النفوذ قبل النفط: العراق يفاوض بخط أنابيب قد لا يُبنى أبداً

إن احتمال فتح مسارات تصدير جديدة إلى البحر المتوسط يعيد رسم علاقات بغداد مع أنقرة وأربيل وواشنطن.

قد يبقى المشروع المدعوم من واشنطن لإعادة تأهيل خط الأنابيب الذي أُنشئ عام 1952 بين غرب العراق والساحل السوري حبراً على ورق، دون أن يضخّ قطرة نفط واحدة. إلّا أن هذا المشروع بدأ بتغيير الشروط التي تفاوض بغداد على أساسها. فأنقرة، التي تسيطر على خط الأنابيب العراقي الوحيد العامل باتجاه البحر المتوسط، تجد نفسها اليوم أمام طرف يملك بدائل أخرى مطروحة على الطاولة. أما أربيل، التي اعتمد جانب كبير من استقلالها المالي والسياسي على عائدات خط الأنابيب الخاص بها، فتشهد تراجعاً إضافياً في قدرتها على الضغط على الحكومة الاتحادية. وفي الوقت نفسه، توسّطت واشنطن في هذا الترتيب وحرصت على إسناد دور فيه إلى شركات أميركية، ما يجعل تحرّر العراق من الاعتماد على راعٍ واحد يبدو مشروطاً بالاعتماد على راعٍ آخر.

في 17 تموز وقّعت شركة نفط البصرة وشركة النفط السورية مذكرة تفاهم في واشنطن لإحياء الخط، على أن يُستخدم هذه المرة لنقل النفط من حقول جنوب العراق في البصرة إلى المحطة المطلة على البحر المتوسط في بانياس. رحّبت وزارة الخارجية الأميركية بعزم الحكومتين على المضي في المشروع، وبمشاركة ائتلاف تقوده شركات أميركية لتولّي الأعمال الفنية والمالية، مشيرةً إلى أن الطاقة الأولية للخط بعد إعادة تأهيله قد تبلغ مليوني برميل يومياً. غير أن المشروع لا يستند حتى الآن إلى أي تمويل أو جدول زمني أو إطار قانوني، بل يقتصر على التزام بوضع هذه العناصر مستقبلاً. ويمنح ذلك بغداد هامشاً للمناورة فيما تبحث عن بدائل لتصدير نفطها بعيداً عن مضيق هرمز الذي تعصف به الحرب.

منذ أن بدأ العراق إنتاج النفط تجارياً قبل أكثر من تسعين عاماً، بقي أحد أبرز التحديات يكمن في تأمين مسارات بديلة لإيصال أهم صادراته إلى الأسواق.

وكان قرار مجلس الوزراء العراقي الصادر في 5 تموز، والذي أعاد خيار بانياس إلى الواجهة، أجاز أيضاً لائتلاف أميركي قطري يضم شركة «شيفرون» دراسة إنشاء خط موازٍ يمتد إلى ميناء جيهان التركي، على أن يشترك الخطان في مسار رئيسي واحد من البصرة إلى حديثة. ينطلق كلا المشروعين من البصرة – حيث يتركز معظم الإنتاج النفطي في العراق وحيث يُتوقع أن يأتي القسم الأكبر من أي نمو اقتصادي مستقبلاً. أما المستوى التجاري، فلا يملك هذا النفط الخام حالياً سوى منفذ واحد إلى الأسواق، هو نقله بالناقلات عبر مضيق هرمز. وكانت الصادرات العراقية قد بلغت 3.4 ملايين برميل يومياً قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في شباط، ثم تراجعت إلى نحو 500 ألف برميل يومياً في أيار وحزيران في ظل الإغلاقات المتكررة للمضيق. وجاء استهداف محطة التحميل في البصرة بطائرة مسيّرة في 16 تموز ليكشف بوضوح مدى هشاشة هذا الاعتماد.

ومنذ أن بدأ العراق إنتاج النفط تجارياً قبل أكثر من تسعين عاماً، بقي أحد أبرز التحديات يكمن في تأمين مسارات بديلة لإيصال أهم صادراته إلى الأسواق. ففي منطقة تتكرر فيها الاضطرابات، كان كل خط أنابيب جديد يُبنى للتحرر من قيود الخط السابق يخلق بدوره مواطن ضعف جديدة: دولة مجاورة أخرى تمتلك ورقة ضغط تفاوضية، وهدفاً يسيراً عند اندلاع الحروب. يعزّز نجاح هذه الاستراتيجية صدقية المساعي الحالية، لكن التجربة نفسها تُظهر أن هذه الحلول لم تدم طويلاً.

خطوط الأنابيب عبر عقود من الاضطراب

افتتحت شركة نفط العراق عام 1934 أول شبكة خطوط أنابيب نفطية عابرة للحدود في العالم. وكان خط واحد يمتدّ من حقول كركوك في شمال العراق إلى حديثة في الصحراء الغربية، قبل أن يتفرّع هناك إلى مسارين: خط شمالي يعبر سوريا ولبنان وصولاً إلى ميناء طرابلس، وخط جنوبي يمرّ عبر ما كان يُعرف آنذاك بشرق الأردن وفلسطين وصولاً إلى حيفا.

أغلقت بغداد خط حيفا عام 1948 ردّاً على قيام دولة إسرائيل، واستعاضت عنه عام 1952 بخط آخر يعبر سوريا إلى بانياس. وخلال السنوات التالية، استخدمت دمشق خطوط الأنابيب مراراً كورقة ضغط جيوسياسية واقتصادية، فأوقفتها خلال أزمة السويس عام 1956، ثم عادت إلى إغلاقها بين كانون الأول 1966 وآذار 1967، حين دفعت حكومة البعث الجديدة في دمشق الخلاف مع بغداد حول رسوم العبور إلى مواجهة مفتوحة. وبحلول حرب حزيران 1967، ومع إغلاق قناة السويس وافتقار العراق إلى بنية تحتية للمياه العميقة تسمح بتحميل ناقلات النفط العملاقة في الخليج، لم ترَ بغداد بديلاً من بدء محادثات مع أنقرة لمدّ خط أنابيب إلى الساحل التركي على البحر المتوسط.

في عام 1973 رضخ العراق مجدداً لمطالب سوريا بزيادة رسوم العبور، في إهانة رسخت لدى العراق فكرة إنشاء مسار مستقل عبر تركيا. كما أنشأت بغداد خط كركوك-البصرة المصمّم لنقل النفط الخام في الاتجاهين، ورفعت بصورة كبيرة القدرة التصديرية للبصرة بحلول منتصف سبعينيات القرن الماضي. وازدادت دوافع تقليص الاعتماد على سوريا في تشرين الأول 1973، حين أخرجت الغارات الإسرائيلية خلال الحرب العربية الإسرائيلية خزانات بانياس من الخدمة ثلاثة أسابيع، وألحقت أضراراً بمنشآت خطوط الأنابيب في حمص وطرطوس. وأثار ذلك مخاوف جدّية في بغداد من أن تقطع حرب لاحقة المسار السوري بالكامل.

ثم في 1974 وقّعت بغداد وأنقرة اتفاقية إنشاء خط كركوكجيهان الذي بدأ ضخ النفط عام 1976، منهياً اعتماد العراق على سوريا بوصفها منفذه إلى البحر المتوسط. وفي العام نفسه أدّى التنافس بين النظامين البعثيين إلى إغلاق خط طرابلس، ثم أُغلق خط بانياس عام 1982 في خضمّ الحرب العراقية الإيرانية. وفي 1983 ومع احتدام الحرب الأهلية اللبنانية، قصفت المدفعية السورية محطة طرابلس مباشرة، ما أدّى إلى تمزّق خزانات التخزين ووقوع واحدة من أسوأ الكوارث البيئية في تاريخ المدينة الحديث.

كل هذه التطورات عزّتز أهمية المسار التركي بالنسبة إلى بغداد، والتي رفعت طاقته الاستعابية إلى ثلاثة أضعاف خلال ثمانينيات القرن الماضي. لم تعد طرابلس بعد ذلك خياراً فعلياً للتصدير، فيما أثبت خط بانياس قدرة أكبر على الصمود مستفيداً من قدرة المرفأ على استقبال ناقلات النفط العملاقة. وعاد الخط إلى العمل بصورة متقطعة بعد عام 1982، ومنها في عام 2000 حين استخدمه العراق للالتفاف على عقوبات الأمم المتحدة.

وفي إطار بحث العراق عن منافذ إضافية لتسويق نفطه، اتفق مع الأردن في 2013 على مشروع خط ينقل الخام من البصرة إلى حديثة، ثم إلى ميناء العقبة على البحر الأحمر. غير أن المشروع جُمّد في العام التالي مع صعود تنظيم «داعش» في غرب العراق. وفي عام 2014 تفاقمت مشكلات بغداد حين فجّر التنظيم خط كركوك-جيهان، فيما وضعت حكومة إقليم كردستان، التي تتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال العراق، خطها الخاص قيد التشغيل. وكان الخط يتصل مباشرة بالشبكة على الجانب التركي من الحدود، من دون أن تحصل الحكومة الاتحادية على أي من عائداته.

بعد أيام على تحميل أول شحنة مستقلة من النفط الكردي في جيهان، لجأت بغداد إلى غرفة التجارة الدولية ضد أنقرة والشركة المشغّلة للخط، مستندة إلى أن اتفاقية عام 1973 لا تسمح بمرور أي نفط من دون موافقة الحكومة الاتحادية. وخلال العقد التالي، بنت حكومة إقليم كردستان قدراً كبيراً من استقلاليتها على هذه الصادرات النفطية، فيما تقدّمت القضية أمام غرفة التجارة الدولية بوتيرة شديدة البطء.

وفي شباط 2023 حكمت غرفة التجارة الدولية للعراق بتعويضات تقارب 1.5 مليار دولار، مؤكدةً في الوقت نفسه أن اتفاقية عام 1973 تمنح بغداد الكلمة العليا في صادرات النفط إلى تركيا. وردّت أنقرة بالطعن في القرار وإغلاق جانبها من خط الأنابيب بالكامل، ساعيةً إلى استخدام الإغلاق والتعويض غير المدفوع معاً لتحسين موقعها في أي اتفاق بديل.

أما بغداد، فآثرت الانتظار إلى أن يؤتي توقف الصادرات أثره. إذ أخذت مالية حكومة كردستان وقدرتها التفاوضية تتآكلان في غياب عائدات التصدير. وحين استؤنف ضخ النفط أخيراً في أيلول 2025 جرى ذلك بشروط بغداد: سلّمت أربيل نفطها إلى شركة التسويق الحكومية وقبلت بالتسعير الاتحادي وتخلّت عن قناة التصدير المستقلة. وهكذا تحوّل خط الأنابيب الذي استخدمه الأكراد سابقاً لتجاوز بغداد إلى الأداة التي أعادت ربطهم بها.

ومن جهته أعلن الرئيس رجب طيب أردوغان العام الماضي إنهاء اتفاقية 1973 اعتباراً من 27 تموز 2026، في مسعى إلى تعزيز أوراق الضغط التركية. طلبت بغداد تمديد الاتفاقية عاماً واحداً لكن أنقرة رفضت، متمسكةً بالتفاوض على ترتيبات أوسع.

الحرب على إيران والإغلاقات المتكررة لمضيق هرمز منذ آذار شكّلتا نقطة تحوّل بالنسبة إلى بانياس.

الحرب على إيران رفعت من أهمية بدائل التصدير

واصلت مصفاة بانياس النفطية ومحطتها البحرية العمل بعد توقف خط الأنابيب العراقي في ثمانينيات القرن الماضي، وإن بقدرة محدودة. فقد واصلتا معالجة الكميات المتواضعة التي تنتجها سوريا محلياً من النفط الخام، ثم استقبلتا بعد 2011 شحنات من الخام الإيراني خلال الحرب السورية. توقفت العمليات لفترة وجيزة بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024 قبل أن تُستأنف عام 2025 باستخدام الخام الروسي.

غير أن الحرب على إيران والإغلاقات المتكررة لمضيق هرمز منذ آذار شكّلتا نقطة تحوّل بالنسبة إلى بانياس. ففي نيسان وصلت إلى المحطة أولى القوافل العراقية المحمّلة بزيت الوقود. ومنذ ذلك الحين فرّغت آلاف الشاحنات الصهريجية منتجات نفطية عراقية مكرّرة في بانياس تمهيداً لإعادة تصديرها، حتّى أن سوريا أصبحت في حزيران أكبر مصدّر لزيت الوقود في المنطقة بشحنات بلغت نحو 720 ألف طن، أي ما يعادل 28% من إجمالي الكميات المصدّرة من الشرق الأوسط.

أدّى ذلك إلى تصاعد الاهتمام في سوريا والعراق بإعادة فتح خط حديثة-بانياس، القادر على نقل كميات إلى أسواق التصدير تفوق بكثير ما يمكن للشاحنات نقله. وفي 16 آذار أعلنت بغداد أيضاً أنها تسعى إلى إحياء خط كركوكجيهان في خطوة قد تضعف القدرة التفاوضية لحكومة إقليم كردستان. وبعد يومين رفعت تركيا سقف التنافس، إذ اقترح وزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار تمديد خط الأنابيب العراقيالتركي جنوباً نحو البصرة، وزيادة طاقته إلى 2.5 مليون برميل يومياً.

أما مسار بانياس فينطوي على قدر أكبر بكثير من عدم اليقين السياسي والبنيوي، لكنه يضع بغداد في مواجهة طرف – أي دمشق – يملك اليوم أوراق للضغط عليها أقل بكثير مما تملكه أنقرة.

ثم شهد الشهر الماضي حركة مكثفة مع تنافس الأطراف الإقليمية على تعزيز أوراقها من خلال مقترحات متوازية لخطوط الأنابيب، فيما بدا واضحاً أن بغداد تسعى إلى إبقاء بدائل متعددة متاحة تفادياً للارتهان إلى مسار واحد. في 5 تموز أصدر مجلس الوزراء العراقي قراراً بدراسة خيارات إنشاء خط رئيسي جديد من البصرة إلى حديثة، يتفرّع منه مساران نحو جيهان أو بانياس.

ومن أبرز الحجج لمصلحة المسار التركي أن قسماً كبيراً من بنيته التحتية قائم بالفعل، وأن النفط يُنقل حالياً عبر جيهان. غير أن إغلاق الخط طوال عامين ونصف بعد حكم غرفة التجارة الدولية يبيّن أيضاً مدى اعتماد بغداد على تركيا. أما مسار بانياس فينطوي على قدر أكبر بكثير من عدم اليقين السياسي والبنيوي، لكنه يضع بغداد في مواجهة طرف – أي دمشق – يملك اليوم أوراق للضغط عليها أقل بكثير مما تملكه أنقرة.

وفي 9 تموز بدت تركيا وكأنها تعيد تثبيت موقعها، إذ أعلن بيرقدار أن بروتوكولاً انتقالياً لتمديد اتفاقية عام 1973 سنة واحدة بلغ مراحله النهائية. لكن بحلول منتصف الشهر بدأ يظهر أن بغداد أنها تدرس جميع البدائل. وشمل ذلك إعلان العراق والأردن في 16 تموز دخولهما في محادثات بتسهيل أميركي لإحياء مشروع خط لنقل خام البصرة إلى العقبة. وبعد يوم واحد أُعلن توقيع مذكرة التفاهم العراقية-السورية لإعادة تأهيل خط حديثة-بانياس.

كانت هذه المسارات البديلة أوراقاً تفاوضية واضحة حملها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي معه إلى أنقرة في زيارته يوم 28 تموز. وتمثّلت النتيجة الرئيسية للزيارة في إعلان أردوغان أن شركة النفط الحكومية التركية «TPAO» ستستحوذ على حصة تبلغ 15% في ائتلاف تقوده شركة «BP» في كركوك. وأضاف أن البلدين يسعيان إلى رفع الصادرات إلى مليون برميل يومياً وتوقيع «اتفاقية شاملة للتعاون في مجال الطاقة». وبحلول الأول من آب اتفق البلدان رسمياً على تمديد الاتفاقية سنة واحدة، بما يضمن استمرار تدفق النفط إلى جيهان.

ويُذكر أن المقترح التركي المعلن في آذار لمدّ خط جديد جنوباً نحو البصرة يستهدف استيعاب الزيادة نفسها في الإنتاج التي تحاول بغداد اليوم توجيهها عبر حديثة. يسعى المقترحان إلى الغاية نفسها لكن بوسيلتين مختلفتين: فمشروع البصرة-حديثة العراقي يحافظ على جيهان وبانياس كخيارين قائمين، مع إبقاء الخط الرئيسي وقرار الوجهة النهائية للخام تحت سيطرة بغداد، أما التمديد التركي فيدمج الكميات نفسها مباشرة في خط جيهان. حتى أن لبنان أطلق في نهاية تموز محاولة لإعادة ربطه بشبكة خطوط الأنابيب العراقية، معلناً تشكيل فريق فني مشترك مع العراق لبحث إمكانية إحياء خط كركوكطرابلس. غير أن المقترح لا يزال خارج البرنامج الرسمي لخطوط الأنابيب الذي تعتمده بغداد. كما أن أي خط يُعاد تشغيله سيظل مضطراً إلى عبور الأراضي السورية قبل الوصول إلى طرابلس، ما يجعل المبادرة اللبنانية رهناً بنجاح مسار بانياس لا منافساً فعلياً له.

إن كلّ حل سابق لمعضلة عبور النفط العراقي تحوّل في نهاية المطاف إلى موطن ضعف جديد ومصدر جديد للارتهان.

أكبر الرابحين، وأكبر الخاسرين

في حال أفضت مذكرة التفاهم العراقية-السورية إلى إنجاز خط حديثة-بانياس بما يتيح نقل الخام من كركوك والبصرة معاً، ستكون بغداد المستفيد الأوضح. فاستراتيجية العراق التصديرية تشكّلت على مدى عقود تحت وطأة الارتهان، سواء للخليج أو لتركيا أو للقيود السياسية المرتبطة بكل مسار عبور على حدة. ويسعى خط البصرة-حديثة الرئيسي إلى قلب هذا المنطق.

غير أن التاريخ يفرض قدراً من الحذر. فإن كلّ حل سابق لمعضلة عبور النفط العراقي، من فرع حيفا وخط طرابلس وصولاً إلى جيهان نفسه بعد تحكيم عام 2023، تحوّل في نهاية المطاف إلى موطن ضعف جديد ومصدر جديد للارتهان. فتنويع المسارات يزيد عدد الخيارات، لكنه لم ينجح يوماً في إنهاء انكشاف بغداد، بل اقتصر أثره على نقل هذا الانكشاف من موقع إلى آخر، وتغيير الطرف الذي يملك ورقة الضغط.

وقد تستفيد سوريا بدورها من إحياء خط بانياس، والذي سيعيد قيمة اقتصادية إلى بنية تحتية بقيت دون طاقتها لعقود، كما يعزّز عودة دمشق التدريجية إلى شبكات الطاقة الإقليمية. بدأت هذه العملية بالفعل مع تصدير سوريا كميات متزايدة من المنتجات النفطية العراقية خلال العام الجاري.

أما الولايات المتحدة فستجني هي الأخرى مكاسب واضحة. إذ تحتل الشركات الأميركية موقعاً مركزياً في استراتيجية التصدير العراقية في طور تشكّلها، فيما يخدم المشروع مساعي واشنطن الأوسع لإعادة دمج سوريا اقتصادياً والمساهمة في استقرار العراق وسوريا.

كانت شركة شيفرون قد حصلت في شباط على حقوق حصرية للتفاوض بشأن حقل غرب القرنة 2 في العراق، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 460 ألف برميل يومياً، بعدما وضعته الدولة العراقية تحت سيطرتها إثر انسحاب شركة «لوك أويل» الخاضعة للعقوبات. وتتفاوض شيفرون حالياً على مذكرات تفاهم تتعلق بهذا الحقل وبحقل الناصرية الأصغر الذي تبلغ طاقته 90 ألف برميل يومياً، فيما تقود أيضاً الائتلاف الذي يدرس مقترحات نقل خام البصرة عبر حديثة إلى سوريا أو تركيا.

ويجسّد موقع تركيا طبيعة هذا التحوّل. للوهلة الأولى يبدو أن إحياء ممر بانياس يهدّد مشروع جيهان عبر توفير منفذ منافس على البحر المتوسط. غير أن مقترحات أنقرة نفسها تكشف واقعاً أكثر تعقيداً. فتركيا لم تعد تسعى فقط إلى حماية خط كركوك-جيهان القائم، بل تطمح إلى تمديد الشبكة جنوباً نحو البصرة لاستقطاب النمو المستقبلي في الإنتاج بدلاً من الاكتفاء بالكميات المتراجعة القادمة من الشمال.

وإذا نجح هذا الطموح، فقد تنقل تركيا في نهاية المطاف كميات من الخام العراقي تفوق ما كانت تنقله سابقاً، حتى وإن خسرت جانباً من ورقة الضغط الحصرية التي تمتعت بها. ويتمثل التحدي بالنسبة إلى أنقرة في الانتقال من كونها مسار العبور الذي لا غنى للعراق عنه إلى أن تصبح المسار الذي يفضّله.

ويشكّل دخول شركة النفط التركية «TPAO» شريكاً في ائتلاف كركوك الذي تقوده «BP» مؤشراً مبكراً إلى هذا التكيّف. فمن خلال امتلاك حصة مباشرة في إنتاج النفط نفسه، تضمن تركيا لنفسها منفعة أياً يكن مسار التصدير الذي تختاره بغداد لاحقاً.

في المقابل، تواجه حكومة إقليم كردستان مستقبلاً أكثر صعوبة. حيث أن بغداد لا تسعى إلى إلغاء الصادرات الكردية، بل إلى تقليص أهميتها الاستراتيجية ضمن منظومة التصدير العراقية ككل. ومع تولّي إنتاج البصرة بصورة متزايدة توفير الكميات اللازمة لملء خطوط الأنابيب الشمالية، يواجه النفط الكردي خطر التحوّل من عنصر أساسي إلى مصدر تكميلي. وقد تظلّ أربيل طرفاً مهماً في صادرات الطاقة العراقية، لكن ضمن نظام اتحادي يتمتع بهامش من المرونة يفوق بكثير ما كان يملكه في السابق.

أما إقليمياً ودولياً، ستكون إيران وروسيا أكبر الخاسرين من اتساع خيارات التصدير العراقية، وإن بدرجات مختلفة. إذ يعتمد نفوذ إيران في أسواق النفط العالمية إلى حدّ كبير على بقاء مضيق هرمز المنفذ الرئيسي لصادرات الخليج. ويوفّر خط الأنابيب السعودي إلى البحر الأحمر والخط الإماراتي إلى الفجيرة مسارين جزئيين لتجاوز المضيق، لكن أياً منهما لا يستطيع أن يحلّ محلّه على النطاق المطلوب. وكل برميل يصل إلى البحر المتوسط عبر خط أنابيب هو برميل تفقد طهران قدرتها على احتجازه رهينة.

أما خسارة روسيا، فهي تجارية أكثر منها استراتيجية. فأي كميات إضافية من الخام أو المنتجات المكرّرة غير الروسية وغير الخاضعة للعقوبات تصل إلى المشترين الأوروبيين، سواء عبر خط أنابيب يمرّ ببانياس أو بواسطة ناقلات تنطلق من منافذ أخرى، تنتقص تدريجياً من حصة موسكو في السوق. ويشكّل بانياس أحد العوامل التي قد تسرّع هذا التراجع.

فمشاريع البنية التحتية بهذا الحجم تتطلب سنوات من التمويل والأعمال الهندسية والتوافق السياسي، وكثير منها لا يتجاوز مرحلة التخطيط.

لكن كل ذلك يبقى رهناً ببناء خط الأنابيب فعلاً. فمشاريع البنية التحتية بهذا الحجم تتطلب سنوات من التمويل والأعمال الهندسية والتوافق السياسي، وكثير منها لا يتجاوز مرحلة التخطيط. ثم إن أقوى الاستراتيجيات الجيوسياسية لا تستطيع إزالة مواطن الضعف المادية. فقد تُصلح خطوط الأنابيب خلال أيام، لكن الأضرار التي تلحق بمحطات التصدير والمصافي ومنشآت المعالجة قد تعطّل التدفقات أشهراً، بل سنوات.

كما تبيّن الحملة الأوكرانية على منشآت الطاقة الروسية والضربات الإيرانية على مجمّع رأس لفان للغاز الطبيعي المسال في قطر، والهجوم على الفجيرة، أن أخطر نقاط الاختناق تقع غالباً عند طرفي المنظومة لا على امتداد مسارها. ولن يكون ممر حديثة-بانياس (في حال إحيائه) بمنأى عن هذه المخاطر. قد يعزز الدعم الأميركي من فرص إنجاز المشروع، لكن قدرته على الصمود ستعتمد في النهاية على استمرار الدول التي يربط بينها في تقاسم مصلحة مشتركة في حمايته.

المواضيع ذات الصلة