من هذا المنظور، لا يبدو مشروع “إمدادات المياه الثاني لبيروت الكبرى” حلاً قائماً بذاته، بل أقرب إلى واجهة لإعادة إحياء سد بسري من الباب الخلفي. الأنفاق ومحطة المعالجة، والوعود المعهودة بإمدادات مستقبلية، كلّها تمهّد عملياً لنظام نقل مياه لا يمكن أن يعمل من دون مصدر إضافي ضخم: أي سدود جديدة وباهظة التكلفة.
ورغم إصرار البنك الدولي على أن مشروع SGBWSP مستقل عن سد بسري، إلا أن المعطيات الواقعية ترسم صورة مختلفة. فالهدف المعلن للمشروع – أي تأمين إمداد موثوق ومستمر بالمياه لـ 1.8 مليون نسمة في بيروت الكبرى – يبدو غير قابل للتحقيق دون مصدر جديد. وهذا المصدر، في الأغلب، هو سد بسري. يُدرَج السدّ فعليًاً ضمن فئة “الأولوية 1 – الدفعة 1” في الاستراتيجية الوطنية، ويسعى إلى نيل حصة من تمويل بقيمة 595 مليون دولار، إلى جانب أربعة سدود أصغر.
لطالما اعتُبر سد بسري من أكثر مشاريع البنية التحتية إثارةً للجدل في لبنان. عارضه خبراء بيئة، وجيولوجيون، وجمعيات مدنية، وتوقّف العمل به عام 2020 بعد موجة من الاعتراضات وتحذيرات من المخاطر الزلزالية، والتدمير البيئي، والهدر المالي. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الوطنية المحدثة – والتي وُضعت خلال ولاية الوزير السابق وليد فياض – تتجاهل تماماً كل الاعتراضات السابقة والتقييمات الفاشلة، والأدلة العلمية التي أثبتت عدم جدوى المشروع.
قال الدكتور سمير زعاطيطي، عالم الهيدروجيولوجيا، في حديث مع البديل: “طبيعة لبنان لا تحتمل السدود الكبيرة. البلد مليء بالحفر والفراغات الجوفية، وعلينا أن نتعلّم من الطبيعة لا أن نعمل ضدها”. ويُشير الزعتيتي إلى دراسة جيولوجية فرنسية وصفت وادي بسري بأنه يعاني من effondrement أي انهيارات تحت السطح. وقد كشفت أعمال الحفر عن تجاويف وكهوف تتوسّع مع الوقت بفعل تدفّق المياه وذوبان الثلوج، ما يُضعف الطبقات الأرضية ويُحدث انهيارات متكررة. كما أن الرواسب النهرية القادمة من نهر الأولي تُضيف وزناً فوق أرض هشّة أساساً.
شاركت الناشطة أماني بعيني هذا القلق. أما حسن حجار، من اللجنة المحلية لحماية وادي بسري، فقال إن المشروع “محكوم عليه بالفشل”. وأضاف: “يتطلب المشروع إزالة 27 مليون متر مكعب من الصخور، بكلفة ابتدائية تبلغ مليار دولار. ومع التكاليف الطويلة الأمد، قد تصل الكلفة إلى 5 أو 6 مليارات، ولن يُنجز قبل مرور 20 إلى 25 سنة”. وتابع: “بعد زلزال تركيا، يبدو من العبث إعادة فتح النقاش حول سد بسري… التلاعب بالطبيعة بعد كل ما شهدناه هو جنون محض”.
كما شدّد حجار على المخاطر البيئية والثقافية الأوسع، مشيراً إلى أن المشروع سيحوّل 6 ملايين متر مربع من الأراضي الخصبة إلى مستنقع، ويقضي على محمية أرز الشوف و52 موقعاً أثرياً، من بينها المعبد الروماني وكنيسة القديس موسى. وبالإجمال، يتفق الزعتيتي وبعيني وحجار على أن السد غير قابل للتنفيذ، لا من الناحية الفنية ولا الجيولوجية ولا الاقتصادية.
غموض على هيئة سدّ
رغم إلغاء مشروع سد بسري رسمياً، فإن المرسوم رقم 2066 لعام 2015، الذي صنّفه كمشروع ذي منفعة عامة، لم يُلغَ. واليوم، يشير إدراج المشروع ضمن أولويات الاستراتيجية الوطنية المحدّثة لقطاع المياه إلى احتمال إحيائه من جديد.
غير أن تصريحات المسؤولين في مقابلاتهم مع بديل تعكس إشارات متضاربة. فقد أكدت وزارة الطاقة والمياه أن “مشروع SGBWSP لا علاقة له بسد بسري”. لكنها أوضحت في الوقت نفسه أن دراسة شاملة لجميع مشاريع السدود – المتوقفة والمكتملة – جارية حالياً بناءً على طلب الوزير جو صدّي.
أما وزيرة البيئة تمارا الزين، فلم تتخذ موقفاً حاسماً، مكتفية بالقول إن مشاريع السدود تُطرح عالمياً كحلول مقترحة، لكنها تساءلت عن مدى جدواها في السياق اللبناني. وقالت: “هناك ثلاثة أبعاد لا بد من مراعاتها عند تقييم أي مشروع سد: ملاءمة الموقع، والكلفة، وتوفّر البدائل. الكُلف في لبنان قد تكون أعلى من غيرها لأسباب معروفة، لكن هناك أيضاً كُلف غير مباشرة يجب احتسابها. هل كان بالإمكان اعتماد بدائل فعّالة؟”
من جانبها، قالت متحدّثة باسم البنك الدولي إن مشروع SGBWSP “مجدٍ فنياً واقتصادياً” من دون الحاجة إلى سد بسري، ونفت علمها بوجود أي نقاشات حاليّة حول إعادة إطلاق المشروع. وأضافت أن تركيز المشروع ينصبّ على تقليص المياه غير المُدرّة للدخل الناتجة عن التسرب أو الاستهلاك غير المفوتر، وليس على زيادة مصادر الإمداد عبر بناء سدود جديدة.
لكن خلف هذه التصريحات، تبرز إشارات أوضح إلى علاقة أوثق. فقد شدّدت رندا ضاهر، من مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان، على أن مشروع SGBWSP وحده لا يكفي لتلبية الطلب المتزايد في العاصمة. ووصفت سد بسري بأنه “مشروع مكمل”، مشيرة إلى أنه رغم الفصل الفني بين المشروعين، إلا أن السد سيُعدّ ضرورياً لتأمين إمداد مستمر وموثوق على المدى الطويل. كما أوضحت أن تشغيل السد سيتطلّب بناء محطة معالجة إضافية تتجاوز قدرات محطة الوردانية.
وفي الواقع، تُظهر وثائق البنك الدولي العائدة إلى المشروع الأول لإمدادات مياه بيروت وجبل لبنان أن البنك كان يتوقع تلقّي ما بين 60 و100 مليون متر مكعب من مياه سد بسري سنوياً، “بحسب السنة”.
بهذا المعنى، لا يبدو سد بسري مشروعًا ميتاً، بل مؤجّلاً، يُعاد إدراجه تدريجياً في خطاب السياسات العامة، من دون أن يُطرح علناً في مساحات النقاش أو يخضع للمساءلة الشفافة. وبينما يُراهن لبنان مجدداً على مشاريع سبق أن أثبت فشلها، لا بد من التساؤل: هل علق صانعو السياسات في دوّامة تكرار القرارات نفسها وتوقّع نتائج مختلفة؟
مسارات بديلة لقصر النظر السياسي
يرى عدد متزايد من خبراء البيئة والمتخصصين في قطاع المياه أن التحديات التي تواجه لبنان لا يمكن حلّها من خلال توسيع العرض فقط، بل تتطلّب تحوّلاً نحو إدارة متكاملة وفعّالة ومستدامة للموارد، تُعطي الأولوية للاستفادة القصوى من الإمكانات الحالية قبل الاستثمار في مشاريع ضخمة جديدة.
على سبيل المثال، يُقدّر حسام حوّا، مؤسّس شركة “ضفاف” للاستشارات البيئية، أن نسبة المياه غير المُدرّة للدخل في لبنان قد تصل إلى 60%، لكنه يرى أن بالإمكان خفض هذه النسبة بشكل كبير من خلال تحسين العدّادات وإصلاح التسريبات ومعالجة التوصيلات غير القانونية. ذلك من شأنه استعادة كميات كبيرة من المياه المتوفّرة أصلاً ضمن النظام القائم. هذا التوجّه تؤيّده أيضاً وزيرة البيئة تمارا الزين، والتي اشارت في حديثها لـ البديل إن شبكات المياه المتقادمة والمجزّأة في لبنان يجب أن تكون أولوية قصوى قبل المضي في مشاريع جمع مياه واسعة النطاق.
من جهتها، ترى لمى عبد الصمد، المتخصّصة في قضايا المياه والصرف الصحي، أن الحل لا يكمن فقط في الجانب التقني، بل في إعادة التفكير بالنموذج الأشمل لإدارة المياه. فرغم أن سد بسري قد يبدو سليمًا من الناحية الهندسية على الورق، تؤكد عبد الصمد أن معظم استراتيجيات القطاع تتبنى مقاربة خطيّة، تضع الهندسة أولًا وتتجاهل عناصر مثل المرونة المناخية، والتنمية الاجتماعية، والاستدامة بعيدة المدى.
وتدعو عبد الصمد إلى اعتماد نموذج الإدارة المتكاملة للموارد المائية (IWRM)، وهو مقاربة تخطيطية عابرة للقطاعات توازن بين الاحتياجات الزراعية والصناعية والبيئية، وتسعى إلى تحسين النتائج الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء. وتُحذّر من أن الاستمرار في إضافة مصادر جديدة، من دون معالجة مواطن الخلل البنيوي، قد لا يُترجم إلى أي تحسّن ملموس للمستخدمين النهائيين.
بحسب متحدثة باسم البنك الدولي، يُعدّ مشروع SGBWSP جزءًا من الاستراتيجية الوطنية الأشمل، التي تشمل “مبادرات لتحسين توافر المياه وجودتها، وتطوير مصادر جديدة، وتطبيق تدابير لترشيد الاستهلاك”. وقد أكّد ممثّل عن وزارة الطاقة والمياه أن بدائل البنية التحتية الحالية نوقشت داخلياً، وجرى تقييمها من قبل مجلس الإنماء والإعمار، ليُصار في النهاية إلى اختيار ما اعتُبر أكثرها فعالية.
ومع ذلك، يرى العديد من الخبراء الذين قابلهم فريق بديل ضمن هذا التحقيق أنه ما زال بالإمكان تحقيق نتائج ملموسة من خلال تحسين استخدام الموارد القائمة. ويشمل ذلك إدارة أفضل لمياه الينابيع، مثل نبع جعيتا ونبع كشكوش، إلى جانب تعزيز ممارسات الحوكمة للحدّ من الهدر وتحسين الكفاءة في التوزيع.
يقترح حسام حوّا اعتماد نهج لامركزي يرتكز إلى بنى تحتية صغيرة النطاق، مثل السدود الحاجزة، والبحيرات الجبلية، وبرك الاحتفاظ، بما يعزّز الزراعة والأمن المائي المحلي في المناطق الريفية.
وقد أشار عدد من الخبراء الذين قابلهم فريق بديل إلى مقترح صادر عن المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعية، أوصى بتطوير آبار عامة حول بيروت. وتُظهر الخطة أن تحسين استخدام مياه نبع جعيتا يمكن أن يلبّي احتياجات العاصمة المائية الراهنة، مقابل تكلفة بنية تحتية تتراوح بين 30 و50 مليون دولار. ووفقًا لحسن الحجّار، يُصرّف نبع جعيتا ما يقارب 185 مليون متر مكعب سنوياً، لا تصل منها إلى بيروت سوى 35 مليوناً. وهذا يعني وجود فائض نظري يقدَّر بـ150 مليون متر مكعب – أي أكثر من ضعف القدرة الاستيعابية لسد بسري المُلغى.
يحظى هذا التوجّه بدعم عالم الهيدروجيولوجيا سمير الزعتيتي، الذي يؤكد أنه سبق أن قدّم مقترحاً مماثلاً إلى وزارة الطاقة والمياه، مستنداً إلى دراسات أجراها حول المياه الجوفية في المناطق المحيطة بالعاصمة. ويشير إلى أن مناطق مثل وادي شحرور–كفرشيما وجسر القاضي–الدامور، والممتدة فوق صخور كارستية تعود إلى العصر الجوراسي، قادرة على توفير مياه عذبة من خلال حفر آبار على أعماق متوسّطة. ويستند في ذلك إلى تجارب ناجحة في استخراج المياه الجوفية من وادي جيلو ووادي فخر الدين، اللذين يؤمّنان المياه حالياً لـ80 قرية في جنوب لبنان.
ويضيف الزعتيتي إلى أن “جبال لبنان تعمل كالإسفنج، تمتص المياه وتخزنها في خزّانات طبيعية. السدود الكبرى ليست الحل الوحيد، وعلينا الاستثمار في الإدارة الذكية للمياه الجوفية”. ويقدّر أن بالإمكان استخراج ما يصل إلى 1.5 مليار متر مكعب من المياه الجوفية سنويًا بشكل مستدام، معتبراً إن هذا الخيار قد يكون أكثر جدوى اقتصادياً وبيئياً من بناء السدود الكبيرة.
ورغم أن خبراء مثل الزعتيتي وحسن حجّار يثيرون تساؤلات حول أولويات التمويل الخارجي، تؤكد الوزيرة تمارا الزين على دور المؤسسات اللبنانية في توجيه هذه الاستثمارات. وقالت: “جهات التمويل تنفق بحسب أولوياتها، لكن تقع علينا نحن كمسؤولين مسؤولية كبرى في توجيه هذا التمويل بفعالية أكبر، وضمان استمرارية المشاريع بعد انتهاء التمويل”. وتُقرّ بأن كلفة البنية التحتية في لبنان أعلى منها في دول كثيرة، وبأن الكلف غير المباشرة – مثل الأعباء البيئية والتشغيلية – يجب أن تُدرج ضمن معادلة القرار. وأضافت: “المشكلة الأساسية هي أن جزءاً كبيراً من التمويل صُرف من دون أخذ التشغيل والصيانة في الحسبان كما ينبغي”.
نظرة إلى المستقبل: أموال مقترضة في دلو مثقوب
تعتمد خطة البنك الدولي الجديدة لإحياء وتوسيع شبكة مياه بيروت الكبرى على أسس مألوفة: أموال مقترضة وتقديرات فنية يغلب عليها التفاؤل المفرط. تبلغ كلفة “المشروع الثاني لتزويد بيروت الكبرى بالمياه” 257.8 مليون دولار، ويهدف إلى إيصال مياه الشرب لنحو مليوني نسمة. لكنّ المخاطر البنيوية التي قوضت المرحلة الأولى – من التسرب في البنية التحتية إلى تلوّث مصادر المياه، وضعف الرقابة وفشل الإصلاحات الموعودة – لا تزال قائمة إلى حدّ كبير. ومع بقاء بحيرة القرعون ملوّثة بشكل خطير، واستمرار تعثّر محطة معالجة المياه في الوردانية، يبدو أن المشروع الجديد يعيد إنتاج إخفاقات سابقه – لكن هذه المرّة مع أموال عامة أكثر وثقة شعبية أقل.
على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، تدفّقت مئات الملايين من الدولارات كقروض ميسّرة إلى قطاع المياه في لبنان، من دون نتائج تُذكر. واليوم، يقدّم البنك الدولي مشروعه الجديد كفرصة أخيرة للإنقاذ. إلا أن تركيزه الحصري على استكمال بنى تحتية غير مكتملة، من دون معالجة جودة المياه من المصدر، أو إصلاح منظومة التوزيع، أو البحث في خيارات إمداد بديلة، يعكس قراءة ضيّقة لما جرى، ورهاناً محفوفاً بالمخاطر على ما قد يُكتب له النجاح.
هذا لا ينفي الحاجة الملحّة للمياه في بيروت. لكن أي حلّ فعّال يجب أن يوفّر الكمية والنوعية معاً، ضمن إطار حوكمة واضحة وتمويل قادر على ضمان التشغيل والصيانة على المدى الطويل. هناك بدائل جدّية مطروحة على الطاولة: تأهيل قناة نقل نبع جعيتا، وتوسيع نطاق الآبار العامة تحت رقابة مشدّدة، والاستثمار في تقنيات الترشيح اللامركزي، وتقليص فاقد المياه غير المدرة للدخل من خلال إصلاح الشبكة القائمة. قد لا تحمل هذه المسارات وهج المشاريع الكبرى، لكنها أكثر انسجاماً مع احتياجات لبنان الفعلية وقدرته المؤسسية المتواضعة.
إن أزمة المياه في لبنان ليست نتاج ندرة، بل نتيجة مزمنة لسوء الإدارة. والسؤال المطروح اليوم هو: هل يتعلّم صانعو القرار من إخفاقات الماضي قبل أن يعيدوا ارتكابها؟ وهل يمكن توجيه الأموال المقترضة نحو إصلاحات مستدامة بدلًا من مشاريع مهدورة؟ إن لم يتحقق ذلك، ستستمر الحلقة المفرغة: خطط جديدة وقروض جديدة، لكن من دون مياه. واللبنانيون العطشى لا يحتملون خط أنابيب جديداً – مع الكثير من الوعود – لا يصل في النهاية إلا إلى البالوعة.
لم يستجب مجلس الإنماء والإعمار لطلبات التعليق المتكررة.
ملاحظة المحرر:
يتقدّم معهد السياسة البديلة بجزيل الشكر إلى الصحافيين والباحثين والداعمين والناشطين الذين ساهموا في إعداد هذا التحقيق. شكر خاص لكلّ من: ألكسندروس شاتزيباناجيوتو، منال مقدم، مايكل هويجر، لين منيمنة، سامي حلبي، سبنسر أوسبرغ، وسواهم ممّن أسهموا في إنجاح هذا العمل.