القدرة مقابل المصداقية: أوراق قوة لبنان في المفاوضات مع إسرائيل

يرى كثيرون أن الحكومة اللبنانية لا تملك ما تفاوض عليه، لكن أوراق القوة لا تُختزل في القوة العسكرية وحدها.
  • بينما استضاف دونالد ترامب السفيرين اللبناني والإسرائيلي في البيت الأبيض الأسبوع الماضي، استمرّت المفاوضات المباشرة بين البلدين في التقدّم وإن في ظل مشهد داخلي منقسم. سارع حزب الله والقوى المتحالفة معه، إلى جانب عدد من المراقبين، إلى رفض هذه المحادثات واعتبارها عبثية، انطلاقاً من أن الدولة اللبنانية تفتقر إلى أي نفوذ فعلي وتتفاوض من موقع ضعف ولا تملك سوى تقديم التنازلات. غير أنّ هذا التصوّر الاختزالي يُخطئ في فهم كيفية تشكّل القوة التفاوضية.
التحدّي أمام الدولة هو ما إذا كانت قادرة على توظيف أوراقها بشكل استراتيجي بدل الانزلاق إلى دبلوماسية قصيرة النفس ومحكومة بإدارة الأزمات، وهو نمط لطالما أضعف موقعها التفاوضي في السابق.

لا خلاف على أنّ حزب الله – وليس الدولة – هو من يمتلك القسط الأكبر مما يمكن تسميته «ورقة القوة»، أي القدرة على توظيف القوة المسلحة والضغط المادي للتأثير في مجرى المفاوضات. إلا أنّ القوة العسكرية التي تفرض وقائع على الأرض ليست الورقة الوحيدة في هذا المجال.

ففي مقابل محدودية القدرة العسكرية، تمتلك الحكومة اللبنانية شكلاً مختلفاً من التأثير أي «ورقة المصداقية» المستندة إلى الشرعية الدولية ورصيد الثقة السياسية والالتزام الفعلي بمسار التفاوض. والتحدّي أمام الدولة هو ما إذا كانت قادرة على توظيف نفوذها بشكل استراتيجي بدلاً من اللجوء إلى دبلوماسية قصيرة النفس بحكم «إدارة الأزمة» وهو نمط لطالما أضعف موقعها التفاوضي في السابق.

 

رصيد لبنان من المصداقية

يدخل المفاوضون اللبنانيون هذه المحادثات بجملة من عناصر المصداقية التي يمكن، ما إذا أُحسن توظيفها، أن تساهم في تضييق فجوة القدرات. أولاً، فقد راكم كلّ من الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام رصيداً سياسياً ونية لترسيخ سلطة الدولة على السلاح واتخاذ خطوات ملموسة في هذا الاتجاه. أقرّت واشنطن بهذه الجهود رغم استمرارها في دعم «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها» ومواصلة الضغط على الدولة اللبنانية لتفكيك البنية العسكرية لحزب الله.

في المقابل، لا شك في أن استمرار قدرة حزب الله على إعادة تموضع قواته في الجنوب ومواصلة إنتاج الأسلحة والطائرات المسيّرة محلياً، والاستمرار في استهداف مواقع إسرائيلية، كلها تكشف حدود سيطرة الدولة كما تعكس الفجوة بين التوجّه السياسي والواقع العملياتي. غير أن هذه الوقائع لا تنفي النية المعلنة للدولة. فحتى وإن بقيت هذه الجهود غير مكتملة، فإن سعي الحكومة المتواصل إلى حصر السلاح بيد الدولة يشكّل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لتعزيز مصداقية لبنان.

ثانياً، لا يقل أهمية عن ذلك النأي السياسي المتسق للحكومة عن العمل العسكري. إذ يشكّل رفض الإدارة الحالية الاصطفاف مع الأنشطة المسلحة لحزب الله المدعومة من إيران خروجاً واضحاً ومبدئياً عن أنماط سابقة. كما أن القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء منذ التصعيد الأخير، بما في ذلك الحظر الرسمي للجناح العسكري لحزب الله، تنسجم مع مراسيم سابقة كلّفت الجيش بنزع سلاح الجهات غير الحكومية، وأقرّت أهداف خارطة طريق لنزع السلاح مدعومة من الولايات المتحدة. هذا الثبات في الموقف، إلى جانب الموقف الضمني الداعم من رئيس مجلس النواب نبيه بري، يعزّز من مصداقية القيادة السياسية في لبنان.

إن رفض حزب الله التخلي عن سلاحه يشكّل قيداً واضحاً لعملية التفاوض، وفي حال استمر الاحتلال الإسرائيلي سيبقى الحزب محتفظاً بالمبررات والحوافز للإبقاء عليه، لا سيما في نظر بيئته الاجتماعية.

ثالثاً، يمتلك لبنان قدراً غير مستثمر من المصداقية يتمثّل في منظومة القانون الدولي ومجموعة الاتفاقيات التي تُقرّ بحقوقه السيادية على كامل أراضيه. يتموضع المفاوضون اللبنانيون اليوم بشكل يسمح لهم بالاستناد إلى هذه الأطر كأرضية قانونية دنيا لا ينبغي لأي اتفاق أن ينحدر دونها. وعليهم التشديد على أن أي اتفاق يجب أن يعيد التأكيد صراحةً على سيادة لبنان وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1701 وترسيم الخط الأزرق عام 2000 واتفاقية الهدنة لعام 1949 واتفاقية ترسيم الحدود البحرية لعام 2022.

وحتى إن كانت تل أبيب وواشنطن لا تتعاملان مع هذه الأطر بوصفها مرجعيات ملزمة، على لبنان أن يرفض بوضوح وعلانية أي محاولات لتحويلها من ثوابت إلى متغيرات.

رابعاً، يمكن للبنان أن يقدّم طرحاً مقنعاً بالاستناد إلى الوقائع الميدانية، مفاده أن نزع السلاح لن يتحقق عبر العمليات العسكرية. فإن رفض حزب الله التخلي عن سلاحه يشكّل قيداً واضحاً لعملية التفاوض، وفي حال استمر الاحتلال الإسرائيلي سيبقى الحزب محتفظاً بالمبررات والحوافز للإبقاء عليه، لا سيما في نظر بيئته الاجتماعية. تتفاقم هذه الدينامية بفعل القيود البنيوية التي تواجه الدولة، إذ يفتقر الجيش اللبناني حالياً إلى القدرة العملياتية اللازمة للانتشار الفعّال في الجنوب وتفكيك شبكات تهريب السلاح وبنى تخزينه. كما يتعذّر عليه تطوير هذه القدرات في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي التي عليه تأمينها.

تشير هذه المعطيات إلى خلاصة يصعب تجاهلها: إن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يخاطر بالنتيجة التي تدّعي جميع الأطراف السعي إلى تفاديها. فاستمرار غياب سلطة الدولة في الجنوب لن يؤدي إلا إلى تعزيز قبضة حزب الله. في حين تتجه المجتمعات المحلية بحكم الواقع نحو مصدر الحماية الوحيد المتاح. في هذا السياق لا يُضعف الاحتلال حزب الله بل يكرّس حضوره. وعليه فإن إحراز تقدّم فعلي في مسار نزع السلاح يبقى مرتبطاً بشكل وثيق بانسحاب إسرائيل واستعادة لبنان الكاملة لسيادته على أراضيه.

أخيراً، تمتلك الدولة اللبنانية ورقة قوة تجعلها طرفاً لا غنى عنه في أي اتفاق مستدام. فهي الجهة الوحيدة القادرة على الانخراط مع حزب الله سياسياً وعلى التأثير في الشروط التي قد تجعل نزع السلاح ممكناً. فإن دفع الحزب نحو الخروج من معادلة التسلّح الدائم يتطلب انخراطاً سياسياً طويل النفس وعالي الكلفة والتعقيد. وفريق التفاوض اللبناني في موقع فريد لطرح هذا المسار، بالنظر إلى أن حزب الله جزء من البنية السياسية للدولة، وكذلك إلى مصلحته في مواكبة العملية التفاوضية، وإن كان خارج الحيّز العلني. هذا الواقع، إلى جانب الحوار السياسي الداخلي، يشكّل رصيداً يمكن أن يساهم في تضييق فجوة القدرات لدى الدولة مع تقدّم المفاوضات.

 

نزع السلاح كمسار تفاوضي

مع تصاعد الضغوط الأميركية والإسرائيلية لنزع سلاح حزب الله، تتيح الوقائع الراهنة لفريق التفاوض اللبناني أرضية قوية لمواجهة المطالب غير الواقعية التي تطرحها واشنطن وتل أبيب في هذا السياق. ونظراً لمحدودية قدرة الدولة، وكذلك لغياب الإرادة لفرض نزع السلاح بالقوة، فإن أي مسار مستدام يتطلب مقاربة مختلفة جذرياً. ويجب أن يقوم أي إطار قابل للتطبيق على تسلسل مدروس بعناية لعمليات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج (DDR) بما يعالج الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والأمنية للمقاتلين ومجتمعاتهم.

لا يدخل لبنان هذه المفاوضات دون أوراق، بل يحمل أوراقاً قد تكون أهم من قدراته العسكرية: أي مصداقية حكومة اختارت الشرعية المؤسسية على الاصطفاف مع جهات مسلحة خارج نطاق الدولة.

يمكن للمفاوضين اللبنانيين الاستناد إلى تجارب مقارنة من أيرلندا الشمالية إلى سيراليون، للتأكيد أن مسارات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج أكثر فاعلية من المقاربات الأمنية القسرية. ففي معظم الحالات، لا يكون التقدّم فورياً بل يتراكم على مدى سنوات، يكون فيها نزع السلاح مرحلة نهائية أو شبه نهائية. يكتسب هذا التسلسل أهمية خاصة في الحالة اللبنانية، حيث تصاعد الاستقطاب والتوتر الطائفي يجعلان إعادة الإدماج الاقتصادي والاجتماعي لمقاتلي حزب الله شرطاً مسبقاً لأي تخلي فعلي عن السلاح.

وبالتوازي فإن الإصلاح الفعلي للقطاع الأمني شرط أساسي لدمج المقاتلين ضمن مؤسسات الدولة وبناء أجهزة قادرة على فرض الاستقرار على امتداد الأراضي اللبنانية.

 

من إدارة الأزمات إلى استراتيجية متماسكة

بالتالي فإن لبنان لا يدخل هذه المفاوضات دون أوراق، بل يحمل أوراقاً قد تكون أهم من قدراته العسكرية: أي مصداقية حكومة اختارت الشرعية المؤسسية على الاصطفاف مع جهات مسلحة خارج نطاق الدولة. ولتحويل هذا الرصيد إلى نتائج سياسية مستدامة، على الفريق اللبناني الانتقال من دبلوماسية ردّات الفعل إلى استراتيجية متماسكة تنظر إلى المفاوضات لا كغاية بحد ذاتها، بل كجزء من مسار أوسع نحو نظام أمني سيادي ومستدام.

وفي غياب هذا الانتقال من دبلوماسية ردّ الفعل إلى استراتيجية متماسكة، يخاطر لبنان بتبديد رصيد المصداقية الذي تستند إليه قوته التفاوضية بما قد يفضي إلى تكريس سردية حزب الله بأن الدبلوماسية «عبثية» وأن على لبنان ترك «الكلام للميدان».

نسيم أبي غانم أستاذ مساعد في العلاقات الدولية وبناء السلام في كلية بارد في برلين

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسة البديلة أو فريق التحرير.

المواضيع ذات الصلة