قوانين متراكمة
يعود بناء الأسس القانونية لتنظيم أسعار الاستهلاك في لبنان إلى نصف قرن. فالقرار رقم 277/1 لعام 1972 والذي عُدّل لاحقاً بالقرار رقم 173 لعام 1977 يحدّد سقف هامش الربح في كلّ مرحلة من مراحل سلسلة التوريد، ولكلّ فئة من فئات المنتجات المشمولة بهذين القرارَين. أما صلاحية التدخّل بشكل أكثر صريح فقد جاءت مع المرسوم الاشتراعي رقم 73 لعام 1983 والذي أتاح للوزير تحديد الأسعار القصوى ونِسَب الأرباح وألزم التجّار بالتصريح عن مخزونهم. أما في الحالات التي لا يُحدَّد فيها سقف للسعر، فالمرسوم يحظر بيع أي سلعة بأكثر من ضعف كلفتها. كما أن المادة 16 من المرسوم تجعل أي زيادة غير طبيعية أو غير مبرّرة في الأسعار مخالفة بحدّ ذاتها، ويعرّف المرسوم الاحتكار والتخزين وإخفاء البضائع بوصفها مخالفات. وفي عام 1996، حُدّد الحدّ الأقصى لغرامة هذه المخالفات بمئة مليون ليرة لبنانية، أي ما كان يعادل نحو 66 ألف دولار آنذاك، إضافةً إلى عقوبات حبس تتراوح بين بضعة أيام وثلاثة أشهر.
ثم جاء قانون حماية المستهلك رقم 659 لعام 2005 لينشئ مديرية حماية المستهلك، ويوجّه اهتمام الدولة إلى طريقة عرض المنتج على الرفّ من خلال تنظيم عرض الأسعار والوسوم والإعلانات المضلّلة والشكاوى ومحاضر التفتيش. إلا أن هذا القانون صُمّم لحماية المستهلك لا لمراقبة سلسلة التوريد، ولذلك لا يزال تقييم هوامش الربح يستند إلى النصوص الأقدم.
أمّا الإضافة الأحدث وهو قانون المنافسة رقم 281 لعام 2022 فكان يُفترض أن يوفّر ما افتقرت إليه النصوص السابقة: آلية للتعامل مع قوّة السوق نفسها. فهو يحظر الكارتلات وإساءة استخدام الوضع المهيمن، وينشئ هيئة وطنية للمنافسة تضمّ مجلساً من سبعة أعضاء، ووحدة تحقيق تتمتّع بصلاحيات مماثلة لصلاحيات الضابطة العدلية مع القدرة على تغريم الأفراد المخالفين بما يصل إلى 100% من إيراداتهم المتأتية من المنتج المعني، وتغريم الشركات بما يصل إلى 10% من إجمالي حجم أعمالها في السنة السابقة، وإلزام المؤسسات بالإقفال لمدة تصل إلى ثلاثة أشهر. بل يتيح القانون لمجلس الوزراء تحديد أسعار مؤقتة في حالات الطوارئ، إنما فقط بعد أن تُبدي الهيئة رأيها. غير أنّه، بعد أربع سنوات على صدور قانون المنافسة عام 2022، لا تزال الهيئة الوطنية للمنافسة غير مُنشأة.
أين يكمن الخلل؟
يستند الجهاز القانوني الناظم لتدخّل الدولة في أسعار المستهلك إلى آلية مراقبة فعّالة إلى حدّ ما. وفق توصيف المدير العام لوزارة الاقتصاد والتجارة محمد أبو حيدر فإن النظام يتابع سلسلة التوريد بكاملها وينظر «في حجم الارتفاع الفعلي للأسعار في الخارج، كي نتمكّن من معرفة مقدار الربح الذي يضيفه [المستوردون]». وترصد الوزارة التحركات غير الطبيعية في الأسعار وترسل مفتّشيها لمتابعتها. وفي الأسابيع الستة الأولى من عام 2026 نفّذ حوالي 1,928 زيارة تفتيشية أكثر ونظّم أكثر من مئة محضر مخالفة.
لكن الضعف يكمن في المعايير التي يستخدمها المفتشون في محاضرهم. لم تُحدَّث عتبات هوامش الربح الرسمية منذ سبعينيات القرن الماضي، ولم تعد صالحة للاقتصاد الحديث. لذلك يستخدمها المفتشون مع «هامش تساهل معتمد ضمن حدود محدّدة»، بحسب ما قال رئيس مديرية حماية المستهلك طارق يونس في حديثه لـ«البديل»، أي أن الوزارة طوّرت معايير داخلية ظرفية خاصة بها لتقييم هوامش أسعار المستهلك. وفي الحالات التي يتعذّر فيها إعادة بناء كلفة المنتج بالكامل، يستند الملف إلى معيار أوسع وأقلّ وضوحاً لما يُسمّى «الزيادة غير الطبيعية». وفي الحالتين لا يطّلع عموم الناس على الاعتبارات التي تقف خلف التقييم، إذ أن الوزارة لم تنشر منهجيات احتساب الكلفة المعتمدة حالياً ولا معايير الهوامش التي تُقيَّم الأسعار على أساسها، كما تركت مؤشرات الأسعار السابقة تتوقف. ومن دون هذه الأدوات، يصبح التحقّق الخارجي من محاضر المخالفات مستحيلاً، سواء من جانب المتسوّقين أو الصحافيين.
وإلى جانب مديرية حماية المستهلك، هناك المجلس الوطني لحماية المستهلك والمجلس الوطني لسياسة الأسعار المشترك بين الوزارات والمركز الفني لسياسة الأسعار. وفي حين يعمل المجلس الوطني لحماية المستهلك كهيئة استشارية، ينسّق المجلس الوطني لسياسة الأسعار السياسات بين الوزارات، بينما يراقب المركز الفني أسعار السوق وينشر التقارير. (انظر الرسم البياني).