معضلة القوى المتوسطة
تجربة فرنسا في لبنان لها أهمية خاصة، لأنّها تتمتع بإمكانات استثنائية قياساً إلى قوة متوسطة: فهي دولة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن، ولها حضور عسكري في لبنان وانخراط عميق في مؤسساته. وبالتالي فإن استبعادها اليوم يشير إلى تحوّل أوسع في الدبلوماسية الإقليمية والدولية، إذ باتت المفاوضات المؤثرة تُحصر في قنوات ضيّقة تتحكم بها الأطراف الأقوى، بصرف النظر عن المكانة المؤسسية أو النفوذ المتراكم للجهات المستبعدة منها.
هذا التضييق في المسارات الدبلوماسية له خطورة خاصة، لا سيّما حين تكون القوة العسكرية هي التي تفرض الشروط التي تبدأ على أساسها الدبلوماسية. ففي لبنان، وسّعت إسرائيل مساحة الأراضي التي تسيطر عليها في الجنوب، ونشرت خريطة جديدة قبل بدء المحادثات. ولم يعد النقاش يدور حول انسحاب فوري بل حول المناطق التي يمكن أن تُسلَّم لاحقاً إلى الجيش اللبناني.
تكرّر النمط نفسه في سوريا، حيث استولت إسرائيل على أراضٍ عقب سقوط نظام الأسد ثم استخدمت المواقع التي سيطرت عليها أوراق ضغط في المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، بالتوازي مع ضغطها على دمشق للقبول بمنطقة واسعة منزوعة السلاح. وبحلول الوقت الذي تستجيب فيه المؤسسات الدولية أو تتشكّل فيه التحالفات، سيكون ميزان القوى قد تبدّل بشكل واضح.
هذه الديناميات تضع القوى المتوسطة أمام احتمال انحسار دورها تدريجياً. فقد تحتفظ هذه الدول بسفاراتها وميزانيات المساعدات والشراكات العسكرية والمصالح التي تملكها في الشركات ومقاعدها في المؤسسات متعددة الأطراف، لكن لا يُطلب منها التدخل إلا بعد إبرام الصفقة الحاسمة: لتمويل إعادة الإعمار أو لتدريب القوات الأمنية أو لمراقبة تنفيذ الاتفاق، أو عليها تحمّل كلفة عدم الاستقرار.
تبدو فرنسا بعد استبعادها من المفاوضات وكأنّها تحاول استعادة نفوذها من خلال الهوامش التي ما زالت متاحة حولها. ويجسّد مؤتمرها الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، والهادف إلى حشد الدعم للجيش اللبناني، هذا الطموح وحدوده في آن واحد. فقد أُعلن عن المؤتمر في آذار 2026 ثم أُرجئ إلى نيسان مع عودة الحرب إلى المنطقة، وبحلول تموز كانت باريس لا تزال تتعهّد بعقده «حالما تسمح الظروف بذلك». ويمنح دعم الجيش فرنسا مساراً غير مباشر للتأثير في التنفيذ، لكنّ التأجيل كشف الفجوة بين طموحات باريس وقدرتها على مجاراة تسارع الأحداث.
كما تسعى باريس إلى اكتساب حصة أكبر من النفوذ من خلال شراكاتها الإقليمية. فقد توثقت علاقاتها مع السعودية وقطر ومصر وتركيا، وهي دول تتشارك – رغم تضارب مصالحها – في القلق من الهيمنة إسرائيلية المطلقة على المشرق. ونسّق مسؤولون فرنسيون وسعوديون في ملفي الدعم العسكري ونزع السلاح، كما ترأست باريس والرياض بشكل مشترك جهود الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة، فيما ساهمت القاهرة في التحضير للمؤتمر الفرنسي المخصّص لدعم القوات الأمنية اللبنانية.
هذه العلاقات تتيح لفرنسا الوصول إلى قدرات مكمّلة لا تستطيع حشدها منفردة: أي الموارد المالية الخليجية والقنوات الدبلوماسية المصرية والتركية والنفوذ الإقليمي الأوسع. ومن خلال العمل عبر هذه الشراكات، قد تصبح باريس أقدر على الحفاظ على موقعها في المفاوضات التي تمسّ لبنان، وعلى الحدّ من استبعادها من أي تسوية إقليمية أشمل.
إلى جانب بناء التحالفات، تسعى باريس أيضاً إلى ضمان موطئ قدم لها في النظام السوري الناشئ. ففي ظل تنافس تركيا وإسرائيل ودول الخليج على رسم مستقبل البلاد، تقرن فرنسا تحركها الدبلوماسي بأصول تجارية ذات قيمة استراتيجية. وقد أبرزت زيارة ماكرون الأخيرة إلى دمشق، برفقة الرئيسين التنفيذيين لشركتي CMA CGM وTotalEnergies، هذا النهج.
وليست CMA CGM وافداً جديداً إلى سوريا. فقد حافظت على وجودها في مرفأ اللاذقية طوال الحرب الأهلية وسنوات حكم الأسد، حتى بعدما ارتبط المرفأ بشبكات النظام لتصدير الكبتاغون. ويمنح استمرار حضورها، ثم توسّعها في ظل السلطات الجديدة، شركةً شديدة الارتباط بالدولة الفرنسية موطئاً استراتيجياً يمتد من بيروت وطرابلس إلى اللاذقية. كما يضمن لباريس قناة إضافية للحفاظ على نفوذها الإقليمي، والبقاء كطرف فاعل في التطورات التي تؤثر في لبنان.
لبنان وحيداً، والعدالة أبعد منالاً
يزيد استبعاد فرنسا من الاتفاق الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة من عزلة لبنان. فمع إقصاء أحد الأطراف الخارجية القليلة القادرة على توسيع إطار المسار التفاوضي، لم يعد أمام لبنان سوى تعليق آماله على استعداد واشنطن لكبح أقرب حلفائها. وهو بات ملزماً بتنفيذ شروط لم يشارك في صياغتها، ومن دون وجود آلية مستقلة تضمن احترامها إذا أخلّت إسرائيل بالتزاماتها.
كما يهدّد انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بإزالة واحدة من الآليات القليلة القادرة على مراقبة الانتهاكات وتوثيقها. وقد اقترحت فرنسا وإيطاليا تشكيل قوة متعددة الجنسيات لمرحلة «ما بعد اليونيفيل» في مبادرة رحّبت بها السلطات اللبنانية. لكنّ جدواها ستتوقف على ما إذا كانت ستبصر النور فعلاً، وعلى ما إذا كانت ولايتها ستضمن استمرار رقابة دولية ذات معنى.