عودة إلى الركام: اندفاع الاتحاد الأوروبي المتهوّر لترحيل اللاجئين السوريين

إنّ تغليب الحسابات السياسية على الحلول العملية لعودة اللاجئين السوريين هو نهج غير أخلاقي ويعود بالضرر على أوروبا نفسها.

9 كانون الثاني، 2026

تصطدم مساعي أوروبا لإعادة اللاجئين السوريين بواقع مرير، وهو أن سوريا غير جاهزة لاستقبالهم. بعد مرور أكثر من عام على هرب الديكتاتور بشار الأسد من البلاد، لا تزال عملية إعادة إعمار سوريا بطيئة للغاية، والانتقال السياسي الداخلي هش والمساعدات الدولية شحيحة.

في الوقت نفسه دفعت الشعبوية اليمينية المتصاعدة المشاعر المعادية للهجرة إلى صدارة أجندة السياسات في معظم أنحاء أوروبا. وسارعت الحكومات إلى إعلان مواقف متشددة مع إعطاء الأولوية للسرعة على حساب الجدوى، وللمصالح الداخلية على حساب الحلول المستدامة. وعدم التوافق بين ما هو ممكن وما هو مناسب يهدد بحصر اللاجئين في وضع قانوني غامض وتعميق عدم الاستقرار في سوريا، بما قد يعرقل العودة الطوعية التي تسعى إليها أوروبا.

الواقع غير مريح

من الحقائق التي لا يناسب الحكومات الأوروبية الاعتراف بها أن التحديات التي واجهتها في إدارة اللاجئين السوريين خلال الحرب الأهلية كانت هامشية نسبياً. ألمانيا، وهي الدولة الأوروبية التي استقبلت أكبر عدد من اللاجئين السوريين، استضافت أقل من مليون لاجئ. هذا الرقم ضئيل مقارنةً بجيران سوريا مثل تركيا ولبنان والأردن، الذين استقبلوا 3.7 مليون و1.5 مليون و 1.3 مليون على التوالي. أما داخل سوريا نفسها، فقد تسببت الحرب في نزوح ما يقرب من 7 ملايين شخص داخلياً.

يشير العائدون إلى البطالة، وارتفاع كلفة المعيشة، وتردّي البنية التحتية، وغياب الدعم بوصفها أبرز التحديات التي يواجهونها، فيما تُظهر بعض الاستطلاعات أنّ السوريين باتوا يقدّمون الهواجس الاقتصادية على الاعتبارات الأمنية.

على مدار العام الماضي، تدرج معدل عودة السوريين بشكل مماثل. فقد تمكن مليونا نازح داخلياً من العودة إلى منازلهم، وشهدت تركيا ولبنان والأردن عودة ما يقارب 500 ألف و380 ألف و170 ألف إلى بلادهم بحسب التقارير الأخيرة. في حين أفادت الحكومة الألمانية أن 1300 سوري فقط غادروا البلاد طواعيةً، أي ما يعادل 0.1% من إجمالي السوريين في ألمانيا. ومن اللافت أن استطلاع رأي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئينأ أظهر أن حوالي 3% فقط من السوريين في أوروبا يخططون للعودة على المدى القريب، بينما تشير تقارير وكالة اللجوء التابعة للاتحاد الأوروبي أن 6% فقط يعتزمون العودة قريباً، وثلثهم فقط على المدى الطويل.

هناك تحديات عديدة تمنع السوريين من العودة، أبرزها الدمار الذي خلفته الحرب في بلادهم. إذ يقدر البنك الدولي أن إعادة الإعمار المادي للبنية التحتية والمباني ستكلف حوالي 216 مليار دولار، وهو مبلغ سيستغرق حشده سنوات نظراً للانخفاض الحاد في التمويل الدولي. والخدمات العامة في سوريا مثل الرعاية الصحية وموارد المياه تعاني من ظروف كارثية. والكثير من السوريين يكافح اليوم لتأمين لقمة العيش، معتمدين على التحويلات المالية والمساعدات الإنسانية، أو يعيشون في فقر مدقع. حيث يشير العائدون إلى البطالة وارتفاع كلفة المعيشة وتردّي البنية التحتية، وغياب الدعم بوصفها أبرز التحديات التي يواجهونها، فيما تُظهر بعض الاستطلاعات أنّ السوريين باتوا يقدّمون الهواجس الاقتصادية على الاعتبارات الأمنية.

بمعزل عن خطاب بعض السياسيين الأوروبيين فإن سوريا لا تزال غير آمنة. شهدت البلاد موجات عنف كبرى في آذار وتمّوز، استهدفت بشكل أساسي الأقليات مثل العلويين والدروز، في حين تؤكد المجتمعات المحلية على عدم استقرار الوضع الأمني مثل القتال الدائر حالياً في المناطق الكردية. وحتى القوات الأمريكية التي تحارب داعش أصبحت مؤخراً مستهدفة إلى جانب القوات السورية. كما أن تفتت السيطرة، والذي تفاقم بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية في سوريا، يحد بشكل خطير من قدرة السلطات الجديدة على توفير الأمن والسعي لتحقيق إعادة التوحيد.

في ظل صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا، والموقف الأميركي شديد العدوانية تجاه الهجرة، يرى كثير من القادة السياسيين أنّ من الضروري سياسياً إظهار الحزم حيال ملف المهاجرين.

ثم هناك مشكلة الثقة. رغم تحسن التصورات الأمنية خلال الأشهر الستة الماضية، إلا أن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الثقة بحكومة الرئيس السوري أحمد الشرع تتراجع، وسط تصاعد الاستقطاب السياسي وتنامي السياسات القائمة على الهوية. حيث باتت الشرعية تستمد من الولاء للسلطة المؤقتة أكثر من الإجماع العام أو الأداء الاقتصادي. هذا التآكل في الشرعية يقوض مصداقية الحكومة ويزيد المخاوف بشأن الشفافية في صنع القرار وتوزّع السلطة السياسية.

في حين يدرك السوريون أن إعادة الإعمار ستستغرق وقتاً إلا أنهم يبدون رغبة في المساهمة فيها. لكن عدم اليقين بشأن المستقبل يثير الشكوك عن الكثير. وبينما حظيت جهود الشرع لكسب تأييد المجتمع الدولي باهتمام كبير، إلا أن التحدي السياسي الأكبر الذي يواجهه هو الحظي بثقة السوريين الذين يفكرون في العودة، وطمأنتهم بأنهم لم يستبدلوا دكتاتوراً بآخر.

تغليب الاعتبارات الظرفية على السياسات

يدرك المسؤولون الأوروبيون المطلعون على الوضع السوري أن الظروف على الأرض لا تهيّئ لعودة مستدامة. . فعندما زار وزير الخارجية الألماني يوهان فادهفول سوريا في تشرين الأول قال إن الوقت ما زال مبكراً لعودة الناس وإن البلاد ليست آمنة بعد. غير أنّ التقييم الواقعي الذي قدّمه فادهفول لم يكن مما يرغب زملاؤه في تقبّله، إذ أثارت تصريحاته عاصفة سياسية داخل ألمانيا دفعت المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى التأكيد على أنّ العودة الطوعية باتت وشيكة.

في ظل صعود الأحزاب اليمينية في أوروبا، والموقف الأميركي شديد العدوانية تجاه الهجرة، يرى كثير من القادة السياسيين أنّ من الضروري سياسياً إظهار الحزم حيال ملف المهاجرين. تجلّت هذه الدينامية بوضوح بعد وقت قصير من سقوط بشار الأسد حين قامت حكومات أوروبية مثل النمسا وألمانيا وبريطانيا بتعليق طلبات اللجوء المقدمة من السوريين ولوّحت ببدء عمليات الترحيل، بحجّة أنّ زوال الديكتاتور يعني أنّ السوريين لم يعودوا بحاجة إلى الحماية في أوروبا.

تعثّر العديد من هذه الجهود المتسرّعة وسوء التقدير. فقد أعلنت ألمانيا على سبيل المثال اتباع نهج «صارم للغاية»  في ضبط الحدود وإجراءات اللجوء وعمليات الترحيل، شملت مراجعة وضع الحماية الممنوح للسوريين على أساس كل حالة على حدة، غير أنّه من أصل نحو 17 ألف مراجعة أُجريت حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تؤدِّ سوى أقل من 600 حالة (نحو 3.5%) إلى سحب الحماية. وفي بريطانيا أُلغي مخطط ترحيل المهاجرين إلى رواندا بعدما تبيّن أنّه كارثة مالية، فيما قضت محكمة إيطالية بعدم قانونية اتفاق إيطاليا القاضي بنقل المهاجرين إلى ألبانيا. وعلى مستوى الاتحاد الأوروبي، أصدرت الدول الأعضاء أعداداً متزايدة من أوامر الترحيل إلا أنّ نحو 20% فقط من المعنيين امتثلوا لها فعلياً، ما أبقى معدلات الإعادة عند مستويات متدنّية. بالتوازي، تعرض دول الأوروبية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين مساعدات نقدية لمن يرغب في العودة الطوعية. ومع ذلك، فإن العائدين السوريين يؤكدون أنّ هذه المنح ضئيلة للغاية ولا تكفي لتمكينهم من البقاء أو إعالة أسرهم بعد العودة إلى سوريا.

لا تكمن المشكلة الجوهرية لأوروبا في عدد اللاجئين الذين تستضيفهم، بل في الفجوة الواسعة بين ما يعد به السياسيون الأوروبيون وما تستطيع سوريا أن توفّره فعلياً.

يحاول صانعو السياسات الأوروبيون اليوم تغيير القواعد عبر توسيع قائمة «بلدان المنشأ الآمنة» وتسعى بعض الحكومات إلى توجيه طالبي اللجوء نحو دول ثالثة تُصنَّف على أنّها «آمنة» حتى في حال عدم وجود روابط حقيقية للمهاجرين فيها. بل إن بعض الحكومات، بما فيها بريطانيا والدنمارك، تقوم بذلك. تحاول إعادة فتح النقاش حول صلاحيات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي لديها سجل طويل في الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين (وحقوق الأوروبيين أنفسهم). ومن المرجح أن تُؤدي هذه التغييرات إلى ازدهار شبكات تهريب البشر وزيادة حالات تفكك الأسر، وتآكل الحماية المقدمة للفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك السوريون المقيمون في الاتحاد الأوروبي.

الطريق إلى حلّ مستدام لقضية اللاجئين

لا تكمن المشكلة الجوهرية لأوروبا في عدد اللاجئين الذين تستضيفهم، بل في الفجوة الواسعة بين ما يعد به السياسيون الأوروبيون وما تستطيع سوريا أن توفّره فعلياً. وإذا كانت أوروبا جادّة في تسهيل العودة فعليها أن تُقرّ بأن ذلك يقتضي جعل سوريا قابلة للحياة من جديد. وهذا بدوره يتطلّب حزمة شاملة من إجراءات الدعم تشمل سبل العيش وفرص العمل والبنية التحتية وحقوق الملكية والأراضي والسلامة والحماية، وإتاحة معلومات موثوقة عن الوضع في سوريا يتم تقديمها بصورة ذات مصداقية لمن يقررون العودة.

ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يعمل بشكل أوثق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لمراقبة الأوضاع في مختلف أنحاء سوريا ومشاركة معلومات دقيقة مع من يفكّرون في العودة. ومن الإجراءات العملية الأخرى أن تُيسّر الدول الأوروبية ما يسمى زيارات «اذهب وانظر» لحاملي صفة اللجوء السوري من أوروبا، مع ضمان حقهم في العودة إلى أوروبا إذا اختاروا ذلك. ومع تعافي الاقتصاد السوري يحتاج العائدون إلى دعم مالي كبير، في حين على الاتحاد الأوروبي أيضاً العمل مع دمشق لتعزيز الاعتماد الاقتصادي على الذات وتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص التعليم، وإتاحة هامش سياسي واسع للمجتمع المدني.

وفي حين يمكن للانخراط الدولي أن يساعد السلطات السورية الجديدة على معالجة فجوة الشرعية، على المجتمع الدولي منع تحوّل المبادرات الاقتصادية الكبرى إلى منافع مركّزة بيد نخبة ضيّقة، كما حدث في تجربة إعادة إعمار لبنان. بل يجب أن تُصمَّم قروض التعافي وبرامجه لدعم الاقتصاد السوري على على المستوى الضيق والمحلي ومع الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تسهم تبادلاتها الاقتصادية المحلية في إعادة وصل بلد مزّقته الانقسامات.

الأهمّ من ذلك، على دول الاتحاد الأوروبي ألا تنزلق إلى تغيير القواعد وأن تحترم مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة الأشخاص إلى أماكن يواجهون فيها خطراً حقيقياً بالتعرّض للأذى. إنّ سياسة الضغط للعودة فورية أو ممارسات الإعادة القسرية ليست قادرة على تحفيز عودات مستدامة، بل قد ترتدّ سلباً على جميع السياسيين عدا اليمين المتطرف. فعلى الرغم من التعقيدات السياسية المحيطة بملف الهجرة في أوروبا، تحتاج الحكومات إلى إدارة وتيرة واقعية للعودة مع إبقاء المسارات القانونية مفتوحة أمام السوريين بما في ذلك استئناف إجراءات اللجوء، وتوسيع برامج إعادة التوطين وغيرها من قنوات الهجرة النظامية، وضمان لمّ شمل الأسر. قد تكون هذه السياسات غير مريحة سياسياً، لكنها السبيل الواقعي الوحيد لإدارة عودة اللاجئين بصورة مستدامة، مع الإقرار بأنّ مشكلات سوريا لن تختفي لمجرّد مغادرة أبنائها للقارة الأوروبية.

كيلي بيتيلو باحثة متخصّصة في قضايا اللجوء والعمل الإنساني وفي العلاقات الأوروبية–الشرق أوسطية وشمال أفريقيا (Euro-MENA). كما تشغل منصب مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

الآراء الواردة هنا تعبّر حصراً عن رأي الكاتبة، ولا تعكس بالضرورة مواقف البديل | معهد السياسات البديلة أو فريقه التحريري.

المواضيع ذات الصلة