القوة فوق القانون: كيف تقوض إسرائيل أسس النظام الدولي

الهجمات الإسرائيلية على لبنان وسوريا وإيران شوهت المبدأ القانوني للدفاع عن النفس وتهدّد بعالم أكثر عنفاً.

لطالما انتهكت إسرائيل القانون الدولي في تعاملها مع الفلسطينيين، وهي اليوم تواجه تهم الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية. إلا أن عدوانها المتواصل على غزة يتزامن مع تصعيد غير مسبوق في أنحاء أخرى من الشرق الأوسط ويكشف عن استعداد متزايد لتجاهل المعايير القانونية الدولية على نطاق أوسع بكثير، ما ينذر بعواقب تتجاوز حدود المنطقة.

ففي هجماتها الأخيرة على لبنان وسوريا وإيران، استندت إسرائيل إلى تأويلات فضفاضة للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة  التي تُنظّم مبدأ الدفاع عن النفس. يعكس هذا النمط تحوّلاً مقلقاً نحو استخدام أحادي وغير مقيّد للقوة العسكرية خارج حدود ما يُعرف في القانون الدولي بـ “حق اللجوء إلى الحرب” (jus ad bellum). ولا تقتصر خطورة هذا المسار على المنطقة فحسب، بل تهدد النظام الدولي بأكمله. ففي الوقت الذي تشهد فيه المعايير والسوابق القانونية الدولية تآكلاً مستمراً، فإن انتهاكات إسرائيل المتكرّرة للضوابط القانونية لاستخدام القوة – ما لم تُواجَه بردٍّ حاسم – فإنها تُنذر بتعجيل انهيار النظام العالمي القائم على القواعد.

مصادرة إسرائيل للقانون الدولي

في حزيران 2025 شنّت إسرائيل وتبعتها الولايات المتحدة الأميركية حملة قصف جوّي واسعة النطاق ضد إيران استهدفت فيها منشآت نووية وعسكريين وعلماء. كان الهدف المعلن منع إيران من تطوير سلاح نووي قد يهدد إسرائيل مستقبلاً. إلا أن القانون الدولي لا يجيز استخدام القوة لمواجهة تهديدات مستقبلية محتملة. وحتى وفقاً لأوسع النظريات التي تبرّر “الدفاع الاستباقي عن النفس” على الدولة أن تُثبت توافر نيّة هجومية وأن تُبيّن ضيق الهامش الزمني المتاح لمنع الهجوم. لم تقدّم إسرائيل أي دليل على ذلك. ومع الأخذ في الاعتبار أن محادثات دبلوماسية كانت جارية آنذاك بين واشنطن وطهران، وأن وكالات الاستخبارات الأمريكية كانت قد خلصت إلى أن إيران لا تطوّر سلاحاً نووياً بشكل فعّال، فإن الضربة الإسرائيلية لم تكن الملاذ الأخير، وبالتالي تُعدّ غير قانونية بموجب المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة.

أما في سوريا، تعكس حملة القصف الإسرائيلية المستمرة منذ كانون الأول 2024 تجاوزاً قانونياً مماثلاً. فبعد سقوط نظام الأسد وصعود “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة في دمشق، نفّذت إسرائيل مئات الضربات الجوية استهدفت مواقع عسكرية شملت وحدات للجيش والبحرية والقوات الجوية، إلى جانب مستودعات أسلحة ومنشآت أمنية واستخباراتية. وقد برّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هذه الهجمات بأنها “ضرورية لمنع الجماعات الجهادية من الحصول على أسلحة متقدمة”. لكن – مرة أخرى – لم تُقدَّم أدلة على وجود تهديد وشيك ولا على ضيق النافذة الزمنية. وبموجب القانون الدولي، تبقى الأصول العسكرية للدولة محمية بغضّ النظر عن تغيّر النظام، إذ إنّ المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تحمي الدولة – لا قيادتها. وعلى المنوال نفسه يفتقر الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب سوريا، والعمليات البرية الجارية هناك، إلى تفويض من مجلس الأمن الدولي أو إلى مبررات دفاعية واضحة.

ضمن هذا السياق من التوسّع الممنهج في تبرير استخدام القوة، تبرز الحالة اللبنانية كحالة أكثر تعقيداً من الناحية القانونية. ففي 27 تشرين الثاني 2024، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيّز التنفيذ، وأكّد التزام الطرفين بالتطبيق الكامل للقرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، بما يشمل وقف الأعمال العدائية ونزع سلاح الجهات الفاعلة من غير الدول – وعلى رأسها حزب الله.

إن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة يمثّل تأكيداً على ما يشبه "حقاً مفتوحاً" في الدفاع عن النفس يتجاوز الضوابط القانونية المنصوص عليها في القانون الدولي، مثل الضرورة والتهديد الفعليّ والتناسب.

إلا أنّ إسرائيل استأنفت عملياتها العسكرية في لبنان بعد ساعات فقط من دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ. ورغم أن حزب الله أطلق النار مرة واحدة على إسرائيل بعد الاتفاق، فإن هذا الحادث المنفرد لا يرقى إلى مستوى هجوم مستدام أو منسّق يُمكن أن يُبرر – ضمن إطار الدفاع عن النفس – الحملة العسكرية التي تشنّها إسرائيل منذ أكثر من ثمانية أشهر. وبالتالي فإن المبرر القانوني المباشر لاستخدام القوة ردّاً على “هجوم مسلّح” لا ينطبق هنا. ولا يمكن كذلك الركون إلى المفهوم الأوسع لنظرية الدفاع الاستباقي: فعلى الرغم من الخطاب التصعيدي لبعض قيادات حزب الله، لم يُقدّم أي دليل على وجود نية هجومية أكيدة أو التزام لا رجعة فيه باستئناف الأعمال العدائية، حتى في ظل قصف إسرائيل لإيران – الحليف الإقليمي لحزب الله. ومنذ سريان وقف إطلاق النار، لم تواجه إسرائيل أي “فرصة أخيرة” تقتضي تحركاً دفاعياً عاجلاً. على العكس، فإن استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة يمثّل تأكيداً على ما يشبه “حقاً مفتوحاً” في الدفاع عن النفس يتجاوز الضوابط القانونية المنصوص عليها في القانون الدولي، مثل الضرورة والتهديد الوشيك والتناسب.

وفي المقابل، برز تبريرٌ ضمنيٌّ آخر مفاده أن إسرائيل تستخدم القوة بهدف الضغط على الدولة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله انسجاماً مع بنود اتفاق وقف إطلاق النار. غير أن هذا المنطق القائم على “الإنفاذ القسري” يعدّ إشكالياً للغاية في ضوء القانون الدولي، إذ لا يجوز فرض الالتزامات الدولية بالقوة من دون تفويض صريح من مجلس الأمن. صحيح أن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة استندتا عام 1998 إلى عدم التزام العراق بشروط وقف إطلاق النار لتبرير عملية “ثعلب الصحراء”، إلا أن تلك الحالة كانت تستند إلى قرار سابق صادر بموجب الفصل السابع. ومع ذلك كله أثارت العملية آنذاك جدلاً قانونياً واسعاً، كونها نُفّذت من دون العودة إلى مجلس الأمن للحصول على تفويض جديد. إذاً، حتى التزامات الفصل السابع لا يمكن تنفيذها بشكلٍ أحادي.

أما في الحالة اللبنانية فإن القرار 1701 لا يندرج أصلاً ضمن الفصل السابع، ولا يتضمن أي بند يجيز استخدام القوة، كما لا يوفّر آلية للتنفيذ أو ما يُعرف بإعادة فرض الالتزامات (snapback) ولا يتيح لأي طرف إصدار حكم أحادي بحدوث خرق. من الناحية القانونية، تضع هذه المعطيات التصعيد الإسرائيلي في موقع أكثر هشاشة من الناحية القانونية. فإذا كانت عملية “ثعلب الصحراء” مثالاً على التوسّع غير المشروع في منطق الإنفاذ، فإن الضربات الإسرائيلية في لبنان تُشكّل قفزة تتجاوز ذلك التوسّع بدرجات.

إن القانون واضح: ففي غياب هجوم مسلّح أو تفويض صريح من مجلس الأمن، لا يحق لإسرائيل استخدام القوة بشكل قانوني.

من الجدير بالذكر أن لبنان لم يلتزم بالكامل بمقتضيات القرار 1701. لا يزال حزب الله يعمل كجماعة مسلّحة خارج إطار الدولة، ويظل نزع سلاحه مسألة محورية تتعلّق بسيادة لبنان واستقراره الإقليمي. ومع ذلك برزت منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مؤشّرات ملموسة على تحرّك الدولة في هذا الاتجاه: فقد نُشرت القوات المسلحة اللبنانية في جنوب البلاد – وفقاً لما نصّ عليه الاتفاق – وقامت بتفكيك عدد من مخازن الأسلحة والمواقع العسكرية التابعة لحزب الله. ورغم أن هذا المسار لا يزال في بداياته ولم يكتمل بعد، إلا أنه يعكس محاولة من الدولة اللبنانية لاستعادة سلطتها والمضي قدماً نحو الامتثال. وفي 5 آب كلّف مجلس الوزراء اللبناني الجيش رسمياً بوضع خطة بحلول نهاية الشهر تهدف إلى حصر السلاح بيد الدولة مع نهاية العام، في خطوة تشير إلى تجديد الالتزام بتنفيذ القرار 1701.

إن حظر استخدام القوة ليس توجيهاً مرناً، بل يُعدّ من المبادئ التأسيسية لميثاق الأمم المتحدة ولمنظومة الأمن الجماعي القائمة عليه.

مع ذلك، يوحي استمرار القصف الإسرائيلي بأن أهدافه قد لا تتمحور حول دفع لبنان نحو الامتثال، بقدر ما تهدف إلى إضعاف القدرة العسكرية لحزب الله، في مسعى لفرض الهيمنة وتوسيع نطاق النفوذ الإسرائيلي في لحظة إقليمية تتّسم بالتقلّب. هذا النوع من الأهداف الجيوسياسية يتجاوز حدود أي تبرير قانوني. إن القانون واضح: ففي غياب هجوم مسلّح أو تفويض صريح من مجلس الأمن، لا يحق لإسرائيل استخدام القوة بشكل قانوني. ومخالفة ذلك لا تمثّل انتهاكاً للمادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة فحسب، بل تقوّض أيضاً المبدأ الجوهري الذي ينصّ على أن إنفاذ الالتزامات الدولية يجب أن يتم بشكل جماعيّ – لا أحاديّاً.

تآكل النظام الدولي القائم على القواعد

إن حظر استخدام القوة ليس توجيهاً مرناً، بل يُعدّ من المبادئ التأسيسية لميثاق الأمم المتحدة ولمنظومة الأمن الجماعي القائمة عليه. صحيح أن الدول الأقوى لطالما مارست نفوذها على الدول الأضعف، لكن النظام القائم على القواعد – والذي أرساه ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية – سعى إلى منع تحوّل النزاعات إلى حروب، عبر إرساء حق قانوني متساوٍ لجميع الدول في مواجهة الانتهاكات. وفي هذا الإطار لا يُعدّ الدفاع عن النفس تفويضاً مفتوحاً، بل يجب أن يُمارس ضمن حدود قانونية صارمة وواضحة.

الهجمات الإسرائيلية في المنطقة، التي تُقدَّم باعتبارها ردعاً لتهديدات محتملة أو تنفيذاً لالتزامات سابقة، تستوجب ردّاً حازماً من مجلس الأمن ومن الدول الموقِّعة على ميثاق الأمم المتحدة. اتخاذ مثل هذا الموقف من شأنه أن يعيد تأكيد سلطة النظام الدولي القائم على القواعد ويُعزز نزاهته.

لكن الواقع يشير إلى عكس ذلك: إذ تواصل معظم القوى الغربية تصدير الأسلحة إلى إسرائيل، وتُقدّم أفعالها على أنها “حقٌّ في الدفاع عن النفس”. وبهذا تُمنح إسرائيل استثناءً يُقوّض الفهم الجماعي لمبادئ “الحق في اللجوء إلى الحرب” ويُفرغها من مضمونها. وتداعيات هذا الانفلات القانوني تتجاوز حدود الشرق الأوسط، لتُسرّع نمطاً عالمياً يُقوَّض فيه حظر استخدام القوة الأحادي، كما رأينا في الهجوم الروسي على أوكرانيا وفي ساحات أخرى، ما يُضعف الأطر القانونية التي وُضعت لضبط فظائع الحروب وكبح جماح العنف. والعالم الناتج عن هذا المسار سيكون أكثر دمويةً واضطراباً للجميع.

جيزيل جيتي محللة أبحاث في البديل | معهد السياسة البديلة

المواضيع ذات الصلة