دُفعت ميزانية لبنان لعام 2026 على عجل عبر البرلمان في اللحظات الأخيرة من المهلة الدستورية، وروّج لها بوصفها دليلاً على «الانضباط»، بل وحتى على أنها «ميزانية متوازنة». غير أن الأرقام تُخفي واقعاً مألوفاً: نموذج إيرادات رجعي، وتطبيقاً انتقائياً للقوانين على قطاعات ريعية، ونقاطاً عمياء مالية كبرى. وبينما كان المتظاهرون يتجمعون خارج البرلمان، مرّ التصويت. لكن دلالة هذه الميزانية لا تتحدد بما تدّعي إنجازه بقدر ما تتحدد بما تستبعده.

على الورق، تُظهر الميزانية زيادة بنحو 20% في الإيرادات مقارنةً بعام 2025، من حوالى 4.97 مليارات دولار إلى 5.97 مليارات دولار. وسارع صانعو السياسات إلى إبراز هذا التحسن في الرقم الإجمالي، وإلى الترويج لفكرة «الميزانية المتوازنة». إلا أن مثل هذه القراءات تحجب الخيارات السياسية المضمرة داخل الأرقام: من يدفع، ومن يُحمى، وأي إنفاق يُترك خارج الحسابات. كذلك، لا يزال الإنفاق عند مستوى يقارب ثلث ما كان عليه قبل أزمة 2019، في ما يذكّر بمدى ابتعاد لبنان عن أي إطار فعلي للتعافي.
ومن دون إصلاح شامل للقطاع العام، وإصلاح النظام الضريبي وإعادة هيكلة للدين وإعادة توجيه لأولويات الإنفاق، تبقى الميزانية إجراءً مُسكّناً، وهو أقرب إلى تمرين محاسبي منه أداة للتعافي المالي.
إيرادات تنازلية
تشكّل الضرائب الحصة الساحقة من الإيرادات (83%). ومع ذلك يعامل النظام الضريبي المليونير والعامل العادي على نحو شبه متطابق. ولا تزال ضريبة القيمة المضافة المصدر الأكبر للإيرادات الضريبية، فيما تتحمّل الرسوم والضرائب غير المباشرة العبء الأساسي. تولّد ضريبة القيمة المضافة والرسوم الانتقائية بمجموعها أكثر من ضعفي الإيرادات المتأتية من ضرائب الدخل والأرباح ومكاسب رأس المال والعقارات مجتمعةً (47% من إجمالي الإيرادات مقابل 18%). وطالما أن الغالبية الساحقة من الضرائب تنازلية، سيبقى لبنان في طور تكريس اللامساواة وإعادة إنتاجها.
ولا يقلّ دلالةً عن ذلك النظر إلى من يقع عليهم عبء الضريبة. إذ لا تتضمن الميزانية أي إيرادات من قطاع المحاجر والكسّارات وهو قطاع ريعي سيّئ الصيت ومعروف بالاحتكار وإلحاق الضرر البيئي، والتمتع بحماية سياسية، وتُقدَّر مستحقاته المتراكمة على الدولة بأكثر من 3 مليارات دولار. كما تستبعد الميزانية تحصيل الرسوم على الأملاك البحرية المشيّدة بصورة غير قانونية، وهي بدورها رمز قديم للإفلات من العقاب والتطبيق الانتقائي للقانون، وكان من الممكن إدراجها ومعالجتها ضمن بنود الميزانية.
وقد أقرّ وزير المالية ياسين جابر في البرلمان بحجم هذين الإغفالين، مشيراً إلى تنسيق جارٍ بين وزارات الأشغال العامة والمالية والبيئة لبدء عمليات التحصيل ورصد المخالفات. غير أن ترجمة هذه الالتزامات المعلنة إلى إيرادات فعلية ومساءلة حقيقية تبقى موضع شك، لا سيما في ظل المصالح السياسية والمالية المتجذّرة التي تسعى إلى حماية هذه القطاعات، فضلاً عن حقيقة بقاء هذه البنود خارج مسار أساسي بقدر ميزانية الدولة نفسها.
في المقابل، يُسجَّل تحسّن في إنفاذ القوانين الضريبية. إذ أشار جابر إلى إحالة 200 قضية كبرى إلى النيابات العامة المالية بتهم تهرّب ضريبي تصل إلى مستوى غسل الأموال. وإذا ما استُكملت هذه الجهود واستُدامت، فقد تسهم في تعزيز قدرة الدولة على التحصيل، شرط ألا تُطبَّق بصورة انتقائية.
عادات مزمنة لا تموت
على صعيد الإنفاق، تواصل الميزانية عكس بنية إنفاق مشوّهة في لبنان. إذ يذهب أكثر من نصف النفقات الجارية إلى رواتب ومزايا القطاع العام، بنحو 3.1 مليارات دولار، من دون أي مؤشرات على الإصلاحات الموعودة لتحقيق تصحيح عادل لسلم الأجور. وبدلاً من ذلك، يبقى القطاع العام مثقلاً بالمحسوبية وضعف الإنتاجية، فيما تستمر اختلالات الأجور من دون معالجة.
ولا يزال الإنفاق الاجتماعي محدوداً. فقد خُصّص 55 مليون دولار لبرنامج «أمان» للتحويلات النقدية إلى الأسر التي تعيش تحت خط الفقر، و14 مليون دولار للبرنامج الوطني لذوي الإعاقة. إلا أن هذه المخصصات تبدو متواضعة في بلد يفتقر فيه نحو 80% من السكان إلى تغطية صحية كاملة أو يتمتعون بتغطية جزئية فقط. وفي هذا السياق تبقى المخصصات للرعاية الصحية (478 مليون دولار) أدنى بكثير من الحاجات الفعلية. أما الاستثمار (بجميع أشكاله) فلا يتجاوز 11% من إجمالي الإنفاق ما يكرّس أنماط إنفاق غير منتجة بدلاً من وضع أسس تعافٍ اقتصادي. هذا المستوى من التقشف يصبح موضع شك في الوقت الذي تتراكم فيه احتياطيات النقد الأجنبي في خزائن مصرف لبنان، والتي بلغت حتى اليوم نحو 12 مليار دولار.
بالتوازي، أطلقت الحكومة تعهدات علنية لمعالجة قضايا اجتماعية ملحّة من بينها بدلات معلمي المدارس الرسمية وتعويضات العسكريين المتقاعدين، وكلا الفئتين كانتا تحتجّان خارج البرلمان أثناء مناقشة الميزانية. غير أن هذه الالتزامات، والتي أُعلنت تحت ضغط الشارع، لا تجد لها مكاناً في البنية الرسمية للميزانية.
ولا ينبغي نسيان أن سلسلة الرتب والرواتب التي أُقرّت عام 2017 تحوّلت لاحقاً إلى أحد محرّكات الدين العام خلال انهيار عام 2019. فالمشكلة، آنذاك كما اليوم، لم تكن في تصحيح الأجور بحد ذاته، بل في قرارات اتُّخذت بدافع المصلحة السياسية لا المنطق المالي. ويخشى أن يتكرر النمط نفسه اليوم مع إبقاء الوعود ذات الطابع السياسي خارج الحسابات، حمايةً لنظام محسوبية أوليغارشي يتعامل مع الميزانية بمرونة حين تكون مصالحه على المحك.
التوازن المالي موجود، إذا تجاهلنا «الفيل في الغرفة»
خلف خطاب «الانضباط المالي»، هناك الكثير من الغموض في الميزانية بما يتعلق بالتزامات أساسية وثقيلة الكلفة.
أولاً، تتجاهل الميزانية التزامات كبيرة بالعملات الصعبة. فلا يزال لبنان يرزح تحت عبء ديون سندات اليوروبوند التي تتجاوز 12 مليار دولار والتي ما زالت تتراكم بفعل الفوائد. كما يَدين لبنان بأكثر من 1.5 مليار دولار للعراق لقاء شحنات الوقود التي قُدّمت خلال أزمة المحروقات. وإلى ذلك، تتجاهل الميزانية القروض والمساعدات المقدّمة من جهات دولية، بما في ذلك قروض من البنك الدولي تبلغ قيمتها نحو 1.8 مليار دولار وقابلة للزيادة. ومن خلال إبقاء هذه الالتزامات خارج الصورة المالية الأساسية، تُنتج الدولة ميزانية تبدو «سليمة» شكلياً، لكنها لا تعكس الميزانية الفعلية ولا الواقع الحقيقي للذمّة المالية.
ثانياً، أخفقت عملية إعداد الميزانية مرة أخرى في الامتثال للمادة 87 من الدستور، إذ لم تُصدر الحكومة قانوناً يفرض إقرار الحسابات الختامية للإنفاق السابق، وهو شرط جوهري لأي مساءلة مالية ذات معنى. وقد أُثيرت أيضاً اعتراضات إجرائية خلال جلسات البرلمان. إذ أشار تحليلات إلى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري قام بتلاوة الأرقام بسرعة والمصادقة عليها من دون إتاحة وقت كافٍ لأعضاء المجلس لتدقيقها، ما دفع عدداً منهم إلى مغادرة الجلسة احتجاجاً.
رعاية ملطفة
بناءً على ما سبق، يجب النظر إلى هذه الميزانية بكونها «طقساً» إجرائياً أكثر منها أداة جادّة للسياسة الوطنية. وقد تفتح تعهّدات وزير المالية ياسين جابر بملاحقة إيرادات قطاع المحاجر والكسّارات والأملاك البحرية باباً لتحويل النقاش نحو العدالة، ما إذا انتقلت هذه الملفات من مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ الفعلي. كما يمكن التراجع عن عناصر تنازلية قائمة من بينها إلغاء الإعفاءات الضريبية على العقارات الشاغرة تشمل أكثر من 380 ألف عقار جرى تحديدها. كذلك من شأن رقمنة الإدارة الضريبية وتوحيد الدخل الخاضع للضريبة وفرض ضرائب تصاعدية على الثروة أن يخفّف الاعتماد المفرط على ضريبة القيمة المضافة والرسوم.
غير أن هذه الإجراءات ستبقى ذات طابع «تلطيفي» في المحصلة ما لم تُدرج ضمن خطة تعافٍ أوسع. فالأزمة المالية في لبنان ليست مشكلة جداول حسابية، بل أزمة اقتصاد سياسي بامتياز. بالتالي يتطلّب أي مسار ذي صدقية إعادة هيكلة الدين العام وإصلاح حوكمة القطاع العام، والتحوّل من نموذج ريعي إلى مسار نموّ إنتاجي، بالتوازي مع منظومة حماية اجتماعية تحمي الفئات الأكثر هشاشة بدلاً من إعادة إنتاج اللامساواة. وهذا لم يحدث هذا العام. وما لم ينتقل النقاش من مجرّد الالتزام بالمهل الدستورية إلى التخطيط الفعلي للتعافي، ستبقى هذه الميزانية (كسابقاتها) طقساً من طقوس الحكم لا أداة للتغيير.
مروان عيسى زميل غير مقيم في البديل | معهد السياسات البديلة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن رأي الكاتب وحده، ولا تعكس بالضرورة آراء معهد السياسة البديلة أو فريق التحرير