الخبز في مهبّ الخطر: تأمين القوت الأساسي في لبنان وسط الأزمات المتفاقمة

على السياسيين أن يلتزموا بأبسط وعود الحكم – إطعام الناس

لا يُختزل الخبز في لبنان في كونه غذاءً يومياً، بل يُمثّل تعبيراً عن كرامة الناس وحاجزاً أخيراً في وجه الجوع الذي يطارد الملايين. يشكّل توفّر الخبز وسعره المقبول ضمانتين أساسيّتين للرفاه العام، لكنّ الاستقرار الذي يُمثّلانه يتآكل بسرعة. على الرغم من أنّ البلاد لا تعيش بعد أزمة خبز شاملة إلّا أنّها تقف على حافّتها، وقد باتت الشروط متوفّرة: اعتماد على مصادر محدودة للقمح، وقدرة احتياطيّة محدودة، وسيطرة شبيهة بالكارتيلات، وارتباط سياسي بالمصالح، وانهيار في العملة والاقتصاد. يدفع هذا التراكم بمنظومة تأمين الخبز نحو الهاوية، ويجب أن تُشكّل هذه اللحظة إنذاراً. فالتعامل مع الخطر الذي يهدّد الوصول إلى الخبز ليس خياراً تقنيّاً بل هو اختبار لقدرة الدولة على الوفاء بأبسط وعود الحكم: أن تطعم الناس. وفي هذا السياق، تقف القيادة الجديدة، المتمثّلة برئيس الجمهوريّة جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، أمام مفترق حاسم. إذا عجزت عن ضمان الوصول إلى الخبز، فإنّها تفقد شرعيّة الحكم.

يُعدّ اعتماد لبنان على استيراد القمح أحد أبرز مظاهر الهشاشة البنيوية التي تطبع نظامه الغذائي. تستورد البلاد ما بين 80 و90% من حاجتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، وفقاً لرئيس تجمّع المطاحن أحمد حطيط، وهذا تَركُّز مفرط اتّضح أثره بحدّة مع الغزو الروسي لأوكرانيا في العام 2022 وما خلّفه من اضطراب واسع في تجارة القمح العالميّة. ونتيجةً لذلك انهارت سلاسل الإمداد وامتدّت طوابير الخبز وأُغلقت الأفران، وارتفعت الأسعار في السوق السوداء. لم تكن هذه أزمة نظريّة بل فوريّة وملموسة. وعلى الرغم من وصول شحنات طارئة من القمح في مطلع العام 2023 بتمويل من قرض للبنك الدولي لإعادة تكوين الاحتياطي الوطني الذي كان على وشك النفاد، فقد كشفت هذه الحادثة الهشاشة العميقة التي تضرب في قلب منظومة الغذاء في لبنان.

كانت الدولة قادرة سابقاً على تأمين مخزون يكفي لمدّة خمسة أشهر، أمّا اليوم فتعتمد إلى حدّ بعيد على مطاحن خاصة لا تتجاوز قدرتها التخزينية شهرَين.

تزداد هشاشة هذا الواقع بفعل تدمير البنية التحتية المخصّصة لتخزين الحبوب في لبنان. فقد دمّر انفجار مرفأ بيروت في العام 2020 الإهراءات الرئيسة في البلاد، ما قضى على جزء كبير من القدرة الوطنيّة على تخزين احتياطي القمح الاستراتيجي. وفقاً لأحمد حطيط كانت الدولة قادرة سابقاً على تأمين مخزون يكفي لمدّة خمسة أشهر، أمّا اليوم فتعتمد إلى حدّ بعيد على مطاحن خاصة لا تتجاوز قدرتها التخزينية شهرَين. في عالم تسوده الصدمات المناخيّة والتقلّبات الجيوسياسيّة، يُعدّ ترك البلاد من دون احتياطي فعّال من القمح الاستراتيجي تهاوناً لا يُغتفر.

يتفاقم اختلال الوصول إلى الخبز في ظلّ احتكار سوق القمح من قبل خمس مطاحن كبرى ترتبط بعلاقات وثيقة بالسلطة، وهي تستورد الغالبيّة الساحقة من القمح الداخل إلى البلاد. وفقاً لرئيس جمعيّة حماية المستهلك في لبنان، زهير برّو، تفرض هذه المطاحن أسعاراً لتوزيع القمح وطحنه تفوق بأشواط ما يُعتمد في مطاحن سوريا ومصر.

القدرة على الوصول إلى الخبز في لبنان لا تحترق بنيران الحروب البعيدة فقط، بل أيضاً بفعل تراكم الأزمات الداخلية.

في الواقع، تفيد دراسة صدرت موخراً بأنّ العوامل الأكثر تأثيراً في تحديد أسعار طحين القمح في لبنان ليست تقلبات أسعار القمح أو النفط عالمياً، بل عوامل داخليّة كارتفاع أسعار البنزين والتضخّم المحلي. يُفهم من ذلك أنّ النظام القائم ليس عاجزاً عن التخفيف من المعاناة. بل إن سوء الإدارة الاقتصاديّة، تقلّبات سعر الصرف، انتهاء برنامج دعم واردات القمح المموَّل من البنك الدولي، وارتفاع أسعار المحروقات بشكل متكرّر، كلّها عوامل تُعمّق انعدام الأمن الغذائي. فالقدرة على الوصول إلى الخبز في لبنان لا تحترق بنيران الحروب البعيدة فقط، بل أيضاً بفعل تراكم الأزمات الداخلية.

ليس من المصادفة أن يشهد لبنان ارتفاعاً مقلقاً في معدّلات انعدام الأمن الغذائي، إذ يواجه اليوم حوالي 1.2 مليون شخص حالة انعدام غذائي حاد. لطالما شكّل الخبز العربي، بقيمته الغذائيّة ومكانته الثقافيّة، الخطّ الدفاعي الأخير في وجه المجاعة. ففي أوقات الضيق الاقتصادي، يرتفع استهلاك الخبز عادة في مقابل تراجع استهلاك باقي المواد الغذائيّة، إذ يلجأ الناس إليه كملاذ أخير. وهذا يجعل الحفاظ على سلاسل إمداد متينة للخبز ضرورة قصوى، باعتبارها آخر شبكة أمان اجتماعي قبل السقوط في العوز.

أصناف القمح المزروعة في لبنان غير مناسبة بمعظمها للخبز العربي، إذ تصلح أكثر لصناعة المعكرونة أو غيرها من المنتجات، وتُزرع بكميّات لا تكاد توازي سوى جزء يسير من حجم الاستهلاك المحلّي.

لوّحت الحكومة بنيّتها تعزيز إنتاج القمح المحلي لكن من دون خطوات ملموسة تُذكر. فأصناف القمح المزروعة في لبنان غير مناسبة بمعظمها للخبز العربي، إذ تصلح أكثر لصناعة المعكرونة أو غيرها من المنتجات، وتُزرع بكميّات لا تكاد توازي سوى جزء يسير من حجم الاستهلاك المحلّي. ويزيد تغيّر المناخ من تعقيد هذا الواقع، مع تسارع وتيرة التصحّر وتراجع الإنتاج الزراعي، لا سيّما في سهل البقاع الذي يُعدّ المركز الأساسي للزراعة في لبنان.

وسط هذا المشهد المأزوم، تبرز مؤشّرات تُلمّح إلى إمكانيّات غير مُستغلّة بعد. أظهرت دراسة اعتمدت صوراً من الأقمار الصناعيّة ونمذجة حاسوبيّة، إمكانات فعلية للتخطيط الزراعي الذكي. تُتيح القدرة على مراقبة زراعة القمح وتحسينها بشكل مباشر أداة فعّالة لتعزيز الصمود، خصوصاً إذا اقترن ذلك بدعم موجَّه لصغار المزارعين. تقدّم الابتكارات الغذائيّة لمحة عمّا قد تكون عليه منظومة إنتاج الخبز حين تصبح أقرب إلى الاكتفاء الذاتي. وكشفت دراسة أُجريت في العام 2025 أنّه بالإمكان استبدال ما يصل إلى 20% من القمح المستخدم في صناعة الخبز العربي بالبرغل المزروع محليّاً على نطاق واسع، من دون المساس بطعمه أو قوامه. لا تعني هذه الخطوة تقليص الاعتماد على الطحين المستورد وحسب، بل تفتح أيضاً نافذة نحو منظومة خبز أكثر رسوخاً في الإنتاج المحلّي. كما تُظهر اتجاهات المستهلكين – بحسب الدراسة نفسها – استعداداً متزايداً لتقبّل بدائل غير تقليديّة للخبز، شرط أن تكون مغذّية أو أوفر صحّيّاً. وقد أظهرت دراسة نُشرت الشهر الماضي أنّ غالبيّة المستهلكين في لبنان منفتحة على بدائل غير تقليديّة للخبز، كالأصناف المُعزّزة بالخضروات مثل الجزر أو السبانخ، شرط أن تُعتبر أكثر فائدة صحّيّة. لا تُقدّم هذه الدراسات، منفردةً، حلًّا شاملاً لأزمة الخبز المتفاقمة، لكنّها تُشير إلى أنّ الابتكار في مختلف مراحل سلسلة الإمداد يمكن أن يُسهم، مجتمِعًا، في تعزيز الصمود وتأمين وصول مستدام إلى هذا الغذاء الأساسي.

يمتلك لبنان ما يكفي من الخبرات والمعطيات والوسائل لإعادة بناء نظام إنتاج الخبز. ما ينقصه هو طبقة حاكمة مستعدّة لتفكيك المصالح الراسخة والعمل لما فيه المصلحة العامة.

يمتلك لبنان ما يكفي من الخبرات والمعطيات والوسائل لإعادة بناء نظام إنتاج الخبز. ما ينقصه هو طبقة حاكمة مستعدّة لتفكيك المصالح الراسخة والعمل لما فيه المصلحة العامة. على الحكومة الجديدة أن تدرك أنّ عجزها عن ضمان الوصول إلى الخبز سيجعل سائر وعودها بلا قيمة في نظر الرأي العام. المطلوب تحرّك سريع لتوسيع مصادر الاستيراد، وإعادة بناء بنية التخزين وتوزيعها لامركزياً، ودعم الزراعة القادرة على التكيّف مع تغيّر المناخ، ومعالجة التَركُّز القائم في السلطة داخل سلسلة الإمداد. والأهم، أن يُدرج تأمين الخبز ضمن رؤية أشمل تعيد الاعتبار للإنتاج المحلّي والاكتفاء الذاتي كأولويّة.

مع اقتراب انتخابات 2026 النيابيّة، ينبغي ألّا يتعامل الناس مع مسألة الخبز كقضيّة هامشيّة. يجب أن تتحوّل إلى مطلب مركزي في ضمير سياسي يستعيد وعيه. على الناخبين أن يطرحوا على مرشّحيهم سؤالاً بسيطاً ومباشراً: كيف ستضمنون أن الخبز سيصل إلى موائد اللبنانيين؟ السياسيّون الذين لا يستطيعون حماية الناس من الجوع لا يملكون الحقّ في طلب ثقتهم، وأولئك الذين يقفون متفرّجين بينما يتفاقم هذا الظلم، لا يجوز إعادتهم إلى السلطة.

الخبز، الذي يحتلّ مكانه الثابت على موائد اللبنانيين، يجب أن يُصبح أيضاً المعيار الذي نقيس به من يزعم تمثيلنا.

المواضيع ذات الصلة