استقلال مالي مسلوب: العنف الاقتصادي ضدّ النساء في لبنان

تُسلب النساء في لبنان من استقلاليتهن المالية بشكل ممنهج ومتعمد

 

عانت النساء في لبنان من التهميش الاقتصادي زمناً طويلاً إلى حدّ بات معه تفاوتُهنّ مع الرجال، لدى كثيرين، أمراً مسلّماً به ويُنظر إليه كأنه جزء من “النظام الطبيعي”. لكن في الواقع، فإن العوائق التي تواجهها النساء في ممارسة حريتهنّ المالية عوائق منهجية ومتعمدة، حسب ما توضحه دراسة جديدة نشرتها شركة الأبحاث العالمية «تراينجل»، وهي المنظمة الأم لموقع «البديل».

كشفت الدراسة خلال استبيان على مستوى لبنان أن المنظومات الاجتماعية والقانونية والمؤسسية (وهي مترابطة ومجتمعةً) تقوّض قدرةَ النساء على شَغل وظيفة أو امتلاك عقار أو الوصول إلى الائتمان، وتحرمهن من الاستقلال المالي بشكل عام. وبينما تتوافر في المجتمع شواهد كثيرة متداولة عن نساء تعرّضن لأضرار مالية، قدّمت «تراينجل» بيانات موثّقة تُظهر شموليةَ أنظمة السيطرة التي تحكم واقع النساء في لبنان، إلى حدّ يصحّ معه تصنيفها  عنفاً في كثير من الحالات.

أفاد كلٌّ من الرجال والنساء المشاركين في الاستطلاع بأن الرجال يملكون الحصة الأكبر من سلطة اتخاذ القرار المالي داخل الأسر، بما في ذلك القرارات الكبرى مثل المشتريات الكبيرة أو تحمّل الديون. بينما تفاوتت قدرة النساء على التأثير في القرار المالي تفاوتاً ملحوظاً بحسب الحالة الاجتماعية: إذ أفادت النساء غير المتزوّجات (أو اللواتي لم يسبق لهن الزواج) بأنهن الأقل تأثيراً، تلتهم المتزوّجات، فيما أفادت المطلقات أو الأرامل بأنهن الأكثر تأثيراً.

أبرزت الدراسة إلى أي حد بات ينظر إلى العنف الاقتصادي بكونه اعتيادياً. مثلاً، أفاد 60% من المشاركين إنهم يعرفون شخصياً امرأة تعرّضت لإساءة مالية، أظهرت أيضاً أن الأجيال الأصغر سناً، والنساء من مختلف الأعمار، أكثر انفتاحاً على حق النساء في الوكالة الاقتصادية، في حين بقي الرجال الأكبر سناً الأقل دعماً لهذه الفكرة.

التبعية الاقتصادية تحاصر النساء في أوضاع غير آمنة لأنها تحدّ بشكل منهجي من قدرتهن على اتخاذ القرارات وتلبية الاحتياجات ومغادرة البيئات المسيئة.

في الاستخدام الدارج يُفهم «العنف» غالباً بوصفه فعلاً جسدياً فقط، أي الاعتداء على الآخرين بالضرب. لكن ثمة إدراكاً متزايداً اليوم بأن مفهوم العنف يجب أن يشمل أيضاً الحالات التي تبلغ فيها الأضرار الاقتصادية درجة من القسوة تجعلها أداةً متعمّدة أو منهجية للسيطرة على حياة الفرد، وتقييد خياراته وتقويض فرصه. التبعية الاقتصادية تحاصر النساء في أوضاع غير آمنة لأنها تحدّ بشكل منهجي من قدرتهن على اتخاذ القرارات وتلبية الاحتياجات ومغادرة البيئات المسيئة، فهي تحاصرهنّ حتماً في أوضاع غير آمنة. كما تلحق الضرر بصحتهن الجسدية والنفسية وتحدّ من الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، وقد تُدخل الأسر في دوامات فقرٍ تتوارثها الأجيال.

وفي العلاقات الحميمية، لا يقع العنف الاقتصادي بالضرورة بمعزل عن أشكال أخرى من الأذى، إذ كثيراً ما يترافق مع عنف جسدي وجنسي ونفسي ويعمل ضمن إطار أوسع من «السيطرة القسرية» لا كمجرد تفاوت مالي. ومن هنا، يشير مصطلح «العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي» إلى طيفٍ واسع من الأدوات والممارسات الاقتصادية التي تُستخدم للهيمنة على النساء وفرض معايير عقابية وترسيخ تراتبيات قائمة على النوع الاجتماعي.

 

العنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي بالأرقام

بحسب الدراسة، وعند النظر إلى الرجال والنساء بوصفهم مجموعاتٍ كاملة، تبيّن أن الرجال أكثر احتمالاً بمقدار 2.1 مرة من النساء للقول إنهم قادرون على توليد دخل، وهو تفاوت يكشف التهميش الاقتصادي بوصفه سمة بنيوية في المجتمع. كما أفادت النساء، على نحو متكرر، بأنهن يُدفعن إلى أدوار الرعاية غير المدفوعة الأجر، أو إلى الانخراط في أعمال غير رسمية وهشّة تفتقر إلى الاستقرار والحماية.

يبدو أن الوصول إلى التعليم، وما يرافقه من احتمال أكبر للاستقلال الاقتصادي، أحد أقوى عوامل الحماية من تعرّض النساء للعنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي.

وعلى الرغم من أن الدراسة أظهرت أن التعليم يعزّز بشكل ملموس فرص النساء في العمل، فإن الرجال ظلّوا، عبر جميع المستويات التعليمية، يتمتعون بآفاق دخل أعلى بكثير. في المقابل، أظهرت النتائج أن فرص الشابات في كسب الدخل وبناء الاستقلال المالي ترتفع بوتيرة أسرع مع كل مستوى تعليمي أعلى مقارنةً بالرجال. وبناءً عليه، يبدو أن الوصول إلى التعليم، وما يرافقه من احتمال أكبر للاستقلال الاقتصادي، أحد أقوى عوامل الحماية من تعرّض النساء للعنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي. غير أن نتيجة معاكسة برزت في إفادات عدد كبير من النساء اللواتي أشرن إلى منعهن من متابعة التعليم العالي، ولا سيما بعد الزواج. وتقول إحدى المشاركات: «[كنت أدرس لأصبح ممرضة] لكنني توقفت [عندما تزوجت في سن السابعة عشرة]… رفض زوجي أن أتابع دراستي، بل أيّده والدي. قال: مكان البنت ببيت زوجها».

تتفاقم التبعية المالية الجندرية بفعل عجز النساء عن الاحتفاظ بمدّخرات. إذ أظهرت الدراسة أن الرجال أكثر احتمالاً بأربع مرات من النساء لامتلاك أصول منقولة مثل الأثاث أو المركبات أو الملابس. في المقابل ذكرت النساء تكراراً أن أزواجهن أو أقاربهن الذكور يصادرون مقتنياتهن الثمينة (المجوهرات غالباً) عند اشتداد الضغوط المالية. كما أفادت النساء باستبعادهن بشكل منهجي من امتلاك الأراضي والمنازل وغيرها من أشكال الملكية. فمن بين المشاركين في الاستطلاع قال 39.4% من الرجال إنهم يمتلكون عقارات بشكل فردي، مقابل 4.5% فقط من النساء. ويُعدّ من العوامل الأساسية المساهمة في هذا الخلل استمرار الأطر القانونية والدينية في لبنان في ترجيح كفّة الرجال في قوانين وأنظمة الميراث.

سيأتي التغيير من القاعدة إلى الأعلى، حين ينال الناجون والناجيات الاعتراف والوكالة وتُتاح لهم مساحات آمنة لكسر الصمت والتنظيم، ومواجهة الأعراف الأبوية السائدة.

إلا أن المستقبل لا يخلو من الأمل. فتحوّل مواقف الأجيال الشابة يفتح الباب أمام التغيير، ويُعدّ توسيع فرص الوصول إلى التعليم مساراً واضحاً نحو مستقبل أكثر عدالة. ورغم أن الإطار القانوني في لبنان قد لا يعترف بالعنف الاقتصادي القائم على النوع الاجتماعي في المدى القريب، فإن الطريق ليس مسدوداً. إذ أثبتت منظمات المجتمع المدني أن هناك شبكة متماسكة وجاهزة للضغط من أجل الإصلاح. وسيأتي التغيير من القاعدة إلى الأعلى، حين ينال الناجون والناجيات الاعتراف والوكالة وتُتاح لهم مساحات آمنة لكسر الصمت والتنظيم، ومواجهة الأعراف الأبوية السائدة. إن نتائج هذا التقرير ترفع أي ذريعة للتقصير: فالأدلة جمعت على نطاق لبنان والأنماط بنيوية، ومسؤولية العمل على هذا الملف جماعية وملحّة.

المواضيع ذات الصلة