يتوجه قادة السلطة السياسية اللبنانية إلى واشنطن لخوض أول مفاوضات مباشرة مع إسرائيل منذ أكثر من 30 عاماً، في محاولة لاستعادة السيادة بشروط شبه مستحيلة. فبموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُقرّ الأسبوع الماضي بين لبنان وإسرائيل ووزارة الخارجية الأميركية، على لبنان أن «يثبت فعلياً قدرته على بسط سيادته» كشرط لتمديد وقف الأعمال العدائية. أما إسرائيل فتحتفظ من جهتها بحق اتخاذ «جميع التدابير اللازمة دفاعاً عن النفس في أي وقت»، وتُبقي قواتها منتشرة على الأراضي اللبنانية، وتعلن بوضوح أنها لن تغادر.

هذا هو الإطار الذي يُراد للسيادة اللبنانية أن تُمارَس من خلاله اليوم. المطلوب من بيروت أن تتحرك ضد سلاح حزب الله بينما تحتفظ إسرائيل بحرّية عسكرية شبه مطلقة داخل الأراضي اللبنانية، دون أي مسار جدّي لردعها.
من منظور واشنطن يبدو هذا المنطق مفهوماً. فإن حزب الله أضعف وإيران تحت الضغط ودمشق متجاوبة، والحكومة في بيروت لم تكن يوماً أكثر استعداداً للانصياع للمطالب الأميركية. قد يبدو المشهد من البيت الأبيض كأنه لحظة تقاطع: لحظة يُفترض فيها أن منح إسرائيل هامشاً عسكرياً لاحتلال الأرض وتهجير المجتمعات الجنوبية والتلويح بالضم سيُنتج دولة لبنانية يستطيع الأميركيون تشكيلها. لكن حكومة سهلة الانصياع لإملاءات الخارج ليست بالضرورة الأقدر على الحكم.
حزب الله والدولة وحدود القوة
لا يمكن لأي طرح جاد لفكرة الدولة في لبنان أن يتجاوز ما قام به حزب الله إذ قوّض، أكثر من أي فاعل لبناني آخر، احتكار الدولة لاستخدام القوة. فقد بنى وكرّس بنية عسكرية خارج الأطر الرسمية، واحتفظ لنفسه بحق تقرير الحرب والسلم وعطّل قرارات حكومية، وأقصى العديد من خصومه الداخليين بالقوة أو بالتهديد. وكانت النتيجة نظاماً هجيناً تتوافر فيه السيادة قانوناً من دون أن تتحقق بالكامل في الممارسة.
ومع ذلك، فإن الاعتقاد بإمكانية تصحيح هذا الخلل عبر القوة الخارجية ليس جديداً. ففي عام 1982 غزت إسرائيل لبنان لطرد منظمة التحرير الفلسطينية. وقد نجحت في إخراج قيادة المنظمة من بيروت لكنها لم تُفضِ إلى قيام حكومة لبنانية مستقرة أو إلى تسوية تتماشى مع التفضيلات الإسرائيلية. بل دخلت الحرب الأهلية مرحلة جديدة، وربما أكثر عنفاً، تجسّدت في احتلال إسرائيلي استمر حتى عام 2000. وقد شكّل هذا الاحتلال أحد الشروط الأساسية التي نشأ فيها حزب الله وترسّخ واكتسب الشرعية التي يستند إليها اليوم. فإن قوة العنف أعادت مراراً تشكيل موازين القوى على المدى القصير، لكنها ساهمت أيضاً في إنتاج البيئة الاجتماعية والسياسية التي تنبثق منها شرعيات مسلّحة جديدة.
وقد عرف لبنان هذا المسار طوال تاريخه الحديث. فكلما تراجع نفوذ راعٍ خارجي تقدّم آخر لملء الفراغ، مدّعياً الدفاع عن السيادة اللبنانية ووفق شروطه. وما يجري اليوم يندرج ضمن هذا النمط. فمع تراجع نفوذ حزب الله وإيران في بيروت بعد عقدين من الهيمنة، تتحرك واشنطن وإسرائيل لترسيخ هيمنة جديدة. وهكذا، تُستدعى لغة السيادة مرة أخرى لتؤدي وظيفةً لا تعبّر عنها السيادة فعلياً في مضمونها.
قيادة بلا أوراق ضغط
إن حكومة رئيس الوزراء نواف سلام ورئيس الجمهورية جوزاف عون، والتي تشكّلت بدعم أميركي سعودي عقب انتهاء حرب 2024 مع إسرائيل، هي أول حكومة وحدة وطنية تضمّ حزب الله وحلفاءه وفي الوقت نفسه تُعلن بوضوح التزامها بحصر القوة العسكرية بيد الدولة.
بدأ الجيش اللبناني تفكيك بنى حزب الله جنوب نهر الليطاني قبل تجدّد المواجهات الشهر الماضي. ومنذ ذلك الحين أقدمت الحكومة على حظر الجناح العسكري للحزب وطرد السفير الإيراني، وتكليف الأجهزة المختصة بتحديد هوية عناصر الحرس الثوري الإيراني واعتقالهم وترحيلهم.
كان بعض هذه الخطوات ذا طابع استعراضي وبعضها فعلي، لكنّها جميعاً بقيت مقيّدة بواقع تمتلك فيه الدولة اللبنانية هامشاً محدوداً جداً من النفوذ داخلياً وخارجياً. ومع ذلك واصل سلام وعون المحاولة.
التقاطع القائم حالياً مع المصالح الأميركية والإسرائيلية هو تقاطع مؤقّت، وسيتفكك فور انتقال النقاش من سلاح حزب الله إلى مسألة الوجود العسكري الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية.
لا يمكن تفكيك معادلة الردع القائمة في لبنان عسكرياً قبل إيجاد بديل سياسي لها. فترسانة حزب الله ليست مجرد واقع عسكري بل هي أيضاً التعبير الصلب عن مطلب سياسي مفاده أن الدولة اللبنانية، بصيغتها الحالية، غير قادرة على توفير حماية موثوقة لأجزاء من سكانها في مواجهة إسرائيل، ما يستدعي بنية ردع بديلة. ويمكن رفض هذا الادعاء مع الإقرار بوزنه.
وإذا كان الهدف نزع سلاح حزب الله بصورة مستدامة، فإن لبنان يحتاج إلى بديل ذي مصداقية للوظائف التي اضطلع بها الحزب: الردع العسكري والتمثيل السياسي والحماية الاجتماعية، وتحمّل كلفة المواجهة مع إسرائيل. وفي غياب هذا البديل، لن يحسم الضغط العسكري أو الاحتلال أو انتهاكات القانون الدولي هذه المسألة بل سيعيد طرحها بصيغة أكثر حدّة.
ما الذي تتطلبه تسوية مستدامة؟
إن المسار السياسي التدريجي ليس ترفاً ولا مناورة لكسب الوقت، بل هو الطريق الوحيد القادر على تحقيق النتيجة التي تسعى إليها واشنطن حسب تعبيرها. يبدأ هذا المسار بمبدأ المعاملة بالمثل. فلا يمكن توقّع أن يُقدِم لبنان على خطوات في أكثر ملفاته الداخلية حساسية، فيما تحتفظ إسرائيل بحرية عسكرية مفتوحة داخل أراضيه. وإذا كان مطلوباً من مجتمعات الجنوب والبقاع الشرقي أن تلمس تبدّلاً في طبيعة التهديد، فلا بدّ أن يعني ذلك وقفاً للغارات وجدولاً زمنياً للانسحاب من ما تبقّى من أراضٍ لبنانية، وآليةً للبتّ في الانتهاكات لا تختزل السيادة اللبنانية في التذرّع الإسرائيلي بـ«الضرورات». الاتفاق الحالي لا يتضمّن شيئاً من ذلك، بل قد يحمل نقيضه.
تتطلّب أي تسوية مستدامة توسيعاً لسلطة الدولة على مراحل. يمكن للجيش اللبناني أن يتسلّم المسؤوليات تدريجياً، وأن ينتشر ويراقب ويوسّع دوره بمرور الوقت. لكنه لا يستطيع خوض حرب داخلية ضد حزب الله، وفي الوقت نفسه موازنة التفوّق العسكري الإسرائيلي، ولا ضمن الجداول الزمنية الضيّقة التي تفرضها دبلوماسية الضغط. فإن تكليف الجيش بهذه المهمّة لا يعزّز الدولة بل يكشف هشاشتها ويمهّد لاضطرابات داخلية.
تتطلّب سيادة الدولة صياغة عقيدة دفاع وطني. وهذا هو السؤال الذي يفضّل كثيرون تجنّبه. فقد استخدمه حزب الله لسنوات لتبرير استقلاليته العسكرية الدائمة، فيما يتعامل معه خصومه كمسألة تُؤجَّل إلى ما بعد نزع السلاح لا قبله. لكن هذا السؤال لا مفرّ منه: إذا كان على حزب الله التخلّي عن دوره الردعي، فلا بدّ أن يكون البديل عقيدة دفاعية واضحة وموارد موثوقة وأدوات دبلوماسية قادرة على إنتاج ردع تقوده الدولة. لم تستند قدرة حزب الله على الاستمرار إلى السلاح وحده، بل هو نشأ وترسّخ في ظل فشل الدولة. وإذا جرى تفكيك بنيته العسكرية فيما الدولة لا تزال عاجزة عن توفير الأمن وإعادة الإعمار والخدمات فلن تكون النتيجة ترسيخاً للسيادة بل فراغاً. وهذا الفراغ سيكون التربة التي تنشاً فيها البدائل المسلحة مجدداً.
لا يمكن لأي من المساعي أن تنجح دون ضمانات سياسية. فالمطلوب اليوم ليس تمجيد النظام الطائفي في لبنان، بل الإدراك أن مسارات الانتقال تفشل عندما تخلص مكوّنات أساسية إلى أن خطاب الدولة يُستخدم لإعادة توزيع السلطة على حسابها. وإذا كان من المفترض إنهاء الدور العسكري لحزب الله، فلا بدّ أن يرى الشيعة في لبنان لأنفسهم مستقبلاً داخل دولة أقوى، لا خارجها.
الرهان الطويل
المسار المطلوب أبطأ ممّا تريده واشنطن وأقلّ وقعاً من خطاب «اللحظات الحاسمة»، فهو لا يقدّم مشهداً يُحسم فيه التاريخ عبر الضغط وتلاقي المصالح. ولبنان نادراً ما استجاب لهذا النوع من الاستعجال، بل غالباً ما كان يفضح كلفته.
تقول واشنطن إنها تريد دولة لبنانية أقوى وحزب الله أضعف. ربما. لكن مسارها العملي يشير على نحو متزايد إلى شيء آخر: ليس بناء السيادة، بل إدارة الانقسام في ظل تفوّق عسكري إسرائيلي. ومن غير المرجّح أن ينتهي هذا المسار بضمٍّ منظّم أو سيطرة محكمة، فلبنان مثقل بذكرى السلاح وبنزاعات غير محسومة وتشابكات إقليمية معقّدة. والأرجح أن يفضي هذا المسار إلى صراع سيكون أصعب احتواءه.
سامي حلبي مدير السياسات في البديل | معهد السياسة البديلة
نُشر هذا المقال على موقع الجزيرة