بعد عام ونصف على بدء المرحلة الانتقالية في سوريا ما بعد الأسد، بات يتضح أنّ نحو نصف السكان (أي النساء) يُدفعن جماعياً خارج عملية رسم مستقبل البلاد. ولا يبدو هذا مجرّد سهو من حكومة أنهكتها متطلبات إعادة الإعمار، بل نمطاً ممتداً عبر التعيينات الرسمية وترخيص منظمات المجتمع المدني والآليات الانتخابية والتفاصيل اليومية للحياة العامة.
اكتسبت كثير من الناشطات النسويات شرعيتهن وخبرتهن خلال سنوات الحرب الأهلية مثل نظرائهن من الرجال. إذ تولّت النساء في مجالات الاستجابة الإنسانية والتنظيم المدني والهياكل المجتمعية أدواراً قيادية على نطاق لم تشهده البلاد من قبل. وكان التوقع بين الناشطات اللواتي أُجريت معهن مقابلات لهذه الورقة أن تترجم هذه التجربة إلى مشاركة فعلية في نظام ما بعد الأسد. إلا أنّ هذا الاحتمال يُغلق اليوم شيئاً فشيئاً.
وما يتشكل اليوم ليس استبعاداً للمرأة بالجملة، بل إدماج مشروط ومُدار و«زخرفي» في بعض الأحيان. لا تزال النساء حاضرات في الاجتماعات والهيئات الاستشارية والأدوار العامة شكلياً، إنما قدرتهن على التأثير في السياسات محدودة، فيما تواجه المجموعات المدنية التي تعمل على تعزيز مشاركة النساء عقبات مؤسسية متزايدة. أما خارج النطاق الرسمي تواجه النساء ضغوطاً اجتماعية أكثر وضوحاً للامتثال للمعايير الجندرية، وحصر أدوارهن في الحياة الأسرية، وكثيراً ما يتعرضن للتهديد أو العنف إذا حاولن تولّي أدوار عامة.
في معظم أنحاء سوريا، تُغلَّف منظومة الإقصاء هذه بغموض يتيح للحكومة إنكاره. وقد لخّص الرئيس السوري أحمد الشرع نفسه، أواخر العام الماضي، مراوغة الحكومة في مقاربتها لقضية النساء: ففي 6 كانون الأول وخلال مقابلة في منتدى الدوحة، قال الشرع للحضور إن المرأة في المجتمع السوري «مُمكَّنة تلقائياً» في ظل حكمه. جاء ذلك بعد خمسة أيام فقط من تصريحه لوسائل إعلام سورية بأن المجتمع السوري أبوي و«ليس راغباً» بوجود نساء في البرلمان.
غير أنّ هذا الغموض يتبدّد عند النظر إلى إجراءات الحكومة في شمال شرق سوريا ذي الغالبية الكردية. فمع إعادة الحكومة المركزية فرض سلطتها هناك، أظهرت نيتها تفكيك الآليات التي كانت قد سهّلت تحقيق قدر من الإنصاف الجندري في الحكم المحلي.
ولفهم الديناميكيات التي تفرض القيود على مشاركة النساء في المرحلة الانتقالية، تحدثنا لـ 12 ناشطة نسوية من شمال شرق سوريا ودمشق وحمص واللاذقية وإدلب والشتات، بينهن أستاذات جامعيات وفاعلات على الأرض، وعاملات في المجتمع المدني والمنظمات غير الربحية، تحدثن جميعهن بشرط عدم الكشف عن هوياتهن لدواعٍ أمنية.
النشاط النسوي من عهد الأسد إلى الحرب الأهلية
على مدى أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد خضع المجتمع المدني المستقل في سوريا لقيود مشددة، وغالباً ما جرى استيعابه ضمن هياكل خاضعة لسيطرة الدولة. فعلى سبيل المثال، احتكر القانون رقم 33 لعام 1975 العمل المدني عبر اتحادات مرتبطة بالدولة من بينها الاتحاد النسائي العام، تاركاً هامشاً ضيقاً جداً للتنظيم النسوي المستقل. وقد أثار ما عُرف بـ«ربيع دمشق» عام 2000 آمالاً عابرة بمزيد من الانفتاح، إذ تحرّكت منظمات عديدة وتقدّمت بطلبات للحصول على تراخيص، غير أنّ هذه الفسحة لم تدم طويلاً إذ عادت السلطات إلى فرض هيمنة الدولة على هذا المجال بحلول نهاية عام 2001. وبالنسبة إلى المجتمع المدني، كان الدرس واضحاً: لا يمكن للتنظيم المستقل أن يبقى إلا ضمن أشكال محدودة أو غير رسمية أو مسموح بها ضمناً.
