قواعد الدبلوماسية الجديدة في لبنان: فرنسا خارج اللعبة

تكشف المحادثات اللبنانية الإسرائيلية محدودية نفوذ باريس في نظام إقليمي يفرض الوقائع بالقوة.

في 14 تموز الجاري عاود الوفدان اللبناني والإسرائيلي الاجتماع في روما بوساطة أميركية، للشروع في تنفيذ الاتفاق الإطاري الذي وقّعه الجانبان في واشنطن في حزيران. غابت فرنسا عن هذا الاجتماع، مع أنّها لطالما لعبت دوراً أساسياً في مفاوضات وقف إطلاق النار، وكانت من أبرز الأطراف الدبلوماسية الفاعلة في لبنان.

ولم يكن هذا الغياب عارضاً. فقبل شهرين صرّح سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر بأنّ حكومته تعتزم «إبعاد الفرنسيين قدر الإمكان عن كلّ شيء تقريباً، لا سيّما عن مفاوضات السلام». وكان استبعاد فرنسا من هذا المسار لافتاً، في حين أن باريس، قبل أقلّ من عامين، ساهمت في التوصّل إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية في تشرين الثاني 2024 وضمنت لنفسها مقعداً في الآلية التي أُنشئت لمراقبة تنفيذه.

منذ استقلال لبنان عام 1943 سعت الحكومات الفرنسية المتعاقبة إلى الحفاظ على نفوذها في مستعمرتها السابقة، عبر ترسيخ حضور فرنسا في المؤسسات والآليات الدبلوماسية والترتيبات الأمنية المرتبطة بلبنان.

الصراع للبقاء على طاولة المفاوضات

يكتسب غياب فرنسا عن هذه الجولة من المفاوضات دلالة خاصة، إذ أن باريس أمضت عقوداً في محاولة لتفادي هذا النوع من التهميش. منذ استقلال لبنان عام 1943 سعت الحكومات الفرنسية المتعاقبة إلى الحفاظ على نفوذها في مستعمرتها السابقة، عبر ترسيخ حضور فرنسا في المؤسسات والآليات الدبلوماسية والترتيبات الأمنية المرتبطة بلبنان.

استندت هذه الاستراتيجية إلى ما وصفه الدبلوماسي الفرنسي السابق دينيس بوشار في حديث لـ«البديل» بأنّه «توجّه سياسي ثابت» نحو الحفاظ على علاقة مميّزة مع لبنان. ولطالما ارتبطت السياسة الفرنسية بحماية الطوائف المسيحية لكنّها اتّسعت بصورة ملحوظة في عهد الرئيس الفرنسي جاك شيراك، إذ ساهمت علاقته الوثيقة برئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، وهو سنّي، في إعادة توجيه باريس نحو التعامل مع النظام السياسي اللبناني بأكمله. كما نسجت فرنسا علاقات عمل مع القوى السياسية الشيعية. فقد صافح شيراك الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، فيما التقى به عدد من السفراء الفرنسيين على مرّ السنوات. وفي السياق نفسه حرص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، خلال إحدى زياراته إلى لبنان بعد عام 2020، على لقاء محمد رعد رئيس كتلة حزب الله النيابية. وكما قال بوشار: «لطالما قامت علاقة وثيقة بين السفير الفرنسي و”الرؤساء الثلاثة”» أي رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السنّي ورئيس مجلس النواب الشيعي، الذين تتوزّع بينهم سلطة الدولة.

برز الدور الفرنسي بوضوح خاص عام 1996 خلال عملية «عناقيد الغضب» التي شنّتها إسرائيل أثناء احتلالها السابق لجنوب لبنان. إذ أوفد شيراك وزير خارجيته للمساهمة في التوصّل إلى تفاهم، قبل أن تتولّى فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة ولبنان وسوريا وإسرائيل الرئاسة المشتركة لمجموعة المراقبة التي أُنشئت لاحقاً. ثم لعبت باريس دوراً محورياً في الجهود الدبلوماسية التي أنهت حرب عام 2006 مع إسرائيل، والتي تكرّست في قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. وقد دعا القرار، من بين أمور أخرى، إلى انتشار الجيش اللبناني في الجنوب وعزّز دور قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) على طول الشريط الحدودي.

وفي 2018 ربط مؤتمر «سيدر» لدعم الاقتصاد اللبناني، والذي استضافته فرنسا، تعهّدات بقيمة 11 مليار دولار بإصلاحات لم تنفّذ حكومة بيروت أي منها. كما رسّخت فرنسا نفوذها داخل قطاعات استراتيجية من الاقتصاد اللبناني. ففي العام نفسه، فاز ائتلاف تقوده شركة TotalEnergies الفرنسية متعددة الجنسيات بحقوق استكشاف أولى الرقع البحرية اللبنانية. وفي وقت لاحق استحوذت شركة الشحن العملاقة CMA CGM، والتي أسّستها عائلة سعادة الفرنسية اللبنانية، على محطة الحاويات في مرفأ طرابلس عام 2021 ثم على محطة الحاويات في مرفأ بيروت عام 2022. اوكان الرئيس التنفيذي للشركة، رودولف سعادة مقرّباً بشكل لافت من ماكرون ، فيما تحوّلت الشركة تدريجياً إلى ذراع استراتيجية للدولة الفرنسية.

ثم بعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020 زار ماكرون لبنان مرّتين خلال شهر واحد، والتقى قيادات سياسية من مختلف الاتجاهات وضغط عليها للقبول بخارطة طريق تدعمها فرنسا لتشكيل الحكومة وإجراء إصلاحات اقتصادية. هدفت «المبادرة الفرنسية» آنذاك إلى تكريس باريس بوصفها القوة الخارجية القادرة على كسر الجمود السياسي في لبنان وفتح الباب أمام الدعم الدولي، إلا أنّ هذه المساعي لم تحقق سوى نتائج محدودة.

الضربة القاضية الإسرائيلية

بدأ الخلاف بين إسرائيل وفرنسا يتفاقم في تشرين الأول 2024 حين دعا ماكرون إلى وقف تزويد إسرائيل بالأسلحة، في موقف ندّد به رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ثم أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 21 تشرين الثاني 2024 مذكرتَي توقيف بحق نتنياهو ووزير دفاعه السابق على خلفية ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة. وكانت فرنسا، بصفتها من الدول المؤسسة للمحكمة، ملزمة بتنفيذ المذكرتين، وأشارت بدايةً إلى استعدادها لذلك. عندها أعلنت إسرائيل أنّها لن تقبل بأي دور فرنسي في تنفيذ آلية وقف إطلاق النار التي كانت واشنطن تطرحها لإنهاء الحرب المستمرة منذ عام مع حزب الله، ما دامت باريس متمسكة بمذكرة التوقيف.

لكنّ ماكرون ونتنياهو تراجعا لاحقاً عن موقفيهما في إطار صفقة متبادلة وثّقتها وسائل إعلام فرنسية وإسرائيلية وأمريكية. إذ وافقت إسرائيل على انضمام فرنسا إلى لجنة وقف إطلاق النار، وفي غضون يوم واحد من دخول الاتفاق حيّز التنفيذ، «اكتشفت» وزارة الخارجية الفرنسية أنّ نتنياهو يتمتع بالحصانة بصفته رئيس حكومة دولة غير موقعة على نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. وأدانت منظمات حقوقية تراجع ماكرون عن موقفه وفنّد قانونيون الأساس الذي استند إليه.

بدا النفوذ الفرنسي داخل آلية وقف إطلاق النار واضحاً، على الورق على الأقل. فقد تراجعت إسرائيل عن مطلبها بفرض الاتفاق من جانب واحد، ووافقت على إحالة الخلافات إلى الهيئة التي ترأستها واشنطن وباريس. لكنّ العمليات العسكرية الإسرائيلية استمرت عملياً بإذن من واشنطن. ووثّقت اليونيفيل أكثر من 10 آلاف خرق إسرائيلي خلال فترة «وقف إطلاق النار»، أسفرت عن مقتل نحو 400 شخص وإصابة أكثر من 1,100 آخرين.

وحين دعت واشنطن إلى عقد محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في نيسان، كان الاعتراض الإسرائيلي على مشاركة فرنسا علنياً وقاطعاً.

إلا أن الخلافات بين فرنسا وإسرائيل استمرت في ملفات أخرى. فقد منعت باريس الشركات الإسرائيلية مرّتين من المشاركة في معارضها الدفاعية. وفي خريف 2025 قادت فرنسا والسعودية مساعي الدفع للاعتراف بدولة فلسطين في الأمم المتحدة. وبحلول ربيع 2026، وبعد رفض فرنسا السماح للطائرات التي تنقل أسلحة أميركية لاستخدامها في الحرب على إيران بعبور أجوائها، أوقفت إسرائيل بالكامل مشترياتها من الأسلحة الفرنسية.

ثم في تشرين الثاني 2025 نشرت وسائل إعلام لبنانية وكويتية تسريبات تفيد بأنّ إسرائيل تريد اختصار آلية وقف إطلاق النار إلى ثلاثة أطراف: رئيس أميركي، وإلى جانبه ممثلان عن لبنان وإسرائيل، مع استبعاد الممثل الفرنسي. ثم جاءت الحرب التالية لتعيد تشكيل المشهد بأكمله.

في 2 آذار 2026، أي بعد يومين من اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أطلق حزب الله النار على إسرائيل للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار عام 2024، فردّت إسرائيل بهجوم جوي وبري واسع على لبنان. وبحلول منتصف تموز، كانت وزارة الصحة اللبنانية قد أحصت مقتل 4,328 شخصاً وإصابة 12,229 آخرين منذ بدء التصعيد في آذار، فيما يزال أكثر من 412 ألف شخص نازحين.

وحين دعت واشنطن إلى عقد محادثات مباشرة بين لبنان وإسرائيل في نيسان، كان الاعتراض الإسرائيلي على مشاركة فرنسا علنياً وقاطعاً. ولم يبقَ لباريس سوى أن تشارك 18 دولة أخرى في توقيع بيان يدعو الطرفين إلى استثمار اللحظة الراهنة للتقدّم نحو اتفاق.

سحق التعددية

إن استبعاد فرنسا من مسار المفاوضات ليس فقط خلافاً دبلوماسياً بين طرفين، بل يعكس تحوّلاً أوسع في نهج الدولة الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول تعمّق بفعل الحروب التي أعقبته. إذ أن إسرائيل سعت إلى تحويل تفوقها العسكري إلى نظام إقليمي جديد عبر انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب واستخدام القوة لتغيير الوقائع على الأرض، ثم الاستفادة من نهج ترامب المنفلت من القواعد التقليدية في عقد الصفقات لترسيخ ميزان القوى الناشئ عنها. وفي لبنان تجلّى ذلك في الإبقاء على حرية التحرك العسكري وإضعاف القيود الخارجية ورفض الترتيبات التي قد تحدّ من هامش المناورة الإسرائيلي.

ويصعب التوفيق بين هذا النهج والمقاربة الفرنسية. باريس ما زالت تفضّل التوصّل إلى وقف إطلاق النار عبر التفاوض والإشراف متعدد الأطراف، وفرض قدر من الالتزامات المتبادلة بين الدول. وقد أثبتت هذه الأدوات، من مجلس الأمن الدولي إلى آليات المراقبة والتنسيق مع الشركاء الأوروبيين، محدودية فاعليتها في كثير من الأحيان، لكنّها تفرض قيوداً وتتيح حيزاً من الرقابة ترفضه إسرائيل. أمّا واشنطن فهي تتيح لإسرائيل مساراً أكثر ملاءمة، إذ ترتبط الإدارة الأميركية الحالية بعلاقة وثيقة استثنائياً مع نتنياهو وتبدي استعداداً أكبر بكثير لتبنّي المطالب الأمنية الإسرائيلية.

«يجد لبنان نفسه اليوم مضطراً إلى الدخول في مسار تفاوضي يواجه فيه إسرائيل وجهاً لوجه، من دون وسيط محايد.»

ويؤدي استبعاد فرنسا إلى إزاحة الطرف الذي كان يمكن أن يعترض على المطالب الإسرائيلية، أو يضغط من أجل التزامات متبادلة، أو يعيد المفاوضات إلى لغة السيادة اللبنانية والقانون الدولي والرقابة متعددة الأطراف.

بالنسبة لواشنطن، ينسجم هذا الإطار الأضيق مع رغبتها في إحكام السيطرة على الوساطة من خلال تفاوض مباشر وشخصي وقائم على المقايضة. ولا ترى واشنطن في الإطار متعدد الأطراف الذي تمثّله فرنسا ما يخدم نهجها القائم على الصفقات الثنائية.

أما الدولة اللبنانية فقد خلصت إلى استنتاج قاس: أثبت القانون الدولي طوال سنوات عجزه عن تقييد إسرائيل فيما يفتقر «أصدقاء» لبنان التقليديون (من فرنسا إلى دول الخليج) إلى النفوذ أو الإرادة اللازمين لردعها. وهكذا تبقى واشنطن، بوصفها راعية إسرائيل، الطرف الوحيد الذي تعتقد بيروت أنّه قادر على إجبار الجيش الإسرائيلي على الانسحاب. لكن، كما يقول كريم بيطار، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة القديس يوسف في بيروت، في حديثه لـ«البديل»: «يجد لبنان نفسه اليوم مضطراً إلى الدخول في مسار تفاوضي يواجه فيه إسرائيل وجهاً لوجه، من دون وسيط محايد.» وقد عبّر الرئيس اللبناني جوزاف عون بوضوح عن هذا القيد حين أعلن أنّ لبنان «لا يملك خياراً آخر».

فإن استبعاد فرنسا اليوم يشير إلى تحوّل أوسع في الدبلوماسية الإقليمية والدولية، إذ باتت المفاوضات المؤثرة تُحصر في قنوات ضيّقة تتحكم بها الأطراف الأقوى.

معضلة القوى المتوسطة

تجربة فرنسا في لبنان لها أهمية خاصة، لأنّها تتمتع بإمكانات استثنائية قياساً إلى قوة متوسطة: فهي دولة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن، ولها حضور عسكري في لبنان وانخراط عميق في مؤسساته. وبالتالي فإن استبعادها اليوم يشير إلى تحوّل أوسع في الدبلوماسية الإقليمية والدولية، إذ باتت المفاوضات المؤثرة تُحصر في قنوات ضيّقة تتحكم بها الأطراف الأقوى، بصرف النظر عن المكانة المؤسسية أو النفوذ المتراكم للجهات المستبعدة منها.

هذا التضييق في المسارات الدبلوماسية له خطورة خاصة، لا سيّما حين تكون القوة العسكرية هي التي تفرض الشروط التي تبدأ على أساسها الدبلوماسية. ففي لبنان، وسّعت إسرائيل مساحة الأراضي التي تسيطر عليها في الجنوب، ونشرت خريطة جديدة قبل بدء المحادثات. ولم يعد النقاش يدور حول انسحاب فوري بل حول المناطق التي يمكن أن تُسلَّم لاحقاً إلى الجيش اللبناني.

تكرّر النمط نفسه في سوريا، حيث استولت إسرائيل على أراضٍ عقب سقوط نظام الأسد ثم استخدمت المواقع التي سيطرت عليها أوراق ضغط في المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، بالتوازي مع ضغطها على دمشق للقبول بمنطقة واسعة منزوعة السلاح. وبحلول الوقت الذي تستجيب فيه المؤسسات الدولية أو تتشكّل فيه التحالفات، سيكون ميزان القوى قد تبدّل بشكل واضح.

هذه الديناميات تضع القوى المتوسطة أمام احتمال انحسار دورها تدريجياً. فقد تحتفظ هذه الدول بسفاراتها وميزانيات المساعدات والشراكات العسكرية والمصالح التي تملكها في الشركات ومقاعدها في المؤسسات متعددة الأطراف، لكن لا يُطلب منها التدخل إلا بعد إبرام الصفقة الحاسمة: لتمويل إعادة الإعمار أو لتدريب القوات الأمنية أو لمراقبة تنفيذ الاتفاق، أو عليها تحمّل كلفة عدم الاستقرار.

تبدو فرنسا بعد استبعادها من المفاوضات وكأنّها تحاول استعادة نفوذها من خلال الهوامش التي ما زالت متاحة حولها. ويجسّد مؤتمرها الذي حظي بتغطية إعلامية واسعة، والهادف إلى حشد الدعم للجيش اللبناني، هذا الطموح وحدوده في آن واحد. فقد أُعلن عن المؤتمر في آذار 2026 ثم أُرجئ إلى نيسان مع عودة الحرب إلى المنطقة، وبحلول تموز كانت باريس لا تزال تتعهّد بعقده «حالما تسمح الظروف بذلك». ويمنح دعم الجيش فرنسا مساراً غير مباشر للتأثير في التنفيذ، لكنّ التأجيل كشف الفجوة بين طموحات باريس وقدرتها على مجاراة تسارع الأحداث.

كما تسعى باريس إلى اكتساب حصة أكبر من النفوذ من خلال شراكاتها الإقليمية. فقد توثقت علاقاتها مع السعودية وقطر ومصر وتركيا، وهي دول تتشارك – رغم تضارب مصالحها – في القلق من الهيمنة إسرائيلية المطلقة على المشرق. ونسّق مسؤولون فرنسيون وسعوديون في ملفي الدعم العسكري ونزع السلاح، كما ترأست باريس والرياض بشكل مشترك جهود الاعتراف بفلسطين في الأمم المتحدة، فيما ساهمت القاهرة في التحضير للمؤتمر الفرنسي المخصّص لدعم القوات الأمنية اللبنانية.

هذه العلاقات تتيح لفرنسا الوصول إلى قدرات مكمّلة لا تستطيع حشدها منفردة: أي الموارد المالية الخليجية والقنوات الدبلوماسية المصرية والتركية والنفوذ الإقليمي الأوسع. ومن خلال العمل عبر هذه الشراكات، قد تصبح باريس أقدر على الحفاظ على موقعها في المفاوضات التي تمسّ لبنان، وعلى الحدّ من استبعادها من أي تسوية إقليمية أشمل.

إلى جانب بناء التحالفات، تسعى باريس أيضاً إلى ضمان موطئ قدم لها في النظام السوري الناشئ. ففي ظل تنافس تركيا وإسرائيل ودول الخليج على رسم مستقبل البلاد، تقرن فرنسا تحركها الدبلوماسي بأصول تجارية ذات قيمة استراتيجية. وقد أبرزت زيارة ماكرون الأخيرة إلى دمشق، برفقة الرئيسين التنفيذيين لشركتي CMA CGM وTotalEnergies، هذا النهج.

وليست CMA CGM وافداً جديداً إلى سوريا. فقد حافظت على وجودها في مرفأ اللاذقية طوال الحرب الأهلية وسنوات حكم الأسد، حتى بعدما ارتبط المرفأ بشبكات النظام لتصدير الكبتاغون. ويمنح استمرار حضورها، ثم توسّعها في ظل السلطات الجديدة، شركةً شديدة الارتباط بالدولة الفرنسية موطئاً استراتيجياً يمتد من بيروت وطرابلس إلى اللاذقية. كما يضمن لباريس قناة إضافية للحفاظ على نفوذها الإقليمي، والبقاء كطرف فاعل في التطورات التي تؤثر في لبنان.

لبنان وحيداً، والعدالة أبعد منالاً

يزيد استبعاد فرنسا من الاتفاق الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة من عزلة لبنان. فمع إقصاء أحد الأطراف الخارجية القليلة القادرة على توسيع إطار المسار التفاوضي، لم يعد أمام لبنان سوى تعليق آماله على استعداد واشنطن لكبح أقرب حلفائها. وهو بات ملزماً بتنفيذ شروط لم يشارك في صياغتها، ومن دون وجود آلية مستقلة تضمن احترامها إذا أخلّت إسرائيل بالتزاماتها.

كما يهدّد انسحاب قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بإزالة واحدة من الآليات القليلة القادرة على مراقبة الانتهاكات وتوثيقها. وقد اقترحت فرنسا وإيطاليا تشكيل قوة متعددة الجنسيات لمرحلة «ما بعد اليونيفيل» في مبادرة رحّبت بها السلطات اللبنانية. لكنّ جدواها ستتوقف على ما إذا كانت ستبصر النور فعلاً، وعلى ما إذا كانت ولايتها ستضمن استمرار رقابة دولية ذات معنى.

فالقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف لا يستطيعان إلغاء اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، لكنّهما يوفّران للدولة الأضعف حيزاً لتوثيق الانتهاكات وحشد الضغط الدولي، والسعي إلى المساءلة.

ومن دون رقابة مستقلة، يُرجّح أن يظل الاتفاق مساراً ثنائياً يستطيع فيه الطرف الأقوى أن يفرض ما يُعدّ التزاماً وما يُعدّ خرقاً. ولا تقتصر خطورة ذلك على الخسارة المباشرة لسبل الانتصاف القانوني، بل تمتد إلى إضعاف النظام متعدد الأطراف والدول التي تسعى إلى الحفاظ عليه، ومن بينها فرنسا.

ولفرنسا مصلحة في صون هذا النظام، لأنّ مقعدها الدائم في مجلس الأمن ودورها في المؤسسات الدولية وشبكاتها الدبلوماسية تمنحها داخله نفوذاً يفوق حجمها النسبي. لكنّ النظام نفسه أكثر ملاءمة للبنان أيضاً. فالقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف لا يستطيعان إلغاء اختلال ميزان القوى مع إسرائيل، لكنّهما يوفّران للدولة الأضعف حيزاً لتوثيق الانتهاكات وحشد الضغط الدولي، والسعي إلى المساءلة خارج مسار ثنائي يهيمن عليه الإكراه العسكري والنفوذ الأميركي.

ويزيد إطار الاتفاق الحالي من تحصين هذا المسار الثنائي في وجه الرقابة الخارجية، إذ تقيّد المادة 13 قدرة لبنان على مقاضاة إسرائيل أو الطعن في سلوكها أمام المحافل الدولية، مثل المحكمة الجنائية الدولية وهيئات الأمم المتحدة. وبذلك يصبح «الحوار» اللبناني الإسرائيلي أكثر عزلة عن بقية العالم.

يقول مصدر دبلوماسي رفيع لـ«البديل» إنّ التعليق المؤقت لهذه المسارات القانونية جاء نتيجة تهديدات أميركية بإخضاع لبنان لإجراءات أمام المحاكم الأميركية والكونغرس، على خلفية اتهامات مرتبطة بالإرهاب، بما في ذلك احتمال تصنيفه دولة راعية للإرهاب. وبالنظر إلى حجم الدمار الذي لحق بأرواح اللبنانيين وأراضيهم وبناهم التحتية، بات انضمام لبنان إلى المحكمة الجنائية الدولية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، لأنّ الحفاظ على حق الوصول إلى الآليات القانونية الدولية لم يعد مسألة هامشية.

الخلاصة بالنسبة إلى لبنان قاسية. فإذا حُصر دور جميع الأطراف الدولية (باستثناء واشنطن) بتقديم المساعدات الإنسانية أو فتح مسارات تجارية أو توفير دعم عسكري رمزي، فلن يبقى أمام لبنان أي وسيلة للتأثير في سياسات موازين القوى الدولية بما يخدم مصالحه. أما فرنسا فلن يكفيها تقديم المساعدات وبضعة مركبات مدرعة كي تحافظ على حضورها المؤثر في بيروت. بل سيتوجّب عليها استثمار ما يلزم من رصيد سياسي لمواجهة هيمنة واشنطن على الإطار الثلاثي، وتحويل نفوذها الأوسع إلى أدوات ضغط فعلية. غير أنّ ذلك مستبعد. والأرجح أن تنضم فرنسا إلى سائر القوى المتوسطة التي جرى تهميشها، وأن ينتهي ادعاؤها الطويل – والموروث من الحقبة الاستعمارية – بامتلاك موقع مميّز في بيروت. عندها ستكتشف فيها باريس أنّ الحنين إلى الماضي لا يصنع نفوذاً اليوم.

المواضيع ذات الصلة