أثار الرئيس اللبناني جوزيف عون موجةً من التأييد والاستنكار في تصريحه الأخير بأن التفاوض مع إسرائيل «ليس خيانة». ورأى مؤيدوه في هذا الموقف خطوةً ضرورية لإنقاذ الدولة وتجنّب مزيد من الموت والدمار، فيما اعتبره منتقدوه استسلاماً للعدو. وبالنظر إلى أحداث الشهر الماضي، يبدو من المشروع التساؤل عمّا إذا كان ما يجري في واشنطن يمكن وصفه بالتفاوض أصلاً.

بحسب مسؤولين حكوميين تحدثوا إلى «البديل» طالبين عدم الكشف عن هويتهم، فإن اتفاق وقف إطلاق النار الذي نشرت وزارة الخارجية الأميركية نصّه في 16 نيسان لم يُعرض على الجانب اللبناني قبل الإعلان عنه. جاء هذا الاتفاق بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الرئيس عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سيتحدثان مباشرة، دون أي تشاور مع الرئيس اللبناني.
بدا لبنان وكأنه يتلقى إبلاغات أميركية ويُطلب منه الامتثال لها. ومنذ ذلك الحين، يحاول عون ورئيس الوزراء نواف سلام المناورة بحذر حول الأمر الواقع الذي فرضته واشنطن، مع الحرص على عدم استثارة غضب ترامب. وفي المقابل، يبدو وقف إطلاق النار الذي «وافقا عليه» محدود الفاعلية أكثر فأكثر: فالقوات الإسرائيلية تواصل قصف جنوب لبنان وتدميره وسط هجمات حزب الله المتواصلة، فيما يصعّد الحزب تهديداته ضد الحكومة اللبنانية لمجرد انخراطها في محادثات مع إسرائيل.
يمكن وصف ما يجري حالياً بأوصاف كثيرة، لكن «المفاوضات» ليست التسمية الأدق. ففي وقت تعمل فيه الحكومة اللبنانية بمنطق البقاء، ضمن هامش مناورة يتقلص باستمرار وبين أطراف تمتلك نفوذاً أكبر بكثير، لا تزال هناك فرصة للبنان أكثر سيادة. لكن ذلك يتطلب من القيادة اللبنانية الاستثمار في العامل الوحيد الذي لا يعمل لمصلحة الأطراف الأقوى: الوقت.
ففي صباح اليوم التالي، اتصل السفير الأميركي لدى لبنان بعون ليبلغه بأنه سيجري اتصالاً مشتركاً مع ترامب ونتنياهو، وفقاً لمسؤولين حكوميين لبنانيين تحدثوا إلى «البديل». قال أحد المسؤولين إن الرئيس اللبناني رفض الأمر بشكل قاطع، قبل أن يُبلّغ بأن ترامب سيعلن قريباً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الاتصال سيُعقد بالفعل. وهو ما عزم عليه ترامب مساء ذلك اليوم قائلاً: «لقد مرّ وقت طويل منذ تحدث الزعيمين، نحو 34 عاماً. سيحدث ذلك غداً. رائع!»
من المجزرة إلى وقف إطلاق النار
يكشف المسار الدبلوماسي سبب عدم قدرة لبنان على الانخراط الكامل في هذه العملية. فقد انطلقت أساساً من مجزرة إسرائيلية نُفذت بعد ساعات فقط من تقويض نتنياهو لاتفاق وقف إطلاق النار الذي كان يُفترض أن يمنع وقوعها. وبحسب ما أوردته وسائل إعلام أميركية وافق رئيس الوزراء الإسرائيلي بدايةً على إدراج لبنان ضمن اتفاق وقف إطلاق النار الأميركي الإيراني الذي جرى التوصل إليه بوساطة في إسلام آباد في 7 نيسان، قبل أن يتراجع عن ذلك لاحقاً. وفي اليوم التالي شنّت إسرائيل حملة قصف واسعة استهدفت أكثر من 100 موقع في لبنان خلال عشر دقائق، ما أسفر عن مقتل أكثر من 350 شخص وإصابة أكثر من 1200 آخرين.
في المقابل، كان عون يدعو منذ أسابيع إلى إجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، لكن وفق تسلسل من أربع مراحل: وقف فوري لإطلاق النار، ثم تعزيز الجيش اللبناني، ثم التقدم في عملية نزع سلاح حزب الله، وعندها فقط الانتقال إلى التفاوض المباشر. إلا أنه خلال أقل من 48 ساعة على المجزرة، كانت المحادثات قد طُرحت من دون تنفيذ أي من هذه الخطوات. وبحلول 14 نيسان اجتمعت السفيرة اللبنانية في واشنطن ندى حمادة معوض بنظيرها الإسرائيلي يحيئيل لايتر في وزارة الخارجية الأميركية، في أول تواصل رسمي بين الحكومتين منذ عام 1993.
وقال دبلوماسي عربي إقليمي تحدث إلى «البديل» إنه نصح عون بعدم معارضة ترامب علناً، بل بإيجاد صيغة للرفض من دون مواجهة مباشرة. وبناءً على هذه النصيحة نقل عون موقفه إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ثم طلب عبر السفارة اللبنانية في واشنطن إجراء اتصال مباشر مع ترامب، وهو ما وافق عليه البيت الأبيض. وخلال المكالمة التي استمرت 29 دقيقة حاول عون استمالة ترامب دبلوماسياً، بحسب مسؤولين تحدثوا إلى «البديل»، موضحاً أسباب عدم قدرته على التحدث مع نتنياهو. وبعد المكالمة وصف ترامب عون بأنه «يحظى باحترام كبير» وأعلن أن إسرائيل ولبنان اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام. ومن جهته أصدر مكتب عون بياناً شكر فيه ترامب على جهوده.
ثم أصدرت وزارة الخارجية الأميركية لاحقاً شروط وقف إطلاق النار مؤكدة أنها «متفق عليها بين حكومتي إسرائيل ولبنان»، رغم أن الجانب اللبناني لم يكن قد اطّلع على النص أساساً، وفقاً لمسؤولين تحدثوا إلى «البديل». ومن اللافت أن البند الثالث في الوثيقة منح إسرائيل «الحق في اتخاذ جميع التدابير اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت»، من دون منح لبنان حقاً موازياً في الدفاع عن نفسه.
إلا أن مكتب عون رأى أن الصمت أقل الخيارات سوءاً، إذ إن التنصل العلني من النص كان سيضع ترامب في موقع التراجع عن تصريحاته مرتين خلال يومين بما قد يستدعي ردة فعل انتقامية. لم يصدر أول تعليق رسمي لبناني على نص وقف إطلاق النار إلا بعد أسبوعين. ففي 27 نيسان صرّحت الرئاسة اللبنانية أن الحكومة اللبنانية لا تؤيد سوى البند الذي يقيّد ما سمته «عمليات عسكرية هجومية» من قبل إسرائيل في لبنان، وأن «أي كلام آخر غير معنيين به ولا يوجد أي تغطية رسمية لبنانية له».
المناورة الدقيقة
ومنذ ذلك الحين حدّد عون موقفه الرسمي بالدعوة إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل على أساس اتفاقية الهدنة لعام 1949. وهذه الصيغة تستبعد معاهدة سلام أو تطبيعاً أو أي تسوية شاملة، وتحصر التزام لبنان بالوضع القانوني الذي كان قائماً قبل الاجتياح الإسرائيلي عام 1982. عزّز نواف سلام هذا الموقف مؤكداً أن لبنان «لا يمكنه توقيع أي اتفاق لا يتضمن انسحاباً كاملاً» للقوات الإسرائيلية، ورفض ما يُسمّى «منطقة عازلة» التي ستمنع أكثر من مليون نازح لبناني من العودة إلى منازلهم. تشكل هذه المواقف مجتمعة هامشاً ضيقاً وواضحاً: الحد الأقصى الذي تستطيع الدولة المطالبة به في المفاوضات من دون استجلاب الغضب الأميركي، والحد الأدنى من التشدد تجاه إسرائيل اللازم لتفادي انفجار داخلي.
تزداد أهمية هذا الاعتبار مع تصاعد الضغوط التهديدية التي يمارسها حزب الله ضد القيادة اللبنانية. فقد اعتبر الأمين العام للحزب نعيم قاسم أن إملاء الولايات المتحدة شروط وقف إطلاق النار وتحدثها باسم الحكومة اللبنانية أمر «مهين» ومرفوض. كما شبّهت شخصيات بارزة في الحزب، بينها نواف الموسوي، وضع عون بالرئيس المصري أنور السادات الذي اغتيل عام 1981 بعد توقيعه معاهدة سلام مع إسرائيل. كذلك أظهر حزب الله أن ما يعجز عن تحقيقه سياسياً قد يسعى إلى فرضه بالقوة. ويُعدّ أيار 2008 المثال الأوضح على ذلك حين سيطر الحزب وحلفاؤه على بيروت الغربية بعد محاولة الحكومة تفكيك شبكة اتصالاته الخاصة.
بين الضغوط الأميركية والقصف الإسرائيلي وتهديدات حزب الله، تحاول الحكومة اللبنانية بناء ما تستطيع من أوراق قوة. فقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) والتي انتشرت لأول مرة في جنوب لبنان عقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1978، يُفترض أن تنهي عملياتها هذا العام بعد أن رفضت الولايات المتحدة تجديد تفويضها في مجلس الأمن. ومن هنا جاءت زيارة سلام إلى باريس في 21 نيسان والمؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استعداد بلاده للمشاركة عسكرياً في أي قوة تخلف اليونيفيل، كخطوة مقصودة لبناء توازن مقابل للنفوذ الأميركي والإسرائيلي.
توجد وسيلة أخرى واضحة يمكن للدولة اللبنانية من خلالها تثبيت حضورها بين الأطراف المتحاربة، تتمثل في المضي نحو الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية. وكان لبنان قد بدأ هذا المسار عام 2024 على خلفية ما وُصف بجرائم حرب إسرائيلية خلال الجولة الأخيرة من النزاع المسلح، قبل أن يتراجع عنه لاحقاً. ومن المرجح أن يحظى إحياء هذا المسار بدعم شعبي واسع خصوصاً إذا طُرح باعتباره رداً على قتل الجيش الإسرائيلي لمدنيين لبنانيين وعاملين في القطاع الصحي وصحفيين.
حدود الإكراه والمسار الضيق نحو السيادة
يفرض موقع لبنان الحالي نتيجة موازية تتمثل في أن الضغوط التي يتعرض لها اليوم قد تكون محدودة زمنياً. إذ يواجه كل من ترامب ونتنياهو استحقاقات انتخابية خلال الأشهر السبعة المقبلة، وكلاهما يمارس الضغط على لبنان انطلاقاً من موقع ضعف داخلي لا من موقع قوة.
يستعد الجمهوريون بقيادة ترامب لانتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، والمؤشرات ليست مشجعة. إذ تُظهر استطلاعات الرأي تراجع نسبة تأييد ترامب إلى 37% مع استمرار الانخفاض، كما تشير إلى احتمال خسارة الجمهوريين مجلسي الكونغرس معاً. كذلك لم تحظَ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بشعبية، فيما ارتفاع أسعار الوقود الناتج عنها شكّل عبئاً سياسياً كبيراً على الحزب الحاكم. ومن بين المؤشرات على رغبة ترامب في تهدئة الجبهة اللبنانية مع اقتراب تشرين الثاني، أنه حين أعلن تمديد وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لثلاثة أسابيع، طالب أيضاً بأن تبقى العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان «محسوبة ومحدودة».
أما وقت نتنياهو فهو ينفذ بوتيرة أسرع ووضعه السياسي أكثر هشاشة. فمع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في تشرين الأول، تُظهر استطلاعات الرأي تقدم كتلة المعارضة من حيث عدد المقاعد. وإذا خسر نتنياهو فلن يعود قادراً على تأجيل محاكمته الجارية بتهم فساد، وقد يواجه السجن. لذلك فهو بأمس الحاجة إلى إنجاز يستطيع تسويقه قبل الانتخابات. ويأتي ذلك في وقت تشير فيه تقارير إسرائيلية إلى أن المؤسسة العسكرية بدأت تتراجع بهدوء عن شعار «النصر المطلق» الذي وعد به نتنياهو، وأصبحت أقرب إلى أهداف محدودة: أي التوصل إلى اتفاق سياسي مع لبنان وإيجاد حلول لهجمات حزب الله بالطائرات المسيّرة والصواريخ.
في المقابل، قال الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم إن أي نتائج تصدر عن محادثات الحكومة اللبنانية مع إسرائيل «كأنها غير موجودة بالنسبة إلينا»، مؤكداً أن «المقاومة الدفاعية» ستستمر حتى «لا يبقى العدو الإسرائيلي على شبر واحد من أرضنا المحتلة».
هذا الوضع لا يمنح الحكومة اللبنانية منفذاً يمكنها استغلاله اليوم. ففي ظل المعطيات الحالية لا يملك عون وسلام القدرة على انتزاع أي تنازلات ذات معنى من الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حزب الله. إلا أن هذا الواقع قد يتبدل مع نهاية العام ما إذا تبدلت الرياح السياسية في واشنطن وتل أبيب، وإذا وجد حزب الله نفسه في موقع أكثر إنهاكاً على الجبهة. وقد تفتح مواضع الضعف هذه، إلى جانب الانسحاب التدريجي للقوة الدولية التي تؤمّن الحدود في كانون الأول، نافذة أمام الدولة اللبنانية وربما مخرجاً يحفظ ماء الوجه من هذا الصراع. ,إذا كان للبنان أن يخرج أكثر سيادة من هذه اللحظة، فإن ذلك لن يتحقق عبر ما يُسمّى بالمفاوضات نفسها، بل بقدرة الدولة على الصمود إلى ما بعدها.