يحاول صانعو السياسات الأوروبيون اليوم تغيير القواعد عبر توسيع قائمة «بلدان المنشأ الآمنة» وتسعى بعض الحكومات إلى توجيه طالبي اللجوء نحو دول ثالثة تُصنَّف على أنّها «آمنة» حتى في حال عدم وجود روابط حقيقية للمهاجرين فيها. بل إن بعض الحكومات، بما فيها بريطانيا والدنمارك، تقوم بذلك. تحاول إعادة فتح النقاش حول صلاحيات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان والتي لديها سجل طويل في الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين (وحقوق الأوروبيين أنفسهم). ومن المرجح أن تُؤدي هذه التغييرات إلى ازدهار شبكات تهريب البشر وزيادة حالات تفكك الأسر، وتآكل الحماية المقدمة للفئات الأكثر هشاشة، بما في ذلك السوريون المقيمون في الاتحاد الأوروبي.
الطريق إلى حلّ مستدام لقضية اللاجئين
لا تكمن المشكلة الجوهرية لأوروبا في عدد اللاجئين الذين تستضيفهم، بل في الفجوة الواسعة بين ما يعد به السياسيون الأوروبيون وما تستطيع سوريا أن توفّره فعلياً. وإذا كانت أوروبا جادّة في تسهيل العودة فعليها أن تُقرّ بأن ذلك يقتضي جعل سوريا قابلة للحياة من جديد. وهذا بدوره يتطلّب حزمة شاملة من إجراءات الدعم تشمل سبل العيش وفرص العمل والبنية التحتية وحقوق الملكية والأراضي والسلامة والحماية، وإتاحة معلومات موثوقة عن الوضع في سوريا يتم تقديمها بصورة ذات مصداقية لمن يقررون العودة.
ويمكن للاتحاد الأوروبي أن يعمل بشكل أوثق مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لمراقبة الأوضاع في مختلف أنحاء سوريا ومشاركة معلومات دقيقة مع من يفكّرون في العودة. ومن الإجراءات العملية الأخرى أن تُيسّر الدول الأوروبية ما يسمى زيارات «اذهب وانظر» لحاملي صفة اللجوء السوري من أوروبا، مع ضمان حقهم في العودة إلى أوروبا إذا اختاروا ذلك. ومع تعافي الاقتصاد السوري يحتاج العائدون إلى دعم مالي كبير، في حين على الاتحاد الأوروبي أيضاً العمل مع دمشق لتعزيز الاعتماد الاقتصادي على الذات وتوسيع الوصول إلى الخدمات الأساسية وفرص التعليم، وإتاحة هامش سياسي واسع للمجتمع المدني.
وفي حين يمكن للانخراط الدولي أن يساعد السلطات السورية الجديدة على معالجة فجوة الشرعية، على المجتمع الدولي منع تحوّل المبادرات الاقتصادية الكبرى إلى منافع مركّزة بيد نخبة ضيّقة، كما حدث في تجربة إعادة إعمار لبنان. بل يجب أن تُصمَّم قروض التعافي وبرامجه لدعم الاقتصاد السوري على على المستوى الضيق والمحلي ومع الشركات الصغيرة والمتوسطة، والتي تسهم تبادلاتها الاقتصادية المحلية في إعادة وصل بلد مزّقته الانقسامات.
الأهمّ من ذلك، على دول الاتحاد الأوروبي ألا تنزلق إلى تغيير القواعد وأن تحترم مبدأ عدم الإعادة القسرية الذي يحظر إعادة الأشخاص إلى أماكن يواجهون فيها خطراً حقيقياً بالتعرّض للأذى. إنّ سياسة الضغط للعودة فورية أو ممارسات الإعادة القسرية ليست قادرة على تحفيز عودات مستدامة، بل قد ترتدّ سلباً على جميع السياسيين عدا اليمين المتطرف. فعلى الرغم من التعقيدات السياسية المحيطة بملف الهجرة في أوروبا، تحتاج الحكومات إلى إدارة وتيرة واقعية للعودة مع إبقاء المسارات القانونية مفتوحة أمام السوريين بما في ذلك استئناف إجراءات اللجوء، وتوسيع برامج إعادة التوطين وغيرها من قنوات الهجرة النظامية، وضمان لمّ شمل الأسر. قد تكون هذه السياسات غير مريحة سياسياً، لكنها السبيل الواقعي الوحيد لإدارة عودة اللاجئين بصورة مستدامة، مع الإقرار بأنّ مشكلات سوريا لن تختفي لمجرّد مغادرة أبنائها للقارة الأوروبية.
كيلي بيتيلو باحثة متخصّصة في قضايا اللجوء والعمل الإنساني وفي العلاقات الأوروبية–الشرق أوسطية وشمال أفريقيا (Euro-MENA). كما تشغل منصب مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالإنابة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.
الآراء الواردة هنا تعبّر حصراً عن رأي الكاتبة، ولا تعكس بالضرورة مواقف البديل | معهد السياسات البديلة أو فريقه التحريري.