غرفة العمليات: كيف تدير دمشق جبهتها الداخلية في الانضمام إلى التحالف الدولي ضد داعش

انضمام دمشق للتحالف الدولي ضد داعش «صدمةٌ محسوبة» لضبط الداخل، لكنه يبقي الدولة معلّقة على تفاهمات هشّة.

30 كانون الثاني، 2026

لم تكن الحرب على تنظيم داعش في سوريا، منذ اندلاعها، مجرد مواجهة عسكرية مع تنظيم عابر للحدود، بل شكّلت أيضًا ساحة لإدارة تناقضات بنيوية داخل السلطة الحالية نفسها، حيث تتداخل اعتبارات الأمن، وضبط الفاعلين المسلحين، وإعادة تنظيم موازين القوة الداخلية. ومن هذا المنظور، لا يمكن قراءة انضمام سوريافي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، بعد تشكّل السلطة الانتقالية في دمشق بقيادة أحمد الشرع، بوصفه خطوة خارجية محضة أو بحثًا مباشرًا عن الاعتراف الدولي، بقدر ما هو تعبير عن حسابات داخلية دقيقة: تحاول إعادة هندسة المشهد العسكري، وتقييد الفاعلين الجهاديين العابرين للحدود، ونقل مركز الثقل من منطق التنسيق الأمني غير المُعلن إلى إطار رسمي أكثر قابلية للضبط.

السؤال المركزي هنا لا يتعلّق بما إذا كانت هذه الخطوة تمنح «شرعية» للسلطة الجديدة وإعادة إدماجها اقليميا ودوليًا، بل بما تكشفه عن طبيعة الدولة التي يجري بناؤها، وحدود البراغماتية التي تحكم قراراتها، والكلفة الداخلية التي قد تترتب على هذا التحول في ظل توترات اجتماعية وعسكرية لم تُحسم بعد حتى مطلع عام 2026.

 

طبيعة التنسيق القائم

من الضروري، قبل الخوض في نتائج هذا التحول، النظر إلى طبيعة التنسيق الذي سبق الانضمام الرسمي. هذا التنسيق لا يشمل انضمامًا عسكريًا تقليديًا إلى التحالف، رغم أن الانضمام دخل حيز التنفيذ المعلن مع دعوة الخارجية السورية كل من “الولايات المتحدة والدول الأعضاء في التحالف الدولي للانضمام إلى دعم جهود الجمهورية في مكافحة الإرهاب، بما يسهم في حماية المدنيين، واستعادة الأمن والاستقرار في المنطقة”.

ولكنه، وفق المعطيات المتقاطعة من تقارير بحثية وإعلامية غربية وعربية، شمل تبادل معلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات خلايا داعش، ومناطق تمركزها، وخطوط إمدادها، خصوصًا في جنوب دمشق، وبادية الشام، وبعض جيوب الريف المحيط بالعاصمة. ومع الانضمام الرسمي في نوفمبر 2025، أصبح هذا التعاون أكثر ترسيخًا، مع التركيز على منع تدفق المقاتلين الأجانب ودعم الجهود المشتركة للقضاء على بقايا داعش.

هذا النمط من التنسيق، القائم على تبادل معلومات استخباراتية دقيقة حول تحركات خلايا التنظيم ومناطق تمركزه وخطوط إمداده، أتاح للقيادة السورية الجديدة هامشًا واسعًا للمناورة: الاستفادة من قدرات التحالف في استهداف التنظيم، مع الحفاظ على غموض كافٍ يجنّبها كلفة الاصطفاف العلني داخليًا. غير أن هذا التوازن ظل هشًا بطبيعته، إذ حدّ من قدرة السلطة على فرض معايير موحّدة داخل بنيتها العسكرية، وأبقى التعاون في إطار تقني أمني يصعب تحويله إلى أداة ضبط سياسي للفصائل، وهو ما يفسّر إبقاء ملف قتال تنظيم داعش ضمن اختصاص وحدات الاستخبارات والأمن الداخلي، وإبعاد فرق الجيش عنه بشكل واضح.
باستثناء حادثة تدمر التي قُتل فيها جنديان ومترجم أمريكيين، وما تلاها من حملات دهم وتمشيط في المدينة نفسها، لم يظهر أي دليل على وجود إشراف مباشر لضباط أمريكيين داخل مناطق سيطرة السلطة في دمشق، ما يعزز فرضية القنوات الخلفية والوساطة غير المباشرة بدل الشراكة العسكرية الكاملة.

 

التقليد الأمني يتجاوز الخصومة

لا يمكن فهم التنسيق الراهن بين دمشق والتحالف الدولي بمعزل عن سوابقه، ولا سيما خلال مرحلة ما بعد عام 2011، حين استمر شكل محدود وانتقائي من التعاون الاستخباراتي رغم القطيعة السياسية العلنية بين نظام بشار الأسد وواشنطن. هذا التعاون لم يكن شراكة ثقة، بل تبادلًا ضيق النطاق شمل معلومات تتعلق بشبكات محددة، ومسارات تحرّك، ومناطق نشاط فواعل جهادية عابرة للحدود، صُنِّفت آنذاك ضمن المظلّة الواسعة لتنظيم «القاعدة».

يعكس هذا النمط تقليدًا راسخًا في السياسة الدولية يقوم على فصل المسار الأمني عن الخطاب السياسي، لكنه يسلّط الضوء في الوقت ذاته على حجم التحول الجاري: إذ إن ما كان يُدار سابقًا بوصفه استثناءً أمنيًا تقنيًا ضمن نظامٍ معزول، بات اليوم يُعاد إنتاجه ضمن إطارٍ رسمي، مع سلطةٍ انتقالية تسعى إلى استخدام هذا التعاون ذاته أداةً لإعادة تنظيم الداخل.

ففي ذروة تصاعد تهديد تنظيم الدولة الإسلامية بين عامي 2013 و2015، جرى تداول معلومات أمنية عبر قنوات غير مباشرة، شملت تحديد تحركات خلايا وقيادات ميدانية في سوريا والعراق، وذلك عبر وسطاء إقليميين ودوليين، من دون أي تنسيق عسكري مباشر أو التزام سياسي معلن.

وبالتوازي، برز مسار أوروبي أكثر براغماتية، تمثّل في تواصل أمني محدود بين أجهزة تابعة لدول مثل فرنسا وألمانيا ونظيراتها السورية، انحصر أساسًا في تبادل معلومات تتعلق بهويات مقاتلين أجانب، ومسارات سفرهم، وشبكات الدعم اللوجستي المرتبطة بهم داخل سوريا. وقد انطلق هذا التعاون من هواجس أمنية مرتبطة بملف «العائدين»، لا من تحوّل سياسي في الموقف من نظام الأسد، وظل محكومًا بقنوات غير معلنة وبهامش ثقة ضيق. والمفارقة أن المظلّة التصنيفية التي أُدرجت ضمنها هذه التهديدات كانت تضم في تلك المرحلة فاعلين ينتمون إلى البيئة الجهادية نفسها التي خرج منها لاحقًا أحمد الشرع، إلى جانب تنظيم الدولة الإسلامية.

يعكس هذا النمط تقليدًا راسخًا في السياسة الدولية يقوم على فصل المسار الأمني عن الخطاب السياسي، لكنه يسلّط الضوء في الوقت ذاته على حجم التحول الجاري: إذ إن ما كان يُدار سابقًا بوصفه استثناءً أمنيًا تقنيًا ضمن نظامٍ معزول، بات اليوم يُعاد إنتاجه ضمن إطارٍ رسمي، مع سلطةٍ انتقالية تسعى إلى استخدام هذا التعاون ذاته أداةً لإعادة تنظيم الداخل.

تركيا كوسيط – نموذج البغدادي

من خلال السياق السابق، لا يمكن فهم دور تركيا بوصفه مجرد وساطة ظرفية، بل كجزء من بنية غير معلنة لإدارة التفاعل بين السلطة الانتقالية في دمشق والفاعلين الدوليين. فقد شكّلت أنقرة قناة خلفية مركزية أتاحت تمرير التعاون الاستخباراتي دون تحويله إلى اصطفاف سياسي مباشر، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ونفوذها الأمني في شمال سوريا، وعلاقاتها المتشابكة مع فصائل مسلحة متعددة.

 تصريحات هاكان فيدان حول «تعاون استخباراتي ممتاز» مع هيئة تحرير الشام لم تكن معزولة، بل عكست هذا النمط من التنسيق الأداتي طويل الأمد الذي يسمح بتبادل معلومات عالية الحساسية من دون إعلان شراكات رسمية.
تُظهر عملية مقتل أبو بكر البغدادي في إدلب عام 2019 حدود هذا النموذج وإمكاناته في آن واحد. فالعملية، التي استندت إلى معلومات ميدانية مرّت عبر قنوات إقليمية لعبت فيها الاستخبارات التركية دورًا محوريًا، كشفت أن التعاون غير المباشر قادر على تحقيق نتائج استراتيجية عالية التأثير، من دون أن يستتبع ذلك اعترافًا سياسيًا أو اندماجًا مؤسسيًا بين الأطراف المعنية.

هنا، تمنح «الشرعية الدولية» القيادة أدوات إضافية لتبرير إجراءات الضبط وإعادة الهيكلة، لكنها تفرض أيضًا كلفة سياسية وأمنية ملموسة. فالالتزامات الضمنية المصاحبة للانضمام—سواء في ما يتعلق بمعايير السلوك العسكري أو حدود استخدام القوة —تصطدم ببنية عسكرية –أيديولوجية لم تُستكمل عملية إعادة تشكيلها بعد، ما يضع السلطة أمام معادلة دقيقة، هي الاستفادة من مظلة التحالف لتعزيز السيطرة، مقابل تقليص هامش المناورة في التعامل مع فاعلين لا يمكن احتواؤهم بالكامل ولا إقصاؤهم دون مخاطر ارتدادية.

هذا النموذج قدّم سابقة لكيفية استخدام القنوات الوسيطة لتحييد تهديدات «عالية المستوى» لا تستطيع السلطة احتواءها بسهولة بمفردها، وهو منطق سيعاد توظيفه لاحقًا في مرحلة خروج الانضمام الرسمي للتحالف بشكل أوضح إلى العلن، وإن ضمن إطار أكثر علنية وتنظيمًا.

من التنسيق إلى الشراكة – الرهان على الشرعية

لا يعكس الانتقال من التنسيق غير المُعلَن إلى الانضمام الرسمي للتحالف الدولي تحوّلًا معياريًا في موقع السلطة الانتقالية بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع محسوبة في أدوات الحكم والأمن. فمن الناحية العملية، لم يكن الانضمام هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة لتوسيع هامش التحكم بالمشهد العسكري عبر نقل التعاون الأمني من قنوات تقنية ضيقة إلى إطار سياسي رسمي يمكن توظيفه داخليًا. أتاح هذا التحول تعزيز تبادل المعلومات وتنفيذ عمليات أكثر تنسيقًا ضد بقايا تنظيم داعش، لكنه في الوقت ذاته فرض مرجعية خارجية تُستخدم لإعادة تصنيف الفاعلين المسلحين، وتحديد من يمكن إدماجه ضمن مشروع الدولة ومن يُنظر إليه كعبء أو تهديد.

هنا، تمنح «الشرعية الدولية» القيادة أدوات إضافية لتبرير إجراءات الضبط وإعادة الهيكلة، لكنها تفرض أيضًا كلفة سياسية وأمنية ملموسة. فالالتزامات الضمنية المصاحبة للانضمام-سواء في ما يتعلق بمعايير السلوك العسكري أو حدود استخدام القوة- تصطدم ببنية عسكرية أيديولوجية لم تُستكمل عملية إعادة تشكيلها بعد، ما يضع السلطة أمام معادلة دقيقة، هي الاستفادة من مظلة التحالف لتعزيز السيطرة، مقابل تقليص هامش المناورة في التعامل مع فاعلين لا يمكن احتواؤهم بالكامل ولا إقصاؤهم دون مخاطر ارتدادية.

الديناميات الداخلية ومخاطر الانقسام

أعاد الانضمام العلني إلى التحالف الدولي تفعيل توترات كامنة داخل البنية العسكرية للسلطة الانتقالية، لا سيما في ما يتعلق بإدارة الفصائل ذات الخلفيات الجهادية المختلفة. فبينما أتاح مسار الدمج التدريجي تحويل جزء من هذه الفصائل إلى وحدات نظامية ضمن جيش وطني ناشئ، ظلّ هذا الدمج غير متكافئ من حيث العمق والالتزام الأيديولوجي. وتتركز نقاط الهشاشة أساسًا لدى فئات محددة: مقاتلون أجانب ذوو ارتباط عقائدي عابر للحدود، وعناصر محلية تشكّلت هويتها القتالية خارج إطار الدولة، وشبكات هامشية لم تُستوعَب بالكامل ضمن منظومات القيادة الجديدة.
لا تكمن خطورة هذه الفئات في قدرتها على تحدي السلطة عسكريًا بشكل مباشر، بل في إمكانات التعطيل غير المتماثل التي تمتلكها، سواء عبر عمليات تخريب من الداخل، أو تسريب معلومات، أو إثارة اضطرابات موضعية في مناطق حساسة. كما أن دوافعها لا تنبع فقط من رفض الانضمام إلى التحالف، بل من شعورها بالتهميش السياسي، وفقدان الامتيازات، وانقطاع شبكات الرعاية السابقة، ما يجعلها أكثر قابلية للانخراط في أنماط عنف منخفض الشدة ولكن عالية التأثير.

في المقابل، استطاعت القيادة حتى الآن احتواء هذه المخاطر عبر مزيج من إعادة الهيكلة المؤسسية، وإعادة توزيع مراكز القوة، واستخدام الغطاء الدولي لتبرير إجراءات الضبط والإقصاء الانتقائي. غير أن هذا الاحتواء يظل ظرفيًا ومشروطًا، إذ إن ترسّخ أفكار السلفية الجهادية داخل قطاعات من القاعدة المقاتلة لا يمكن تفكيكه في المدى القصير، ويتطلب مسارًا طويل الأمد من إعادة التأهيل والانضباط المؤسسي. من هنا، لا يُقاس خطر الانقسام باحتمال الانشقاق الواسع بقدر ما يُقاس بإمكان تراكم اختراقات صغيرة قد تتحول، في لحظة ضغط سياسي أو أمني، إلى تهديد أوسع لاستقرار البنية العسكرية والأمنية للدولة الناشئة.

وتعكس تعيينات قادة الفرق في الجيش السوري مدى تماسك البنية العسكرية على مستوى القادة وتستبعد فرضية الأجنحة أو الانقسامات. وتوضح حجم الولاء والثقة بين الشرع والقادة ذوي الخلفيات الجهادية الأكثر تشددًا مثل قادة الحرس الجمهوري والفرقة 70 والفرقتين 84 و82، حيث تضم الأخيرتين أغلب العناصر الجهادية الأجنبية.
إلا أن تعشش أفكار السلفية الجهادية في رؤوس عناصر الفصائل الإسلامية لا يمكن تجاوزه بوقت قصير ويحتاج إلى دورات إعادة تأهيل طويلة، تمنع تكرار حادثة تدمر أو انفجار حوادث أخرى في قلب المؤسسات العسكرية والأمنية.

 التدرّج بدل الصدمة

في مواجهة هذه المخاطر، كان الإبقاء على التنسيق غير المباشر مع التحالف خيارًا بديهيًا من حيث تقليل الكلفة الداخلية وتأجيل لحظة الاصطفاف العلني. غير أن اختيار الانضمام الرسمي عكس تقديرًا مختلفًا للمخاطر، يقوم على افتراض أن إدارة الصدمة المحدودة أفضل من استمرار وضع انتقالي مفتوح يصعب ضبطه. فمن الناحية العملية، أتاح الانضمام تخفيف احتمالات الصدام الداخلي على المدى القصير، ومنح القيادة هامشًا زمنيًا لإعادة هيكلة البنية العسكرية وتثبيت آليات الضبط والاحتواء. لكن هذا التدرّج لم يُلغِ «المناطق الرمادية» بقدر ما أعاد إنتاجها بصيغة جديدة، حيث تُستثمر المكاسب الأمنية دون أن تتحول تلقائيًا إلى استقرار سياسي راسخ، ما يُبقي الدولة الناشئة معلّقة على تفاهمات خارجية هشّة، تتأثر مباشرة بتوازنات إقليمية، ولا سيما مع تركيا وإسرائيل.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد داعش بوصفه محطة حاسمة بقدر ما هو مسار مفتوح عالي المخاطر، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن، وإدارة الداخل، وإعادة تعريف موقع الدولة إقليميًا. وقد أفضى هذا الخيار، إلى نتائج متباينة: مكاسب واضحة على مستوى الانخراط الدولي وتنسيق الجهود الأمنية، مقابل استمرار توترات داخلية بنيوية لم تُحسم بعد. من هنا، لا يتمحور السؤال حول جدوى الخطوة بحد ذاتها، بل حول قدرة دمشق على الاستمرار في إدارة هذا المسار دون أن تتحول الشراكة الأمنية إلى مدخل لتدخلات خارجية أوسع، أو إلى عامل ضغط يُفاقم هشاشة الداخل بدل أن يعيد بناءه.

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف وحده ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسة البديلة أو فريق التحرير.

المواضيع ذات الصلة