل 6 ملايين متر مربع من الأراضي الخصبة إلى مستنقع، ويقضي على محمية أرز الشوف و52 موقعاً أثرياً، من بينها المعبد الروماني وكنيسة القديس موسى. وبالإجمال، يتفق الزعتيتي وبعيني وحجار على أن السد غير قابل للتنفيذ، لا من الناحية الفنية ولا الجيولوجية ولا الاقتصادية.

غموض على هيئة سدّ

رغم إلغاء مشروع سد بسري رسمياً، فإن المرسوم رقم 2066 لعام 2015، الذي صنّفه كمشروع ذي منفعة عامة، لم يُلغَ. واليوم، يشير إدراج المشروع ضمن أولويات الاستراتيجية الوطنية المحدّثة لقطاع المياه إلى احتمال إحيائه من جديد.

غير أن تصريحات المسؤولين في مقابلاتهم مع بديل تعكس إشارات متضاربة. فقد أكدت وزارة الطاقة والمياه أن “مشروع SGBWSP لا علاقة له بسد بسري”. لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن دراسة شاملة لجميع مشاريع السدود – المتوقفة والمكتملة – جارية حالياً بناءً على طلب الوزير جو صدّي.

أما وزيرة البيئة تمارا الزين، فلم تتخذ موقفاً حاسماً، مكتفية بالقول إن مشاريع السدود تُطرح عالمياً كحلول مقترحة، لكنها تساءلت عن مدى جدواها في السياق اللبناني. وقالت: “هناك ثلاثة أبعاد لا بد من مراعاتها عند تقييم أي مشروع سد: ملاءمة الموقع، والكلفة، وتوفّر البدائل. الكُلف في لبنان قد تكون أعلى من غيرها لأسباب معروفة، لكن هناك أيضاً كُلف غير مباشرة يجب احتسابها. هل كان بالإمكان اعتماد بدائل فعّالة؟”

من جانبها، قالت متحدّثة باسم البنك الدولي إن مشروع SGBWSP “مجدٍ فنياً واقتصادياً” من دون الحاجة إلى سد بسري، ونفت علمها بوجود أي نقاشات حاليّة حول إعادة إطلاق المشروع. وأضافت أن تركيز المشروع ينصبّ على تقليص المياه غير المُدرّة للدخل الناتجة عن التسرب أو الاستهلاك غير المفوتر، وليس على زيادة مصادر الإمداد عبر بناء سدود جديدة.

لكن خلف هذه التصريحات، تبرز إشارات أوضح إلى علاقة أوثق. فقد شدّدت رندا ضاهر، من مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، على أن مشروع SGBWSP وحده لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد في العاصمة. ووصفت سد بسري بأنه “مشروع مكمل”، مشيرة إلى أنه رغم الفصل الفني بين المشروعين، إلا أن السد سيُعدّ ضرورياً لتأمين إمداد مستمر وموثوق على المدى الطويل. كما أوضحت أن تشغيل السد سيتطلّب بناء محطة معالجة إضافية تتجاوز قدرات محطة الوردانية.

وفي الواقع، تُظهر وثائق البنك الدولي العائدة إلى المشروع الأول لإمدادات مياه بيروت وجبل لبنان أن البنك كان يتوقع تلقّي ما بين 60 و100 مليون متر مكعب من مياه سد بسري سنوياً، “بحسب السنة”.

بهذا المعنى، لا يبدو سد بسري مشروعًا ميتاً، بل مؤجّلاً، يُعاد إدراجه تدريجياً في خطاب السياسات العامة، من دون أن يُطرح علناً في مساحات النقاش أو يخضع للمساءلة الشفافة. وبينما يُراهن لبنان مجدداً على مشاريع سبق أن أثبت فشلها، لا بد من التساؤل: هل علق صانعو السياسات في دوّامة تكرار القرارات نفسها وتوقّع نتائج مختلفة؟

 

مسارات بديلة لقصر النظر السياسي

يرى عدد متزايد من خبراء البيئة والمتخصصين في قطاع المياه أن التحديات التي تواجه لبنان لا يمكن حلّها من خلال توسيع العرض فقط، بل تتطلّب تحوّلاً نحو إدارة متكاملة وفعّالة ومستدامة للموارد، تُعطي الأولوية للاستفادة القصوى من الإمكانات الحالية قبل الاستثمار في مشاريع ضخمة جديدة.

على سبيل المثال، يُقدّر حسام حوّا، مؤسّس شركة “ضفاف” للاستشارات البيئية، أن نسبة المياه غير المُدرّة للدخل في لبنان قد تصل إلى 60%، لكنه يرى أن بالإمكان خفض هذه النسبة بشكل كبير من خلال تحسين العدّادات وإصلاح التسريبات ومعالجة التوصيلات غير القانونية. ذلك من شأنه استعادة كميات كبيرة من المياه المتوفّرة أصلاً ضمن النظام القائم. هذا التوجّه تؤيّده أيضاً وزيرة البيئة تمارا الزين، والتي اشارت في حديثها لـ البديل إن شبكات المياه المتقادمة والمجزّأة في لبنان يجب أن تكون أولوية قصوى قبل المضي في مشاريع جمع مياه واسعة النطاق.

من جهتها، ترى لمى عبد الصمد، المتخصّصة في قضايا المياه والصرف الصحي، أن الحل لا يكمن فقط في الجانب التقني، بل في إعادة التفكير بالنموذج الأشمل لإدارة المياه. فرغم أن سد بسري قد يبدو سليمًا من الناحية الهندسية على الورق، تؤكد عبد الصمد أن معظم استراتيجيات القطاع تتبنى مقاربة خطيّة، تضع الهندسة أولًا وتتجاهل عناصر مثل المرونة المناخية، والتنمية الاجتماعية، والاستدامة بعيدة المدى.

وتدعو عبد الصمد إلى اعتماد نموذج الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، وهو مقاربة تخطيطية عابرة للقطاعات توازن بين الاحتياجات الزراعية والصناعية والبيئية، وتسعى إلى تحسين النتائج الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء. وتُحذّر من أن الاستمرار في إضافة مصادر جديدة، من دون معالجة مواطن الخلل البنيوي، قد لا يُترجم إلى أي تحسّن ملموس للمستخدمين النهائيين.

بحسب متحدثة باسم البنك الدولي، يُعدّ مشروع SGBWSP جزءًا من الاستراتيجية الوطنية الأشمل، التي تشمل “مبادرات لتحسين توافر المياه وجودتها، وتطوير مصادر جديدة، وتطبيق تدابير لترشيد الاستهلاك”. وقد أكّد ممثّل عن وزارة الطاقة والمياه أن بدائل البنية التحتية الحالية نوقشت داخلياً، وجرى تقييمها من قبل مجلس الإنماء والإعمار، ليُصار في النهاية إلى اختيار ما اعتُبر أكثرها فعالية.

ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء الذين قابلهم فريق بديل ضمن هذا التحقيق أنه ما زال بالإمكان تحقيق نتائج ملموسة من خلال تحسين استخدام الموارد القائمة. ويشمل ذلك إدارة أفضل لمياه الينابيع، مثل نبع جعيتا ونبع كشكوش، إلى جانب تعزيز ممارسات الحوكمة للحدّ من الهدر وتحسين الكفاءة في التوزيع.

يقترح حسام حوّا اعتماد نهج لامركزي يرتكز إلى بنى تحتية صغيرة النطاق، مثل السدود الحاجزة، والبحيرات الجبلية، وبرك الاحتفاظ، بما يعزّز الزراعة والأمن المائي المحلي في المناطق الريفية.

وقد أشار عدد من الخبراء الذين قابلهم فريق بديل إلى مقترح صادر عن المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعية، أوصى بتطوير آبار عامة حول بيروت. وتُظهر الخطة أن تحسين استخدام مياه نبع جعيتا يمكن أن يلبّي احتياجات العاصمة المائية الراهنة، مقابل تكلفة بنية تحتية تتراوح بين 30 و50 مليون دولار. ووفقًا لحسن الحجّار، يُصرّف نبع جعيتا ما يقارب 185 مليون متر مكعب سنوياً، لا تصل منها إلى بيروت سوى 35 مليوناً. وهذا يعني وجود فائض نظري يقدَّر بـ150 مليون متر مكعب – أي أكثر من ضعف القدرة الاستيعابية لسد بسري المُلغى.

يحظى هذا التوجّه بدعم عالم الهيدروجيولوجيا سمير الزعتيتي، الذي يؤكد أنه سبق أن قدّم مقترحاً مماثلاً إلى وزارة الطاقة والمياه، مستنداً إلى دراسات أجراها حول المياه الجوفية في المناطق المحيطة بالعاصمة. ويشير إلى أن مناطق مثل وادي شحرور–كفرشيما وجسر القاضي–الدامور، والممتدة فوق صخور كارستية تعود إلى العصر الجوراسي، قادرة على توفير مياه عذبة من خلال حفر آبار على أعماق متوسّطة. ويستند في ذلك إلى تجارب ناجحة في استخراج المياه الجوفية من وادي جيلو ووادي فخر الدين، اللذين يؤمّنان المياه حالياً لـ80 قرية في جنوب لبنان.

ويضيف الزعتيتي إلى أن “جبال لبنان تعمل كالإسفنج، تمتص المياه وتخزنها في خزّانات طبيعية. السدود الكبرى ليست الحل الوحيد، وعلينا الاستثمار في الإدارة الذكية للمياه الجوفية”. ويقدّر أن بالإمكان استخراج ما يصل إلى 1.5 مليار متر مكعب من المياه الجوفية سنويًا بشكل مستدام، معتبراً إن هذا الخيار قد يكون أكثر جدوى اقتصادياً وبيئياً من بناء السدود الكبيرة.

ورغم أن خبراء مثل الزعتيتي وحسن حجّار يثيرون تساؤلات حول أولويات التمويل الخارجي، تؤكد الوزيرة تمارا الزين على دور المؤسسات اللبنانية في توجيه هذه الاستثمارات. وقالت: “جهات التمويل تنفق بحسب أولوياتها، لكن تقع علينا نحن كمسؤولين مسؤولية كبرى في توجيه هذا التمويل بفعالية أكبر، وضمان استمرارية المشاريع بعد انتهاء التمويل”. وتُقرّ بأن كلفة البنية التحتية في لبنان أعلى منها في دول كثيرة، وبأن الكلف غير المباشرة – مثل الأعباء البيئية والتشغيلية – يجب أن تُدرج ضمن معادلة القرار. وأضافت: “المشكلة الأساسية هي أن جزءاً كبيراً من التمويل صُرف من دون أخذ التشغيل والصيانة في الحسبان كما ينبغي”.

 

نظرة إلى المستقبل: أموال مقترضة في دلو مثقوب

تعتمد خطة البنك الدولي الجديدة لإحياء وتوسيع شبكة مياه بيروت الكبرى على أسس مألوفة: أموال مقترضة وتقديرات فنية يغلب عليها التفاؤل المفرط. تبلغ كلفة “المشروع الثاني لتزويد بيروت الكبرى بالمياه” 257.8 مليون دولار، ويهدف إلى إيصال مياه الشرب لنحو مليوني نسمة. لكنّ المخاطر البنيوية التي قوضت المرحلة الأولى – من التسرب في البنية التحتية إلى تلوّث مصادر المياه، وضعف الرقابة وفشل الإصلاحات الموعودة – لا تزال قائمة إلى حدّ كبير. ومع بقاء بحيرة القرعون ملوّثة بشكل خطير، واستمرار تعثّر محطة معالجة المياه في الوردانية، يبدو أن المشروع الجديد يعيد إنتاج إخفاقات سابقه – لكن هذه المرّة مع أموال عامة أكثر وثقة شعبية أقل.

على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، تدفّقت مئات الملايين من الدولارات كقروض ميسّرة إلى قطاع المياه في لبنان، من دون نتائج تُذكر. واليوم، يقدّم البنك الدولي مشروعه الجديد كفرصة أخيرة للإنقاذ. إلا أن تركيزه الحصري على استكمال بنى تحتية غير مكتملة، من دون معالجة جودة المياه من المصدر، أو إصلاح منظومة التوزيع، أو البحث في خيارات إمداد بديلة، يعكس قراءة ضيّقة لما جرى، ورهاناً محفوفاً بالمخاطر على ما قد يُكتب له النجاح.

هذا لا ينفي الحاجة الملحّة للمياه في بيروت. لكن أي حلّ فعّال يجب أن يوفّر الكمية والنوعية معاً، ضمن إطار حوكمة واضحة وتمويل قادر على ضمان التشغيل والصيانة على المدى الطويل. هناك بدائل جدّية مطروحة على الطاولة: تأهيل قناة نقل نبع جعيتا، وتوسيع نطاق الآبار العامة تحت رقابة مشدّدة، والاستثمار في تقنيات الترشيح اللامركزي، وتقليص فاقد المياه غير المدرة للدخل من خلال إصلاح الشبكة القائمة. قد لا تحمل هذه المسارات وهج المشاريع الكبرى، لكنها أكثر انسجاماً مع احتياجات لبنان الفعلية وقدرته المؤسسية المتواضعة.

إن أزمة المياه في لبنان ليست نتاج ندرة، بل نتيجة مزمنة لسوء الإدارة. والسؤال المطروح اليوم هو: هل يتعلّم صانعو القرار من إخفاقات الماضي قبل أن يعيدوا ارتكابها؟ وهل يمكن توجيه الأموال المقترضة نحو إصلاحات مستدامة بدلًا من مشاريع مهدورة؟ إن لم يتحقق ذلك، ستستمر الحلقة المفرغة: خطط جديدة وقروض جديدة، لكن من دون مياه. واللبنانيون العطشى لا يحتملون خط أنابيب جديداً – مع الكثير من الوعود – لا يصل في النهاية إلا إلى البالوعة.

لم يستجب مجلس الإنماء والإعمار لطلبات التعليق المتكررة.

ملاحظة المحرر:
يتقدّم معهد السياسة البديلة بجزيل الشكر إلى الصحافيين والباحثين والداعمين والناشطين الذين ساهموا في إعداد هذا التحقيق. شكر خاص لكلّ من: ألكسندروس شاتزيباناجيوتو، منال مقدم، مايكل هويجر، لين منيمنة، سامي حلبي، سبنسر أوسبرغ، وسواهم ممّن أسهموا في إنجاح هذا العمل.

Related