المراسيم لا تحصر السلاح: لبنان بلا خارطة طريق سياسية

يتطلّب فرض سيادة الدولة انتقالاً سياسياً وتعافياً اقتصادياً، وجيشاً قادراً على الدفاع عن الأراضي اللبنانية.
المراسيم لا تحصر السلاح: لبنان بلا خارطة طريق سياسية

تمتلك الحكومة اللبنانية اليوم زخماً سياسياً يعزز جهودها لحصر سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الدولة، لكنها تفتقر إلى خطة قابلة للتنفيذ.

وهذا الشهر، تجلّت الفجوة بين أهداف الحكومة والواقع الذي تواجهه حين فتّشت قوى الأمن الداخلي مركبةً متّجهةً إلى بيروت، وضبطتها بعدما تبيّن أنها محمّلة بالمتفجّرات. أقرّ مسؤولون في حزب الله بأنّ الشحنة تعود إلى الحزب وأنها مخصّصة لشنّ هجمات على القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان، وطالبوا بإعادتها. قال النائب عن حزب الله إبراهيم الموسوي إنّ الدفاع عن النفس حقّ طبيعي للحزب «ما دامت الاعتداءات [الإسرائيلية] مستمرّة، والقوات الإسرائيلية باقية على الأراضي اللبنانية، والحكومة والجيش عاجزين عن مواجهتها».

ومع أنّ رئيس الحكومة نواف سلام وأعضاء حكومته تعهّدوا بملاحقة المتورّطين في عملية التهريب قضائياً، فإنهم لم يقدّموا جواباً عن الاتهام الضمني في كلام الموسوي: من سيحمي البلاد في غياب حزب الله؟

لكن ما بقي غائباً هو أي رؤية سياسية أشمل لهذا الانتقال تستند إلى حوار وطني وترتيبات متّفق عليها عبر التفاوض وضمانات موثوقة

وكانت الحكومة اللبنانية قد التزمت رسمياً في عام 2025 بحصر السلاح بيد الدولة، ثم أتْبعت ذلك في آذار من هذا العام بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله. لكن ما بقي غائباً هو أي رؤية سياسية أشمل لهذا الانتقال تستند إلى حوار وطني وترتيبات متّفق عليها عبر التفاوض وضمانات موثوقة، تقتضي اتفاقاً لا يقتصر على كيفية تفكيك البُنى العسكرية لحزب الله أو دمجها، بل يشمل أيضاً كيفية تولّي الدولة تدريجياً مسؤولية حماية حدود لبنان.

الاقتصاد السياسي لحصر السلاح

إنّ حصر سلاح حزب الله محكوم بالفشل فيما إذا اختُزل بمجرّد عملية تسليم للأسلحة. فالحزب له أدوار موازية لأدوار الدولة تتجاوز المجال العسكري بكثير، من مؤسّسات الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية والمؤسّسات المالية التي سدّت ثغرات في الخدمات للمجتمعات الشيعية المهمّشة تاريخياً. كما تولّى الجناح العسكري لحزب الله حماية هذه الأدوار الاجتماعية، فيما كرّس حضوره في إحدى الوظائف السيادية الأساسية للدولة: حماية المواطنين من الاعتداءات الخارجية.

لذلك يتطلّب الانتقال المستدام تفكيك البُنى العسكرية لحزب الله على مراحل، بالتوازي مع إعادة الإدماج الاجتماعي والاقتصادي والإصلاح المؤسسي والمصالحة الوطنية. وليكون أيّ اتفاق ذا مصداقية، يجب أن تسنده استثمارات عامة في إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والتعليم وتمويل المشاريع الصغيرة وإعادة التأهيل المهني، بما يشمل توفير فرص اقتصادية للمقاتلين السابقين وغيرهم ممّن تعتمد سبل عيشهم على مؤسّسات مرتبطة بحزب الله. هذه الاستثمارات قد تُسهم في بناء الثقة وتهيئة الظروف المادية اللازمة لنجاح حصر السلاح.

وتقدّم عملية السلام في أيرلندا الشمالية درساً في هذا الصدد: فقد ارتبط حصر سلاح الجماعات شبه العسكرية باتفاق سياسي وإصلاح أجهزة الشرطة ومسار أوسع لتنفيذ الاتفاق، بدلاً من التعامل معه كعملية قائمة بذاتها.

لكن الوفاء بهذه الالتزامات يقتضي معالجة مشكلات الاقتصاد السياسي في لبنان على نطاق أوسع. فقد توقّع البنك الدولي انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.4% في عام 2026، فيما لا يزال المودعون يواجهون قيوداً على التصرّف بمدّخراتهم وأزمة القطاع المصرفي ما تزال مستمرّة. أعلنت الحكومة بفخر أنها تحقق التوازن في المالية العامة، لكنّ المواطنين العاديين تحمّلوا الكلفة بما في ذلك تقويض منظومة الحماية الاجتماعية. ومن دون ضخّ استثمارات جديدة في الخدمات العامة وإعادة الإعمار بعد الحرب، لن تتوافر لدى القاعدة الاجتماعية لحزب الله الثقة الكافية للمضيّ في أيّ عملية انتقال.

فالتعافي الاقتصادي وتعزيز مؤسّسات الدولة ليسا مكافأتين تُمنحان بعد حصر السلاح، بل شرطان أساسيان لجعل هذا الانتقال ممكناً أصلاً.

كما أنّ أيّ انتقال ذي مصداقية يستلزم أيضاً إعادة هيكلة القطاع المصرفي وتوزيعاً عادلاً للخسائر الناجمة عن الانهيار المالي الذي شهدته البلاد عام 2019، وإصلاحات في المالية العامة تواجه المصالح الراسخة للنخب الكليبتوقراطية في لبنان. فاستعادة سيادة الدولة تتطلّب في نهاية المطاف إعادة بناء قدراتها الاقتصادية وقدرتها على تلبية احتياجات المواطنين.

وتبعاً لذلك، على الشركاء الدوليين الكفّ عن التلويح بوعود الاستثمار والتجارة كحوافز مشروطة بحصر سلاح حزب الله. فالتعافي الاقتصادي وتعزيز مؤسّسات الدولة ليسا مكافأتين تُمنحان بعد حصر السلاح، بل شرطان أساسيان لجعل هذا الانتقال ممكناً أصلاً.

سيكون من الصعب الحفاظ على احتكار الدولة للقوة إذا طُلب من المجتمعات المحلية التخلّي عن مصدر حماية قائم، على الرغم من الخلاف الحادّ حوله، من دون أن تثق بقدرة الدولة على توفير بديل لها.

بناء الدولة القادرة على تولّي المسؤولية

من الضروري للدولة اللبنانية أن تطوّر قدراتها الدفاعية والأمنية بالتزامن مع تفكيك قدرات حزب الله. إذ لطالما برّر الحزب احتفاظه بالسلاح بكونه وحده القادر على صون الأراضي اللبنانية بمواجهة التهديدات الخارجية. وسيكون من الصعب الحفاظ على احتكار الدولة للقوة إذا طُلب من المجتمعات المحلية التخلّي عن مصدر حماية قائم، على الرغم من الخلاف الحادّ حوله، من دون أن تثق بقدرة الدولة على توفير بديل لها. كل هذا يستدعي انتقالاً على مراحل يُجرى فيه دمج البُنى العسكرية التابعة لحزب الله أو تفكيكها بالتوازي مع تطوير القدرات الأمنية للدولة، وأن يواكب التقدّم في ملف حصر السلاح تنمية قدرة الجيش اللبناني على بسط السيطرة على أراضي البلاد وتولّي مسؤولية الدفاع عنها.

كما لا بدّ أن يتجاوز إصلاح القطاع الأمني زيادة عديد الجيش اللبناني وتوفير مزيد من العتاد والتدريب. فالمطلوب بناء منظومة أمنية تقودها الدولة وتملك القدرة على ردع التوغّلات والاعتداءات الخارجية. وفي ظلّ التفوّق العسكري الإسرائيلي الساحق، لا يشكّل التكافؤ العسكري هدفاً واقعياً للبنان. أمّا البديل عنه فهو نهج دفاعي يقوم على ردع الخصم بحرمانه من تحقيق أهدافه، ويسعى إلى جعل التوغّلات أكثر صعوبة وكلفة، بما يقلّص فرص تحقيق مكاسب عسكرية سريعة ويعزّز دوافع ضبط النفس. وهذا يقتضي تزويد الجيش اللبناني بالعتاد والتدريب اللازمين لبسط السيطرة على الأراضي اللبنانية، وتوفير الإنذار المبكر والإحاطة بالوضع الميداني، وإدارة التصعيد، وضمان قدرة المجتمع والمؤسّسات على الصمود. ويتطلّب أداء هذه المهام عقيدة عسكرية واضحة وهيكلية ملائمة وتوزيعاً للمهام بين الجيش والأجهزة الأمنية الأخرى، وأيضاً رقابة مدنية وتمويلاً مستداماً.

لن يكون من المتاح بناء جيش بهذه الجاهزية من دون دعم دولي. ومع توقّع انعقاد مؤتمر دولي جديد للمانحين في باريس أواخر عام 2026 أو مطلع عام 2027، وإنشاء الاتحاد الأوروبي بعثةً لتقديم المشورة والتدريب للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، تتاح للشركاء الدوليين فرصة لإعادة النظر في مساعداتهم. كما يجعل اقتراب انسحاب قوات اليونيفيل من الضروري الحفاظ على آليات مستقلة للمراقبة والتحقّق وتفادي الاشتباك، تتولّاها أطراف ثالثة على طول الخط الأزرق.

وعلى الشركاء الدوليين أن يدركوا أنّ للسيادة اللبنانية بُعدين، داخلي وخارجي، وأنّ إعادة بسط سلطة الدولة على المستويين شرط لنجاح حصر سلاح حزب الله. فحصر المساعدات العسكرية في تمكين الجيش اللبناني من ضبط السلاح داخل البلاد، من دون بناء قدرته على الدفاع عن الحدود، سيجعله عاجزاً عن أداء أيّ من المهمّتين. وبالمثل فإنّ حجب تمويل إعادة الإعمار والاستثمارات الاقتصادية إلى حين اكتمال حصر السلاح هو أضمن سبيل لإفشال العملية قبل أن تبدأ.

فيكتور ماسون

محلّل سياسات

فيكتور ماسون هو محلّل سياسات في البديل | معهد السياسات البديلة، حيث يركّز على السياسة اللبنانية، والاقتصاد السياسي، والأمن الإقليمي، والسياسة الخارجية. كما يعمل كمحلّل سياسات في Triangle، حيث يجري أبحاثًا حول السياسات الاجتماعية، والتنمية، والقضايا الإنسانية في لبنان، ويتمتع بخبرة في الرصد وإعداد التقارير من طرف ثالث. سبق له أن أجرى أبحاثًا جيوسياسية مع […]