ينطلق المخطّط من الواقع القائم كما هو: تمارس دولة إسرائيل سيطرة فعلية على جميع السكان في إسرائيل والقدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وهي مناطق يُشار إليها مجتمعة باسم «الإقليم». يتمتّع نحو نصف هؤلاء بالعيش في ظل الديمقراطية الإسرائيلية فيما يختبر النصف الآخر الحكمَ الإسرائيلي كديكتاتورية عسكرية.
هذا الترتيب الممتدّ عبر أجيال يرسّخ نظام الهيمنة اليهودية وينتهك الحقوق المدنية والسياسية والإنسانية الأساسية للفلسطينيين في الإقليم. وهذا يرقى إلى فصلٌ عنصري بحسب محكمة العدل الدولية، والتي قضت بأن النظام الإسرائيلي والاحتلال العسكري للضفة الغربية وقطاع غزة، غير قانونيين بموجب القانون الدولي، ويجب وضع حدّ لهما.
حتى اليوم، انصبّت جهود الولايات المتحدة والمجتمع الدولي الأوسع لإنهاء الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني على رسم ملامح الدول القومية التي يُفترض أن تنبثق عنه. وقد جرى التعامل مع نيل الفلسطينيين حقوقهم الأساسية بوصفه نتيجةً لاحقة لنجاح المفاوضات، لا شرطاً مسبقاً لها.
يقلب المخطّط هذا المنهج رأساً على عقب، إذ يؤكّد أنّ الحقوق الأساسية للفلسطينيين لا يمكن أن تكون رهينة لمسار تفاوضي، وأنّ إنهاء نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والاحتلال غير القانوني يجب أن يشكّل الخطوة الأولى التي تسبق سائر الخطوات. وحين يتمتّع جميع من يعيشون في «الإقليم» بحقوق متساوية وبحقّ الاقتراع بموجب مجموعة واحدة من القوانين، يُترك لهم أن يقرّروا شكل نظام الحكم الذي يريدونه عبر التصويت الديمقراطي، سواء أكان دولة واحدة أو دولتين، أو كونفدرالية أو أي ترتيب آخر. وينصبّ تركيز المخطّط على كيفية إنجاز هذا الانتقال من الفصل العنصري إلى الديمقراطية.
تقوم الرؤية على تشكيل حكومة انتقالية مؤقّتة تضمّ ممثلين عن الإسرائيليين والفلسطينيين والأقليات في «الإقليم»، إلى جانب المجتمع الدولي، لتولّي إدارة المرحلة الانتقالية. وتحدّد جدولاً زمنياً تفصيلياً يمتدّ لثلاث سنوات للمهام التي على هذه الحكومة إنجازها.
يأتي «اليوم الأول» مثقلاً بالمهام، إذ يعالج فوراً القضايا الأكثر إلحاحاً ويشكّل إعادة ضبط جذرية للواقع القائم في الإقليم. يشمل ذلك إنهاء الحكم العسكري الإسرائيلي وبسط القانون المدني على المناطق الفلسطينية (على أن يُنفَّذ من خلال قوة شرطة وطنية موحّدة)، ورفع قيود التنقّل وإلغاء منظومة من القوانين الإسرائيلية العنصرية والتمييزية، وتجميد عمليات بيع العقارات ونقل ملكيتها، والاعتراف العلني بنكبة عام 1948 وبمسؤوليات الدولة تجاه اللاجئين الذين أُنتجوا بفعلها وأحفادهم اليوم، إلى جانب حزمة من الإجراءات العاجلة الأخرى.
ثم خلال شهر واحد تعيد الحكومة الانتقالية المؤقّتة هيكلة تشكيلتها الوزارية وتُنشئ تسع لجان وهيئات خاصة تُكلَّف بمواصلة تفكيك ركائز الدعم المؤسسي لنظام الفصل العنصري، وتوسيع نطاق الحقوق والحمايات والخدمات المتساوية لجميع المواطنين، وتعزيز شرعية المرحلة الانتقالية والحدّ من قدرة الجهات المُعطِّلة على تقويضها. ينصبّ التركيز الأساسي على إصلاح المؤسستين العسكرية والأمنية (بما فيها أجهزة الاستخبارات والشرطة) عبر تدقيق الكوادر ونزع سلاح الجماعات المسلحة وبعض المؤسسات الأمنية وتسريحها وإعادة إدماجها. كما تُنشأ خلال هذه الفترة هيئات متخصّصة أخرى تُعنى بالإصلاحات التشريعية والتعيينات القضائية والعدالة الانتقالية والحوكمة وحرية الحركة.
ثم في الأسابيع والأشهر اللاحقة، يوضّح المخطّط كيفية توسيع مهام هذه الهيئات الخاصة وتطويرها، بالتوازي مع عملها (ومع هيئة انتخابات جديدة) على تهيئة الشروط اللازمة لإجراء اقتراع برلماني ناجح في نهاية السنة الثالثة. وسيُناط بالبرلمان الجديد، والذي يضع حدّاً لولاية الحكومة الانتقالية المؤقّتة، البتّ في الشكل المستقبلي لنظام الحكم في الإقليم.
على هذا البرلمان أن يكون توافقياً، مع حصص مقاعد تضمن التكافؤ التمثيلي بين اليهود والفلسطينيين، وهو ما يدعمه تقارب أعدادهم في الإقليم (نحو 7.4 ملايين يهود و7.6 ملايين فلسطينيين). يهدف هذا الترتيب إلى منع «اختطاف» العملية التشريعية من قِبل جماعة واحدة أو ائتلاف جماعات بما قد يضرّ بالآخرين أو يعيد إنتاج نظام الهيمنة والسيطرة. يصف المؤلفان التوافقية البرلمانية بأنها «ضرورة مؤقّتة إلى أن يُمنح الناس خياراً ديمقراطياً لتقرير مستقبلهم السياسي عبر استفتاء».
غير أنّ المخطّط لا يخلو من ثغرات. فعلى سبيل المثال، عند اقتراح إلزام الحكومة الانتقالية بتأمين مستوى متكافئ من الخدمات في المناطق الحضرية والريفية، لا يتطرّق المخطّط إلى كيفية تمويل استثمار بهذا الحجم وعلى مدى سنوات عدّة. كما أنّه، في تناوله الجهات التي قد تلجأ إلى العنف لإفشال الانتقال، يغفل احتمال المعارضة البيروقراطية، وكيف يمكن لموظفين حكوميين ذوي دوافع قوية، وبوسائل أقلّ ظهوراً، أن يعقّدوا مسار الانتقال ويعطّلوه.
يجادل المؤلفان أيضاً بأنّ رغم واجب الحكومة الانتقالية المؤقّتة بوضع الأسس لعدالة شاملة، فإنّ عدداً من المظالم التاريخية يتجاوز «ولايتها المتمثّلة في إنهاء الفصل العنصري والاحتلال ووضع الأساس لحكم ديمقراطي». من بين القضايا التي يذكرانها صراحةً حقّ عودة اللاجئين الفلسطينيين خارج «الإقليم»، والتعويض عن المنازل والممتلكات التي صودرت من الفلسطينيين وأصبحت اليوم في حيازة إسرائيليين يهود. يؤكّد المؤلفان أنّ الضرورة العملية (وتفادي تعطّل المسار الانتقالي) تقتضي إسناد هذه الملفات إلى حكومة منتخبة في المستقبل. غير أنّ كثيرين ممّن تُعدّ هذه القضايا محورية قد يرون في تأجيلها تقويضاً لشرعية العملية بأكملها.
يقرّ ويتسون وأومرمان بأبرز قيود هذه الخارطة: فهي لا تتضمّن أي آليات لإجبار الإسرائيليين أو حكومتهم على الالتزام بما تقرّه. إذ إنّ المضيّ بالخطة، كما يكتبان، «يتطلّب مستوىً من الإرادة السياسية الصادقة يكاد يكون منعدماً اليوم».
ويشير المؤلفان إلى أنّ الإسرائيليين اليهود لا يزالون يجنون من نظام الفصل العنصري والاحتلال مكاسب تفوق بكثير ما يتحمّلونه من أعباء، وأنّ دعمهم لأي تغيير في النظام لن يتحقّق إلا عندما تنقلب هذه المعادلة، أي حين تصبح كلفة هذه الجرائم أعلى من فوائدها.
ويرى ويتسون وأومرمان أنّ ما من شأنه ترجيح الكفّة «في الحالة المثالية» هو فرض «عقوبات دولية وعزلة دبلوماسية وضغوط اقتصادية». وفي غياب ذلك، يرجّحان أن يشهد العالم «عنفاً شديداً وعصيّاً على الاحتواء» يرفع كلفة الإبقاء على الاحتلال والفصل العنصري إلى مستوى يتجاوز ما يكون الإسرائيليون مستعدّين لتحمّله.
أما من وجهة نظر كاتب هذا المقال، سيظلّ الإسرائيليون بمنأى عن تقديم تنازلات ذات معنى تفضي إلى تسوية عادلة مع الفلسطينيين ما دامت واشنطن متمسّكة بالتزامها التاريخي إغداق إسرائيل بالسلاح والتمويل والدعم الدبلوماسي، بما في ذلك خلال الإبادة الجماعية الإسرائيلية الجارية في غزة.
وعليه، فإنّ مخطّط ويتسون وأومرمان له حدود واضحة ولا يقدّم إجابة كاملة عن جميع الإشكالات. غير أنّ قيمته لا تُقاس بمدى اكتماله، بل بالمسار الممكن الذي يرسمه نحو مسار أكثر عدلاً في سياق طالما قيل إنّه لا يتيح أي بدائل. هذا الطرح يعيد ترتيب أولويات ومسؤوليات المجتمع الدولي: إنهاء جرائم إسرائيل أولاً، ثم الانتقال إلى معالجة المسألة القومية. فالتقدّم يتحقّق عند تقاطع الاستعداد والفرصة، ومع هذا المخطّط بات الاستعداد قائماً من حيث التصوّر والمسار.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه، ولا تعكس بالضرورة مواقف البديل | معهد السياسات البديلة أو فريق التحرير.