أكبر الرابحين، وأكبر الخاسرين
في حال أفضت مذكرة التفاهم العراقية-السورية إلى إنجاز خط حديثة-بانياس بما يتيح نقل الخام من كركوك والبصرة معاً، ستكون بغداد المستفيد الأوضح. فاستراتيجية العراق التصديرية تشكّلت على مدى عقود تحت وطأة الارتهان، سواء للخليج أو لتركيا أو للقيود السياسية المرتبطة بكل مسار عبور على حدة. ويسعى خط البصرة-حديثة الرئيسي إلى قلب هذا المنطق.
غير أن التاريخ يفرض قدراً من الحذر. فإن كلّ حل سابق لمعضلة عبور النفط العراقي، من فرع حيفا وخط طرابلس وصولاً إلى جيهان نفسه بعد تحكيم عام 2023، تحوّل في نهاية المطاف إلى موطن ضعف جديد ومصدر جديد للارتهان. فتنويع المسارات يزيد عدد الخيارات، لكنه لم ينجح يوماً في إنهاء انكشاف بغداد، بل اقتصر أثره على نقل هذا الانكشاف من موقع إلى آخر، وتغيير الطرف الذي يملك ورقة الضغط.
وقد تستفيد سوريا بدورها من إحياء خط بانياس، والذي سيعيد قيمة اقتصادية إلى بنية تحتية بقيت دون طاقتها لعقود، كما يعزّز عودة دمشق التدريجية إلى شبكات الطاقة الإقليمية. بدأت هذه العملية بالفعل مع تصدير سوريا كميات متزايدة من المنتجات النفطية العراقية خلال العام الجاري.
أما الولايات المتحدة فستجني هي الأخرى مكاسب واضحة. إذ تحتل الشركات الأميركية موقعاً مركزياً في استراتيجية التصدير العراقية في طور تشكّلها، فيما يخدم المشروع مساعي واشنطن الأوسع لإعادة دمج سوريا اقتصادياً والمساهمة في استقرار العراق وسوريا.
كانت شركة شيفرون قد حصلت في شباط على حقوق حصرية للتفاوض بشأن حقل غرب القرنة 2 في العراق، الذي تبلغ طاقته الإنتاجية 460 ألف برميل يومياً، بعدما وضعته الدولة العراقية تحت سيطرتها إثر انسحاب شركة «لوك أويل» الخاضعة للعقوبات. وتتفاوض شيفرون حالياً على مذكرات تفاهم تتعلق بهذا الحقل وبحقل الناصرية الأصغر الذي تبلغ طاقته 90 ألف برميل يومياً، فيما تقود أيضاً الائتلاف الذي يدرس مقترحات نقل خام البصرة عبر حديثة إلى سوريا أو تركيا.
ويجسّد موقع تركيا طبيعة هذا التحوّل. للوهلة الأولى يبدو أن إحياء ممر بانياس يهدّد مشروع جيهان عبر توفير منفذ منافس على البحر المتوسط. غير أن مقترحات أنقرة نفسها تكشف واقعاً أكثر تعقيداً. فتركيا لم تعد تسعى فقط إلى حماية خط كركوك-جيهان القائم، بل تطمح إلى تمديد الشبكة جنوباً نحو البصرة لاستقطاب النمو المستقبلي في الإنتاج بدلاً من الاكتفاء بالكميات المتراجعة القادمة من الشمال.
وإذا نجح هذا الطموح، فقد تنقل تركيا في نهاية المطاف كميات من الخام العراقي تفوق ما كانت تنقله سابقاً، حتى وإن خسرت جانباً من ورقة الضغط الحصرية التي تمتعت بها. ويتمثل التحدي بالنسبة إلى أنقرة في الانتقال من كونها مسار العبور الذي لا غنى للعراق عنه إلى أن تصبح المسار الذي يفضّله.
ويشكّل دخول شركة النفط التركية «TPAO» شريكاً في ائتلاف كركوك الذي تقوده «BP» مؤشراً مبكراً إلى هذا التكيّف. فمن خلال امتلاك حصة مباشرة في إنتاج النفط نفسه، تضمن تركيا لنفسها منفعة أياً يكن مسار التصدير الذي تختاره بغداد لاحقاً.
في المقابل، تواجه حكومة إقليم كردستان مستقبلاً أكثر صعوبة. حيث أن بغداد لا تسعى إلى إلغاء الصادرات الكردية، بل إلى تقليص أهميتها الاستراتيجية ضمن منظومة التصدير العراقية ككل. ومع تولّي إنتاج البصرة بصورة متزايدة توفير الكميات اللازمة لملء خطوط الأنابيب الشمالية، يواجه النفط الكردي خطر التحوّل من عنصر أساسي إلى مصدر تكميلي. وقد تظلّ أربيل طرفاً مهماً في صادرات الطاقة العراقية، لكن ضمن نظام اتحادي يتمتع بهامش من المرونة يفوق بكثير ما كان يملكه في السابق.
أما إقليمياً ودولياً، ستكون إيران وروسيا أكبر الخاسرين من اتساع خيارات التصدير العراقية، وإن بدرجات مختلفة. إذ يعتمد نفوذ إيران في أسواق النفط العالمية إلى حدّ كبير على بقاء مضيق هرمز المنفذ الرئيسي لصادرات الخليج. ويوفّر خط الأنابيب السعودي إلى البحر الأحمر والخط الإماراتي إلى الفجيرة مسارين جزئيين لتجاوز المضيق، لكن أياً منهما لا يستطيع أن يحلّ محلّه على النطاق المطلوب. وكل برميل يصل إلى البحر المتوسط عبر خط أنابيب هو برميل تفقد طهران قدرتها على احتجازه رهينة.
أما خسارة روسيا، فهي تجارية أكثر منها استراتيجية. فأي كميات إضافية من الخام أو المنتجات المكرّرة غير الروسية وغير الخاضعة للعقوبات تصل إلى المشترين الأوروبيين، سواء عبر خط أنابيب يمرّ ببانياس أو بواسطة ناقلات تنطلق من منافذ أخرى، تنتقص تدريجياً من حصة موسكو في السوق. ويشكّل بانياس أحد العوامل التي قد تسرّع هذا التراجع.