إن النظام الثنائي الذي حكم لبنان لعقود – الميليشيا والمافيا – يترنّح اليوم، ما يتيح للقوى التقدمية فرصةً للدفع نحو الإصلاح الفعلي. إلّا أنّ هذه اللحظة المواتية قصيرة، والفشل في اغتنامها قد يرسّخ هيمنة القوى الممعِنة في الفساد لسنوات مقبلة.
لطالما استندت ميليشيا حزب الله إلى ترسانتها واستخدام القوة العسكرية لترسيخ نفوذها المفرط في السياسة اللبنانية. في المقابل استخدمت النخب الكليبتوقراطية – أي التحالف السياسي-المصرفي – قبضتها “الكارتلية” على التجارة واستيلاءها على مؤسسات الدولة لنهب الموارد العامة. وعلى مدى عقود ظلّ المعسكران، المتنافسَان حيناً والمتعاونان حيناً آخر، عائقاً أمام إصلاح الحوكمة وعامل تثبيط للجهود الرامية لتعزيز الشفافية والمساءلة في صناعة القرار.
كما أن الانهيار المالي عام 2019 وتداعياته المتواصلة قد عرّى النخب المصرفية-السياسية وأظهرها على حقيقتها، وأضعف قبضتها على البلاد وأسهم في ولادة ما عُرف بـ«حركة التغيير» التي أوصلت 13 نائباً من خارج الاصطفافات التقليدية إلى البرلمان في انتخابات 2022. وبالمثل تركت الحرب الأخيرة مع إسرائيل حزب الله في موقع متراجع، فيما أخذ الجيش اللبناني يخطو خطوات ملموسة لحصر السلاح بيد الدولة.
ومع اقتراب الانتخابات النيابية لعام 2026، لا بدّ للقوى التقدمية من فرض حضورها بقوة داخل العملية السياسية. ويتطلّب ذلك تقييم إخفاقاتها ونجاحاتها منذ 2022 وتوظيف هذه الخبرات لتوسيع صداها لدى الرأي العام وزيادة تمثيلها في البرلمان المقبل بما يتيح مواصلة كسر قبضة الثنائية الحاكمة. أمّا الفشل في ذلك فيفتح الباب أمام عودة النخب المصرفية-السياسية لملء الفراغ الذي قد يخلّفه حزب الله، وتثبيت الطبقة الكليبتوقراطية في السلطة من جديد.
وقد بدأت هجمات مافيا النخبة على القوى التقدمية في لبنان. فقد تصدَّر المصرفي اللبناني أنطون صحناوي ووسائل الإعلام التابعة له، وفي مقدمتها قناة «إم تي في»، حملاتٍ تشهيرية تستهدف منصات إعلامية مستقلة مثل «درج» و«ميغافون» ومنظمة «كلنا إرادة» وقائمة طويلة من الأصوات المستقلة بما فيها البديل | معهد السياسة البديلة، في محاولة لتوجيه الخطاب العام لصالح النخبة المالية. ومع أنّ لبنان يواصل مفاوضاته مع كبار المانحين للخروج من أزمته الاقتصادية، وعلى رأسهم صندوق النقد الدولي الذي يضغط بدوره من أجل الشفافية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع، يبقى ملف إعادة إحياء الاقتصاد السياسي مغيّباً بشكل لافت ومريب.
في مواجهة هذه الهجمات تُشكّل حكومة رئيس الوزراء سلام الجديدة، بموقفها الواضح تجاه بناء الدولة، قوةً مضادةً ينبغي أن تُقرأ كفرصة يتوجّب على القوى التقدمية استغلالها لتوسيع حضورها في الساحة السياسية. ورغم سلسلة الخيبات الماضية والتحديات التنظيمية واللوجستية القائمة، فإنّ الركون إلى اليأس أو البقاء على هامش المعركة في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان ليس خياراً ممكناً، وإلاّ حُكم على الجيل القادم بأن يواصل العيش في ظلّ الإهانة والظلم.
ما بعد 2022: أين أصاب التقدميون وأين أخطأوا؟
تمكّنت الحركات المستقلة، التي ورثت الزخم الذي أشعلته انتفاضة 2019، من تحقيق اختراقات مهمّة داخل نظام المحاصصة المحكم الذي تحتكره الأحزاب التقليدية.
أولًا، كشف المناهضون للمنظومة عن هشاشة سياسية كبيرة لدى حلفاء حزب الله. ففي انتخابات 2022 فاز المرشحان المستقلان فراس حمدان وإلياس جرادة بالمقعدين المخصّصين لطائفتيهما في دائرة الجنوب الثالثة، مُطيحين بالمرشح المدعوم من حركة أمل وحزب الله، المصرفي مروان خير الدين، وبمرشح الحزب السوري القومي الاجتماعي أسعد حردان، أحد أبرز حلفاء الحزب. وفي دائرة الشوف-عاليه نجح المرشح المستقل مارك ضو في إزاحة طلال أرسلان رئيس الحزب الديمقراطي اللبناني وأحد أبرز حلفاء حزب الله.
