لم تكن الحرب على تنظيم داعش في سوريا، منذ اندلاعها، مجرد مواجهة عسكرية مع تنظيم عابر للحدود، بل شكّلت أيضًا ساحة لإدارة تناقضات بنيوية داخل السلطة الحالية نفسها، حيث تتداخل اعتبارات الأمن، وضبط الفاعلين المسلحين، وإعادة تنظيم موازين القوة الداخلية. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة انضمام سوريافي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد تشكّل السلطة الانتقالية في دمشق بقيادة أحمد الشرع، بوصفه خطوة خارجية محضة أو بحثًا مباشرًا عن الاعتراف الدولي، بقدر ما هو تعبير عن حسابات داخلية دقيقة: تحاول إعادة هندسة المشهد العسكري، وتقييد الفاعلين الجهاديين العابرين للحدود، ونقل مركز الثقل من منطق التنسيق الأمني غير المُعلن إلى إطار رسمي أكثر قابلية للضبط.
السؤال المركزي هنا لا يتعلّق بما إذا كانت هذه الخطوة تمنح «شرعية» للسلطة الجديدة وإعادة إدماجها اقليميا ودوليًا، بل بما تكشفه عن طبيعة الدولة التي يجري بناؤها، وحدود البراغماتية التي تحكم قراراتها، والكلفة الداخلية التي قد تترتب على هذا التحول في ظل توترات اجتماعية وعسكرية لم تُحسم بعد حتى مطلع عام 2026.
طبيعة التنسيق القائم
من الضروري، قبل الخوض في نتائج هذا التحول، النظر إلى طبيعة التنسيق الذي سبق الانضمام الرسمي. هذا التنسيق لا يشمل انضمامًا عسكريًا تقليديًا إلى التحالف، رغم أن الانضمام دخل حيز التنفيذ المعلن مع دعوة الخارجية السورية كل من “الولايات المتحدة والدول الأعضاء في التحالف الدولي للانضمام إلى دعم جهود الجمهورية في مكافحة الإرهاب، بما يسهم في حماية المدنيين، واستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”.
ولكنه، وفق المعطيات المتقاطعة من تقارير بحثية وإعلامية غربية وعربية، شمل تبادل معلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات خلايا داعش، ومناطق تمركزها، وخطوط إمدادها، خصوصًا في جنوب دمشق، وبادية الشام، وبعض جيوب الريف المحيط بالعاصمة. ومع الانضمام الرسمي في نوفمبر 2025، أصبح هذا التعاون أكثر ترسيخًا، مع التركيز على منع تدفق المقاتلين الأجانب ودعم الجهود المشتركة للقضاء على بقايا داعش.
هذا النمط من التنسيق، القائم على تبادل معلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات خلايا التنظيم ومناطق تمركزه وخطوط إمداده، أتاح للقيادة السورية الجديدة هامشًا واسعًا للمناورة: الاستفادة من قدرات التحالف في استهداف التنظيم، مع الحفاظ على غموض كافٍ يجنّبها كلفة الاصطفاف العلني داخليًا. غير أن هذا التوازن ظل هشًا بطبيعته، إذ حدّ من قدرة السلطة على فرض معايير موحّدة داخل بنيتها العسكرية، وأبقى التعاون في إطار تقني أمني يصعب تحويله إلى أداة ضبط سياسي للفصائل، وهو ما يفسّر إبقاء ملف قتال تنظيم داعش ضمن اختصاص وحدات الاستخبارات والأمن الداخلي، وإبعاد فرق الجيش عنه بشكل واضح.
باستثناء حادثة تدمر التي قُتل فيها جنديان ومترجم أمريكيين، وما تلاها من حملات دهم وتمشيط في المدينة نفسها، لم يظهر أي دليل على وجود إشراف مباشر لضباط أمريكيين داخل مناطق سيطرة السلطة في دمشق، ما يعزز فرضية القنوات الخلفية والوساطة غير المباشرة بدل الشراكة العسكرية الكاملة.
التقليد الأمني يتجاوز الخصومة
لا يمكن فهم التنسيق الراهن بين دمشق والتحالف الدولي بمعزل عن سوابقه، ولا سيما خلال مرحلة ما بعد عام 2011، حين استمر شكل محدود وانتقائي من التعاون الاستخباراتي رغم القطيعة السياسية العلنية بين نظام بشار الأسد وواشنطن. هذا التعاون لم يكن شراكة ثقة، بل تبادلًا ضيق النطاق شمل معلومات تتعلق بشبكات محددة، ومسارات تحرّك، ومناطق نشاط فواعل جهادية عابرة للحدود، صُنِّفت آنذاك ضمن المظلّة الواسعة لتنظيم «القاعدة».
