نساء في الواجهة لا في القرار: كيف تهمّش السلطة الانتقالية دور المرأة في سوريا

تساهم سياسات الحكومة الجديدة في ترسيخ بيئة تقصي النساء من الحياة السياسية والمدنية

بعد عام ونصف على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد، بات يتضح أنّ نحو نصف السكان (أي النساء) يُدفعن جماعياً خارج عملية رسم مستقبل البلاد. ولا يبدو هذا مجرّد سهو من حكومة أنهكتها متطلبات إعادة الإعمار، بل نمطاً ممتداً عبر التعيينات الرسمية وترخيص منظمات المجتمع المدني والآليات الانتخابية والتفاصيل اليومية للحياة العامة.

اكتسبت كثير من الناشطات النسويات شرعيتهن وخبرتهن خلال سنوات الحرب الأهلية مثل نظرائهن من الرجال. إذ تولّت النساء في مجالات الاستجابة الإنسانية والتنظيم المدني والهياكل المجتمعية أدواراً قيادية على نطاق لم تشهده البلاد من قبل. وكان التوقع بين الناشطات اللواتي أُجريت معهن مقابلات لهذه الورقة أن تترجم هذه التجربة إلى مشاركة فعلية في نظام ما بعد الأسد. إلا أنّ هذا الاحتمال يُغلق اليوم شيئاً فشيئاً.

وما يتشكل اليوم ليس استبعاداً للمرأة بالجملة، بل إدماج مشروط ومُدار و«زخرفي» في بعض الأحيان. لا تزال النساء حاضرات في الاجتماعات والهيئات الاستشارية والأدوار العامة شكلياً، إنما قدرتهن على التأثير في السياسات محدودة، فيما تواجه المجموعات المدنية التي تعمل على تعزيز مشاركة النساء عقبات مؤسسية متزايدة. أما خارج النطاق الرسمي تواجه النساء ضغوطاً اجتماعية أكثر وضوحاً للامتثال للمعايير الجندرية، وحصر أدوارهن في الحياة الأسرية، وكثيراً ما يتعرضن للتهديد أو العنف إذا حاولن تولّي أدوار عامة.

في معظم أنحاء سوريا، تُغلَّف منظومة الإقصاء هذه بغموض يتيح للحكومة إنكاره. وقد لخّص الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه، أواخر العام الماضي، مراوغة الحكومة في مقاربتها لقضية النساء: ففي 6 كانون الأول وخلال مقابلة في منتدى الدوحة، قال الشرع للحضور إن المرأة في المجتمع السوري «مُمكَّنة تلقائياً» في ظل حكمه. جاء ذلك بعد خمسة أيام فقط من تصريحه لوسائل إعلام سورية بأن المجتمع السوري أبوي و«ليس راغباً» بوجود نساء في البرلمان.

غير أنّ هذا الغموض يتبدّد عند النظر إلى إجراءات الحكومة في شمال شرق سوريا ذي الغالبية الكردية. فمع إعادة الحكومة المركزية فرض سلطتها هناك، أظهرت نيتها تفكيك الآليات التي كانت قد سهّلت تحقيق قدر من الإنصاف الجندري في الحكم المحلي.

ولفهم الديناميكيات التي تفرض القيود على مشاركة النساء في المرحلة الانتقالية، تحدثنا لـ 12 ناشطة نسوية من شمال شرق سوريا ودمشق وحمص واللاذقية وإدلب والشتات، بينهن أستاذات جامعيات وفاعلات على الأرض، وعاملات في المجتمع المدني والمنظمات غير الربحية، تحدثن جميعهن بشرط عدم الكشف عن هوياتهن لدواعٍ أمنية.

 

النشاط النسوي من عهد الأسد إلى الحرب الأهلية

على مدى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد خضع المجتمع المدني المستقل في سوريا لقيود مشددة، وغالباً ما جرى استيعابه ضمن هياكل خاضعة لسيطرة الدولة. فعلى سبيل المثال، احتكر القانون رقم 33 لعام 1975 العمل المدني عبر اتحادات مرتبطة بالدولة من بينها الاتحاد النسائي العام، تاركاً هامشاً ضيقاً جداً للتنظيم النسوي المستقل. وقد أثار ما عُرف بـ«ربيع دمشق» عام 2000 آمالاً عابرة بمزيد من الانفتاح، إذ تحرّكت منظمات عديدة وتقدّمت بطلبات للحصول على تراخيص، غير أنّ هذه الفسحة لم تدم طويلاً إذ عادت السلطات إلى فرض هيمنة الدولة على هذا المجال بحلول نهاية عام 2001. وبالنسبة إلى المجتمع المدني، كان الدرس واضحاً: لا يمكن للتنظيم المستقل أن يبقى إلا ضمن أشكال محدودة أو غير رسمية أو مسموح بها ضمناً.

سنوات الحرب، رغم عنفها الهائل، أتاحت لكثير من النساء اكتساب خبرات قيادية عبر هذه الشبكات وعززت لديهن التوقع بأنهن سيتمكنّ، في النهاية، من الإسهام في تشكيل مستقبل سوريا السياسي.

بعد انتفاضة 2011 وما أعقبها من حرب أهلية، طرأت تغيّرات كبيرة على هذا المشهد. فمع تآكل سلطة الدولة في أجزاء واسعة من البلاد، توسّع العمل النسوي المنظم عبر الشبكات الإنسانية ومبادرات التوثيق التي رصدت أثر النظام والحرب على النساء، والمجالس المحلية، وجهود المناصرة التي قادها سوريون وسوريات في الشتات. وبقي جزء كبير من هذا العمل غير رسمي أو سرياً لا سيما في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، لكنه أتاح للنساء اكتساب خبرة سياسية ومدنية على نطاق غير مسبوق. وشمل ذلك بناء نساء داخل البلاد وفي الشتات تحالفات سورية عابرة للمناطق والحدود، حول الإصلاح الدستوري، والعدالة الانتقالية والاستجابة الإنسانية والحوكمة المحلية. وأكدت النساء اللواتي تحدثت معهم على أنّ سنوات الحرب، رغم عنفها الهائل، أتاحت لكثير من النساء اكتساب خبرات قيادية عبر هذه الشبكات وعززت لديهن التوقع بأنهن سيتمكنّ، في النهاية، من الإسهام في تشكيل مستقبل سوريا السياسي.

ثم بحلول منتصف العقد الثاني من القرن الحالي، عزّز الانخراط الدولي هذه التوقعات. فمثلاً المسارات المرتبطة بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 لعام 2015 الذي رسم خارطة طريق للسلام في سوريا، وآليات مثل المجلس الاستشاري النسائي السوري الهيئة الأممية التي شُكّلت عام 2016، كلها كرّست فكرة أنّ للنساء دوراً ينبغي أن يؤدّينه في المفاوضات السياسية. غير أنّ هذه الهياكل بقيت إلى حد كبير استشارية ومنزوعة الصلاحيات، مانحةً النساء مشاركة شكلية. وكان المثال الأوضح على ذلك محادثات السلام في جنيف عام 2019 حين أُجبرت عضوات المجلس الاستشاري النسائي، حرفياً، على الانتظار في ردهة الفندق، فيما كان ممثلون عن أطراف عديدة، من بينها جماعات دينية متطرفة وميليشيات معارضة مسلحة ونظام الأسد، يجلسون في قاعة الاجتماعات محاولين التفاوض على إنهاء النزاع. وهكذا، كانت النساء حاضرات لكن منزوعات الفاعلية السياسية، في ظل فجوة واضحة بين مشاركتهن الظاهرية في صنع القرار السياسي وتأثيرهن الفعلي فيه. وكما وصفت إحدى الناشطات هذه الآليات والمسارات الرمزية، فقد بدت «مجرد قطعة تُعلَّق على الحائط».

 

الاستثناء الكردي

برزت المناطق الخاضعة للإدارة الكردية في شمال شرق سوريا خلال الحرب الأهلية كاستثناء عن بقية البلاد على صعيد حضور النساء. ويعود ذلك إلى تبنّي السلطات التي تقودها قوى كردية، صراحةً، مفهوم «جينولوجي» وهو إطار نسوي كردي يضع تحرّر النساء في صلب النضال الأوسع ضد القمع.

 

ومع أنّ النساء اللواتي تحدثنا إليهن أقررن بوجود قيود وتوترات داخلية في المناطق الخاضعة للإدارة الكردية، إلا أنهن وصفنها كواحدة من الأماكن القليلة في سوريا التي أصبحت فيها المشاركة السياسية للنساء مدمجة في بنية الحكم، لا فكرة لاحقة تُضاف إليها.

خلال عامي 2012 و2013، ومع ترسيخ السلطات التي تقودها قوى كردية سيطرتها بعد انسحاب قوات النظام، ظهرت هياكل حكم جديدة أدمجت النساء صراحةً في المنظومتين السياسية والإدارية. وفي ظل ما بات يُعرف باسم الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، أصبحت آليات مثل نظام الرئاسة المشتركة والمناصفة الإلزامية ومجالس النساء والمؤسسات النسائية المستقلة، مكوّنات رسمية في بنية الحكم. وشاركت النساء مباشرةً في المجالس المحلية والإصلاح القانوني والإدارة والنقاشات الدستورية. ومن بين السياسات التي ساعدن في صياغتها قانون المرأة في الإقليم لعام 2014 الهادف إلى ضمان المساواة الجندرية وتفكيك البنى الأبوية، إلى جانب إصلاحات في قانون الأسرة ورؤى دستورية لمستقبل سوريا. كما شكّلت النساء نحو 50% من لجنتي الصياغة الموسّعة والأساسية اللتين شاركتا في إعداد العقد الاجتماعي الرسمي للإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، الصادر عام 2023.

لكن نشوء هياكل عسكرية نسائية كان له دور أساسي أيضاً. إذ حظيت وحدات حماية المرأة التي تأسست عام 2013 باعتراف دولي لدورها العسكري في مواجهة داعش، وكرمز لمشاركة النساء السياسية واستقلاليتهن ضمن الحكم الكردي. وبالنسبة إلى كثير من المستجيبات، تتجاوز أهمية وحدات حماية المرأة البعد الأمني فهي تمثل نموذجاً مارست فيه النساء السلطة بصورة علنية ومؤسسية.

ومع أنّ النساء اللواتي تحدثنا إليهن أقررن بوجود قيود وتوترات داخلية في المناطق الخاضعة للإدارة الكردية، إلا أنهن وصفنها كواحدة من الأماكن القليلة في سوريا التي أصبحت فيها المشاركة السياسية للنساء مدمجة في بنية الحكم، لا فكرة لاحقة تُضاف إليها.

 

مشاركة دون تأثير

في كانون الأول 2024 فرّ الرئيس السوري بشار الأسد من دمشق مع اقتراب مقاتلين تابعين لجماعة هيئة تحرير الشام الإسلامية المعارضة من العاصمة، بقيادة أحمد الشرع الزعيم السابق لفرع تنظيم القاعدة في سوريا، والذي كان قد تبرأ في السنوات الأخيرة من مشاريع الجهاد العابرة للحدود. ثم في الأسابيع التي تلت سقوط نظام الأسد، ومع بدء الشرع وقادة هيئة تحرير الشام بتشكيل حكومة انتقالية، كانت تلك مرحلة اتسمت بـ «تفاؤل حقيقي لكن حذر» على حد تعبير من تحدثت معهنّ، بأن سنوات الحراك والتضحية وبناء التنظيمات قد تُترجم أخيراً إلى مشاركة فعلية للنساء في نظام ما بعد الأسد.

لكن هذه التوقعات انهارت اليوم إلى حد كبير، إذ تصف المستجيبات منظومة إقصاء تعمل على مستويين. على المستوى الرسمي، هناك الإجراءات التي اتخذتها الحكومة: التعيينات والتوجيهات والملاحقات وبنية النظام البرلماني الجديد. أما على المستوى غير الرسمي، فهناك ضغوط لم تعتمدها الحكومة رسمياً لكنها لم تكبحها: قواعد لباس مفروضة اجتماعياً، وحملات وعظ تقودها شبكات متحالفة معها، وجهاز أمني يحقق بصورة انتقائية في العنف ضد النساء. وتنتج هذه العوامل مجتمعةً بيئة يمكن فيها إغلاق المجال أمام مشاركة النساء من دون أن يضطر أحد إلى إعلان حظرها.

ومن بين الديناميكيات الموروثة عن النظام السابق التمثيل الرمزي للنساء، أي استخدام حضورهن دليلاً على التقدم، مع الحد من نطاق تأثيرهن. وتصف المستجيبات ذلك بأنه يخلق دوراً «زخرفياً» للنساء.

يتجلى المثال الأوضح على ذلك في مجلس الوزراء السوري. فقد عُيّنت هند قبوات، الأكاديمية المسيحية والشخصية المعارضة منذ زمن طويل، وزيرةً للشؤون الاجتماعية والعمل في آذار 2025، لتكون المرأة الوحيدة في حكومة من 23 عضواً. وفي مقابلة مع بي بي سي قالت إنها سألت الشرع في يومها الأول في المنصب عن سبب عدم وجود مزيد من النساء، فوعدها بأن مزيداً منهن سيأتين لاحقاً. وبعد عام ونصف، لا تزال المرأة الوحيدة. وقد شهد التعديل الحكومي في 9 أيار من هذا العام استبدال أربعة وزراء وأربعة محافظين، من دون إضافة أي امرأة، ومع إبعاد الوزير الدرزي الوحيد. أما الحقائب الأكثر نفوذاً، الداخلية والخارجية والعدل والدفاع، فلا تزال في أيدي رجال من الدائرة الداخلية لهيئة تحرير الشام المحيطة بالشرع. وبغض النظر عن المصداقية الفردية لقبوات، فإن وجود امرأة واحدة في وزارة غير سيادية يسهل تقديمه دليلاً على مشاركة المرأة – دون الاضطرار إلى توزيع السلطة.

ثم تكررت هذه الديناميكية في البنك المركزي السوري حين عُيّنت ميساء صابرين حاكمةً للمصرف في أواخر كانون الأول 2024، لتصبح أول امرأة تتولى قيادة بنك مركزي في العالم العربي، قبل أن تستقيل بعد ثلاثة أشهر فقط. ويروي البرلمان القصة نفسها على المستوى التشريعي. فمن أصل 119 مقعداً شُغلت في الانتخابات غير المباشرة التي جرت في 5 تشرين الأول 2025 فازت النساء بستة مقاعد فقط، وهي نسبة أدنى مما كانت عليه في عهد نظام الأسد. والأهم أنّ 6,000  فقطع فُرزت عبر هيئة ناخبة عُيّن أعضاؤها من خلال عملية لجان أشرف عليها الشرع.

ومن بين النساء القليلات الأخريات اللواتي عُيّنّ في مناصب حكومية بارزة، بدت جهود لتضييق هامش المشاركة الاجتماعية والسياسية لباقي النساء بدلاً من توسيعه. مثلاً صرحت رئيسة مكتب شؤون المرأة المُنشأ حديثاً عائشة الدبس في مقابلة إنها ستبني نموذجاً للمرأة السورية متجذراً في الشريعة الإسلامية، وإن مسؤوليات النساء الأساسية هي تجاه «أسرهن وأزواجهن» وإنها لن تفسح المجال لمن يختلفون معها أيديولوجياً.

 

قيود على المجتمع المدني

دفع انهيار نظام الأسد الكثير من فاعلي المجتمع المدني السوري في الخارج إلى العودة إلى سوريا، فيما خرج آخرون – ممن كانوا يعملون سراً داخل البلاد – من العمل الخفي إلى العلن. أُنشأت منتديات عامة لمناقشة مستقبل سوريا، وعمل كثير من الناشطين والناشطات على مأسسة شبكات كانت حتى ذلك الحين غير رسمية. وفي أواخر كانون الأول 2024 قدّمت 44 منظمة في المجتمع المدني السوري مذكرة دعت فيها إلى انتقال شامل وديمقراطي في سوريا.

كان ردّ الدولة على امرأة تحدثت علناً عن العنف ضد نساء أخريات هو إغلاق منظمتها وملاحقتها، لا ملاحقة الذين هدّدوها.

غير أنّ إحدى المواضيع الأساسية التي شددت عليها النساء اللواتي تحدثت إليهنّ أنّ هذا الظهور الجديد للمجتمع المدني تحول إلى مصدر هشاشة. فبعد سقوط النظام أصبحت شبكات الناشطين والناشطات أكثر علنيةً وأكثر مركزيةً، وأسهل وصولاً بالنسبة إلى السلطات التي بدأت لاحقاً بفرض رقابة إدارية أكثر تشدداً وأنظمة ترخيص مؤقتة وموافقات مسبقة على الفعاليات والتدقيق في المتحدثين والبرامج، بما خلق حالة من الشك فيما يمكن أن يُسمح به من نشاط مدني لاحقاً.

وفي المقابلات وصفت الناشطات النسويات سياسة غير رسمية نادراً ما تُقنَّن فيها القيود المؤسسية، لكنها تُلمَس وتُفرَض باستمرار. ومن أكثر الآليات التي أشرن إليها تكراراً آلية الموافقة الانتقائية. فتراخيص الفعاليات والمنظمات والمنصات تُمنح بصورة غير متسقة، وغالباً ما تتأخر أو تُحجب من دون تفسير. كما تتسم الإجراءات بالمركزية والغموض بما يترك هامشاً ضيقاً للطعن في القرارات. وتُنقل التعليمات عبر رسائل مكتوبة بخط اليد بدلاً من النشر بمعايير، فيما تحدث بعضهن عن زيارات مفاجئة من السلطات لمواقع العمل دون توضيح سبب أو معايير للتقييم. وهذا الطابع العشوائي والاعتباطي لما يمكن أن يستدعي عقوبة رسمية قد يدفع في النهاية إلى الرقابة الذاتية.

كما ان الوزيرة الوحيدة في الحكومة شاركت بنفسها في تضييق مساحة المجتمع المدني. في 1 تشرين الأول 2025 أصدرت هند قبوات تعميماً إلى مديريات الشؤون الاجتماعية والعمل في المحافظات استندت فيه إلى القانون رقم 93 لعام 1958، وهو قانون الجمعيات العائد إلى الحقبة البعثية والذي استُخدم لعقود لقمع العمل المدني المستقل. ألزم هذا التعميم المنظمات غير الحكومية بالحصول على موافقة حكومية قبل تلقي تمويل أجنبي أو الانضمام إلى هيئات دولية. وقد وقّعت 31 منظمة سورية غير حكومية من بينها «نساء الآن» و«حقوقيات» و«بدائل» بياناً مشتركاً اعترضت فيه على التعميم، معتبرةً أنه تفعيل لأداة صُممت أصلاً للسيطرة على المجتمع المدني.

وهذا الفرض للقيود على منظمات المجتمع المدني لم يتزامن مع توفير حماية مقابلة لها. اتضح ذلك في نيسان 2025 حين دعت هبة عز الدين الحجي، رئيسة منظمة «عدل وتمكين» وهي منظمة معنية بحقوق النساء في إدلب، في منشور على فيسبوك إلى مناهضة الزواج القسري والتحقيق في عمليات خطف نساء علويات. وأثار ذلك حملة كراهية إلكترونية اتهمتها بأنها عميلة للأسد وبأنها تفبرك تقارير عن «سوق للعبيد» في إدلب. وخلال 48 ساعة أغلقت شرطة إدلب مركز منظمتها، وأعلن محافظ إدلب أنه طلب من النيابة العامة رفع دعوى ضدها بتهمة «إهانة الحجاب». في المقابل لم يُفتح أي تحقيق في التهديدات الإلكترونية التي تعرضت لها.

وكانت قضية الحجي ذات دلالات عن تداخل المستويين الرسمي وغير الرسمي في منظومة الإقصاء وتعزيزهما بعضهما بعضاً: فكان ردّ الدولة على امرأة تحدثت علناً عن العنف ضد نساء أخريات هو إغلاق منظمتها وملاحقتها، لا ملاحقة الذين هدّدوها.

 

ما وراء الرسمي: منظومة الإقصاء الأوسع

ما يتبلور تحت مستوى السياسات الرسمية بيئة يطبعها الغموض تتوزع فيها القيود المفروضة على حياة النساء بين السلطات المحلية والشبكات غير الرسمية المتحالفة معها ورؤساء وزارات بعينهم، وجهاز أمني يحقق انتقائياً في بعض القضايا ويتجاهل أخرى. فالقواعد غير واضحة وتطبيقها متفاوت، وعلى النساء باستمرار أن يقيّمن ما قد يكون مقبولاً أو غير مقبول.

فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة النقل العام في دمشق في كانون الثاني 2025 تخصيص حافلات منفصلة للنساء والرجال بعد برامج تجريبية في إدلب وحلب وحماة وحمص. كما استحدث مستشفى في دمشق مساحات عمل منفصلة بحسب الجنس، قبل أن يتراجع عن القرار بعد اعتراضات عامة. ووردت تقارير تفيد بأن موظفات في وزارة التربية في دمشق وفي محكمة في حمص أُلزمن بارتداء غطاء الرأس. كما أفادت قاضية بأن مسؤولين في المحاكم فرضوا الفصل بين القضاة والقاضيات، وخفّضوا رتب نساء كنّ يشغلن مناصب عليا. وأشارت المستجيبات أيضاً إلى قيود على مستوى أماكن العمل، مثل حظر استخدام مساحيق التجميل، إلى جانب توقعات أوسع تتعلق باللباس والسلوك، تُبلَّغ بصورة غير رسمية لكنها تُفهم من قبل الكثيرين بكونها مُلزِمة. ويمكن نسب كل من هذه الإجراءات إلى مؤسسة فردية لا إلى سياسة حكومية واضحة، حتى وإن كان الموظفون الذين ينفذونها ينتمون إلى الشبكات نفسها التي تمدّ الحكومة بكوادرها.

يبدو رد الدولة متسقاً في هذه الحالات: التردّد حين تكون الضحايا نساء من الأقليات، وسرعة الردّ حين تكون المتحدثات نساءً يصفن ما وقع لهن.

بالتوازي نفذت شبكات متحالفة أيديولوجياً مع هيئة تحرير الشام (دون أن تكون جزءاً من الحكومة رسمياً) ما تصفه بـ «حملات دعوية». ففي كانون الثاني 2025 نفذت نساء من إدلب حملات في دمشق وحمص وحماة واللاذقية، وزّعن خلالها لباساً سلفياً وحاولن إقناع النساء بارتداء النقاب. وثّق هذه الحملات وروّج لها رجال دين متحالفون مع هيئة تحرير الشام، علماً أنّ منصة «تحقّق» السورية لتدقيق المعلومات أفادت بأن وزارة الأوقاف أقرّت بأن هذه المجموعات تعمل تحت إشرافها.

وتحكم البنية غير المباشرة نفسها الاستجابة للعنف ضد النساء. فبين شباط وحزيران 2025 اختُطفت ما لا يقل عن 36 امرأةعلوية في محافظات الساحل السوري وأُجبرت بعضهن على الزواج واحتُجزت أخريات طلباً للفدية. وفي جميع الحالات تقريباً تقاعست الشرطة والمسؤولون الأمنيون عن التحقيق، بل ألقوا باللوم أحياناً على العائلات أو تجاهلوا أدلة ملموسة أو سخروا ممن حاولوا متابعة القضايا. وقال خبراء أمميون في تموز إن عدداً من الحالات تورطت فيه جهات أمنية أو أفراد مرتبطون بالحكومة الانتقالية نفسها. وخلص تحقيق حكومي أُعلن في تشرين الثاني إلى أنه لم تقع سوى حالة خطف حقيقية واحدة، وأن بقية الحالات تعود إلى نساء غادرن منازلهن طوعاً أو هربن من العنف الأسري. وقد رفضت منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة والمجتمع المدني السوري هذا التحقيق. وفي تموز أيضاً اختطفت جماعات مسلحة مرتبطة بالحكومة ما لا يقل عن 105 امرأة وفتاة درزيات خلال أعمال العنف في السويداء. ثم لاحقت السلطات الصحافية نور سليمان على خلفية تعليقات نشرتها على الإنترنت بشأن عمليات الخطف، متهمةً إياها بنشر أخبار كاذبة. ويبدو رد الدولة متسقاً في هذه الحالات: التردّد حين تكون الضحايا نساء من الأقليات، وسرعة الردّ حين تكون المتحدثات نساءً يصفن ما وقع لهن. وفتاة علوية في محافظات الساحل السوري وأُجبرت بعضهن على الزواج واحتُجزت أخريات طلباً للفدية. وفي جميع الحالات تقريباً تقاعست الشرطة والمسؤولون الأمنيون عن التحقيق، بل ألقوا باللوم أحياناً على العائلات أو تجاهلوا أدلة ملموسة أو سخروا ممن حاولوا متابعة القضايا. وقال خبراء أمميون في تموز إن عدداً من الحالات تورطت فيه جهات أمنية أو أفراد مرتبطون بالحكومة الانتقالية نفسها. وخلص تحقيق حكومي أُعلن في تشرين الثاني إلى أنه لم تقع سوى حالة خطف حقيقية واحدة، وأن بقية الحالات تعود إلى نساء غادرن منازلهن طوعاً أو هربن من العنف الأسري. وقد رفضت منظمة العفو الدولية والأمم المتحدة والمجتمع المدني السوري هذا التحقيق. وفي تموز أيضاً اختطفت جماعات مسلحة مرتبطة بالحكومة ما لا يقل عن 105 امرأة وفتاة درزيات خلال أعمال العنف في السويداء. ثم لاحقت السلطات الصحافية نور سليمان على خلفية تعليقات نشرتها على الإنترنت بشأن عمليات الخطف، متهمةً إياها بنشر أخبار كاذبة. ويبدو رد الدولة متسقاً في هذه الحالات: التردّد حين تكون الضحايا نساء من الأقليات، وسرعة الردّ حين تكون المتحدثات نساءً يصفن ما وقع لهن.

بالنسبة إلى الناشطات النسويات، يتمثل الأثر التراكمي لذلك في حساب كلفة الانخراط العلني اليوم. فقد وصفت المستجيبات حملات مضايقة وتهديدات بالقتل وحملات تشهير تُنسب إلى أفراد مجهولين وجماعات مسلحة وشبكات إلكترونية تعمل كلها في ظل «غضّ نظر رسمي» بشكل ضمني.

أغلقت بعض منظمات أبوابها إثر تلقي تهديدات، فيما انسحب أعضاء فيها من الحياة العامة أو غادروا البلاد. وما هو في طور التشكل اليوم، على حد تعبير إحدى الناشطات، هو صيغة جديدة من «نمط البقاء» في مرحلة ما بعد الحرب، حيث تُعطى السلامة الفورية أولوية على الانخراط السياسي الأوسع، وتتشكل قرارات المشاركة بفعل الاعتبارات الأمنية الجسدية بقدر ما تتشكل بفعل المبدأ.

على سبيل المثال، حين زار وفد من مجلس الأمن الدولي دمشق في كانون الأول 2025، اقتصرت المشاركة على مجموعة ضيقة من فاعلي المجتمع المدني الذين استطاعوا الوصول إلى العاصمة بأمان، بما استبعد كثيرين من الأكثر نشاطاً في العمل النسوي، وأنتج صورة عن المشهد لا تمثل واقعه.

 

النموذج الكردي لمشاركة المرأة مهدد بالزوال

بينما يحجب الغموض والإنكار مسؤولية الحكومة الانتقالية عن رعاية بيئة إقصائية للنساء في معظم أنحاء سوريا، تبدو نوايا دمشق في المناطق الكردية أكثر وضوحاً وتعمدّاً. فمع توسّع سلطة الحكومة المركزية هذا العام إلى مناطق خاضعة للإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا، تصف المستجيبات الكرديات حملة منسقة لتفكيك الآليات التي كانت قد عززت الإنصاف الجندري. ويشرن إلى مركزة الحكم وسلطة الترخيص عبر وزارات مقرها دمشق، وفرض عوائق إدارية جديدة أمام المنظمات التي كانت تعمل سابقاً من خلال الأنظمة المحلية، والضغط لحصر العمل المدني في أنشطة ثقافية أو تنموية مقبولة، وتراجع قدرة المؤسسات التي تقودها قوى كردية على التأثير في المسارات السياسية على المستوى الوطني. كما يشرن إلى استبعاد وحدات حماية المرأة من الاندماج في الهياكل العسكرية الوطنية، وإلى تصاعد الضغوط باتجاه معايير جندرية أكثر محافظة اجتماعياً.

تحمل قضية وحدات حماية المرأة ثقلاً رمزياً خاصاً. فقد فهمت المستجيبات استبعادها من الاندماج في الجيش الوطني لا كقرار أمني بل كموقف يحدد أي أشكال سلطة النساء تُعد مقبولة سياسياً. تعزز هذا التصور بعد استمرار حضور فاعلين مرتبطين بالعنف ضد القيادات النسائية الكردية، بما في ذلك قضية اغتيال هفرين خلف وما تبعها من ترقية شخصيات مرتبطة بالجماعة المسلحة المسؤولة عن الاغتيال. وبالنسبة إلى كثير من الناشطات، لا يشير ذلك إلى الإقصاء فقط بل إلى الإفلات من العقاب أيضاً.

أما الخوف الأوسع بين المستجيبات فهو يتمثل في أن تصبح مشاركة النساء أكثر محدودية وأن يُفكَّك النموذج المؤسسي لمشاركة المرأة الذي طوّرته الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا خلال سنوات الحرب الأهلية، في ظل إطار سياسي أكثر مركزية ومحافظة أيديولوجياً. والأهم أنّ المستجيبات لا يصفن ذلك بوصفه انهياراً كاملاً. فالنساء يواصلن التنظيم وبناء الشبكات ومحاولة الحفاظ على المكاسب القائمة. لكن كثيرات يصفن المرحلة الحالية بأنها مرحلة دفاع وحفاظ على الموجود لا مرحلة توسع، أي انتقال من بناء أنظمة جديدة إلى محاولة منع تفكيك الأنظمة القائمة.

وفي حين يُخفى إغلاق المجال أمام مشاركة النساء في معظم أنحاء سوريا داخل غموض تستطيع الحكومة إنكاره على نحو مقنع، فإنه يبدو مرئياً في المناطق الكردية لأن هناك مؤسسات قائمة يجري تفكيكها. أما القاسم المشترك في سوريا كلها، فهو مسار انتقالي يضيّق مفهوم من يُعد فاعلاً سياسياً ومن يمكن أن يكون له صوت فاعل في صياغة مستقبل البلاد.

المواضيع ذات الصلة