ما بعد حصر السلاح: ما الذي يحتاجه الجيش اللبناني فعليًا؟

لن يحصل لبنان والدول الداعمة على جيش قادر على حصر السلاح بيد الدولة والحفاظ على الاستقرار وحماية الحدود، في غياب استراتيجية دفاعية جديدة.

يتوجّه الخميس المقبل ممثلون عن الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني إلى باريس للقاء ممثلين عن فرنسا والأردن، مع ترجيح مشاركة الولايات المتحدة والسعودية أيضاً، في إطار مبادرة جديدة ضمن «اجتماعات العقبة» للتعاون العسكري والأمني التي أطلقتها الأردن قبل نحو عقد. ويمهّد هذا اللقاء لعقد مؤتمر دولي أوسع طال انتظاره لحشد الدعم الدولي للجيش اللبناني.

يأتي الاجتماع في توقيت حاسم للجيش اللبناني ولبنان عموماً، وسط ضغوط متزايدة على الحكومة لحصر سلاح حزب الله، فيما تواصل إسرائيل توسيع عملياتها في جنوب البلاد، حيث يتكبد الجيش اللبناني خسائر بشرية كبيرة رغم أنه ليس طرفاً في القتال. كذلك، سيؤدي انسحاب «اليونيفيل» المقرر من جنوب لبنان في كانون الأول المقبل بعد نحو خمسة عقود من انتشارها إلى حرمان الجنوب من دورها المهم في المراقبة والاتصال بين الأطراف. وقد حذّر سفير لبنان لدى الأمم المتحدة أحمد عرفة من أن هذه الخطوة «سابقة لأوانها».

وقال المبعوث الفرنسي جان إيف لودريان عند الإعلان عن الاجتماع مطلع الشهر الجاري: «لذلك، يُعدّ تعزيز الجيش أمراً بالغ الأهمية. فلا يمكن مطالبة الجيش بضمان تخلّي حزب الله عن سلاحه إذا لم تكن لديه الإمكانات اللازمة لفرض هيبته».

ما يغيب عن النقاش فهو الجانب الآخر من المعادلة، أي ضرورة تمكين الجيش اللبناني من ردع الاعتداءات الخارجية والدفاع عن حدود البلاد.

لكن هذه التصريحات تعكس تصوّراً مختلّاً لمهمة الجيش. فالحاجة إلى إنهاء ازدواجية القوة العسكرية في لبنان وحصر سلاح حزب الله وحصر السلاح بيد الدولة، حاضرة بالفعل على جدول أعمال اجتماع باريس.

أما ما يغيب عن النقاش فهو الجانب الآخر من المعادلة، أي ضرورة تمكين الجيش اللبناني من ردع الاعتداءات الخارجية والدفاع عن حدود البلاد. ويستند هذا المطلب إلى القانونين الدولي واللبناني على حد سواء. فقد دعا قرار مجلس الأمن رقم 1701 لعام 2006 إلى «بسط سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانية»، وهو ما ينسجم أيضاً مع اتفاق الطائف لعام 1989 الذي نصّ على «بسط سيادة الدولة اللبنانية تدريجياً على كامل الأراضي اللبنانية».

ولا تقتصر أهمية القدرة على الردع على تعزيز مصداقية الدولة اللبنانية، بل تمتدّ إلى إدارة العلاقات بين لبنان وإسرائيل، إذ ترفع كلفة الهجوم على كلا الطرفين وتجعل ضبط النفس الخيار المفضّل.

وبالتالي، على الحكومة اللبنانية وشركائها الدوليين إصلاح الجيش وبناء قدراته بحيث لا يقتصر دوره على حفظ الأمن الداخلي، بل يقدّم أيضاً نموذجاً موثوقاً لمنع المعتدي من تحقيق أهدافه والصمود في وجهه، يرسّخ الاستقرار على حدود البلاد ويحمي مواطنيها ويسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي. ومن دون ذلك، فإن أي مؤتمر جديد يقتصر هدفه على رفع الرواتب أو تجنيد مزيد من الجنود سيفضي حتماً إلى إعادة إنتاج حلقة مألوفة، يبقى فيها الجيش متخماً بالرتب العليا ويعتمد على جنوده لأداء معظم العمل، فيما تتزايد نفقات الأفراد ويستمر النقص في المعدات والإرادة السياسية اللازمة لإنهاء الازدواجية العسكرية.

لا يهدف الردع إلى استدراج الصراع، بل إلى العكس تماماً، إذ يرفع كلفة العدوان على جانبي الحدود ويجعل ضبط النفس الخيار العقلاني ويرسي استقراراً أكثر قابلية للاستمرار من الوضع القائم.

الحاجة إلى الردع

يمكن تعريف الردع بأنه القدرة على جعل كلفة الهجوم على المهاجم أعلى مما هو مستعد لتحمّله. لا يهدف الردع إلى استدراج الصراع، بل إلى العكس تماماً، إذ يرفع كلفة العدوان على جانبي الحدود ويجعل ضبط النفس الخيار العقلاني ويرسي استقراراً أكثر قابلية للاستمرار من الوضع القائم.

وتجسّد سويسرا، التي كثيراً ما يُستشهد بها نموذجاً للحياد، هذه الفكرة بوضوح. فحيادها لم يكن يوماً سلبياً، بل استند تاريخياً إلى التجنيد الإجباري والدفاع عن الأراضي واستراتيجية تجعل كلفة الغزو باهظة إلى حد يردع الإقدام عليه.

وفي الحالة اللبنانية، ينبغي السعي إلى الردع عبر إحباط أهداف العدوان وتعزيز القدرة على الصمود، لا عبر تحقيق التكافؤ العسكري. وعلى الجيش اللبناني أن يرفع كلفة الهجمات الخارجية، بما يجعل الاعتداء خياراً أقل جاذبية. ويعني إحباط أهداف العدوان جعل تنفيذ التوغلات والغارات أو الانتشار العسكري المطوّل ومواصلتها أكثر صعوبة، فيما يعني الصمود ضمان قدرة الجيش والدولة على مواصلة العمل بعد الضربة الأولى.

وبالنسبة إلى جيش محدود الموارد كالجيش اللبناني، يمكن تطبيق هذين المفهومين بأشكال عدّة، من بينها تعزيز المراقبة والاستخبارات واستخدام المسيّرات وأنظمة التصدي لها وتأمين شبكات اتصال آمنة ومدعومة ببدائل احتياطية، وتحسين حماية منشآت القيادة والأصول العسكرية. ويتطلب الصمود أيضاً القدرة على حماية البنية التحتية المدنية الحيوية واستعادة إمكانية الوصول إلى المناطق المتضررة وضمان استمرار الدولة الجيش في أداء وظائفهما الأساسية بعد أي هجوم. ومن شأن بعض هذه القدرات أن يزيد صعوبة التوغلات، فيما يضمن بعضها الآخر بقاء مؤسسات الدولة قادرة على العمل تحت الضغط.

لن يكون أي من هذه الخيارات كافياً لتجاوز اختلال ميزان القوى العسكري الذي يواجهه لبنان. ففي مواجهة حملة جوية، سيبقى لبنان معتمداً إلى حد بعيد على الحماية القانونية والسياسية في المستقبل المنظور. غير أن توظيف هذه الخيارات مجتمعة لإحباط أهداف العدوان وتعزيز القدرة على الصمود سيجعل الضغط بالقوة أقل يسراً ويحدّ من انكشاف الأراضي والمؤسسات اللبنانية أمام الاعتداءات ويرفع كلفة التوغلات المحدودة أو الهجمات المتكررة.

ويتطلب بناء عقيدة ردع ذات صدقية أيضاً إعادة تصور ما يمكن أن يوفره الدعم الدولي للجيش اللبناني. فعلى مدى عقدين قدّمت واشنطن إلى الجيش اللبناني دعماً مالياً وعسكرياً يفوق ما قدمته أي دولة أخرى؛ إلا أن طبيعة هذا الدعم ظلت مقيّدة وفق القانون الأميركي الذي يفرض على الولايات المتحدة الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على جيرانها.

وإذا كان تحقيق التكافؤ العسكري مع إسرائيل غير مرغوب فيه لدى بعض أبرز داعمي الجيش اللبناني، فلا بد في المقابل من التحذير من أن شلّ قدرته العسكرية تماماً يوفّر لحزب الله الظروف التي يحتاج إليها ليؤكد أن قواته المستقلة لا غنى عنها. وفي الوقت نفسه، ينبغي للأطراف الدولية المعنية أن تدرك أن الاستقرار الإقليمي والهيمنة العسكرية الإسرائيلية ليسا أمراً واحداً، ولا سيما في ظل الواقع السياسي الراهن في إسرائيل.

التفكير بصورة مختلفة مطلوب من الطرفين

لكي يصبح الجيش اللبناني قادراً على توفير ردع ذي صدقية في مواجهة الخارج، وفي الوقت نفسه حصر سلاح حزب الله، لا بد أيضاً من إعادة النظر جذرياً في المؤسسة نفسها. وعلى الحكومة اللبنانية أن تقدّم لشركائها الدوليين ما يتجاوز طلب تمويل إضافي لدعم البنية القائمة للجيش.

ينبغي النظر إلى ضرورة إصلاح الجيش في ضوء دوره الأوسع في المجتمع اللبناني. فالجيش، الذي يضم أكثر من 80 ألف عنصر وما يصل إلى 400 ضابط من الرتب العليا، هو أكبر جهة توظيف في القطاع العام في البلاد، ويوفر للعسكريين في الخدمة والمتقاعدين وعائلاتهم الرعاية الصحية والتعليم ومعاشات التقاعد وغيرها من التقديمات. وفي المناطق الأكثر فقراً خصوصاً، حيث تندر فرص العمل النظامي وتضعف الحماية الاجتماعية، شكّل الجيش في كثير من الأحيان مصدر أمان اقتصادي أساسياً.

لكن لهذا الدور الاجتماعي كلفة. ففي عام 2025، أنفقت وزارة الدفاع نحو 1.09 مليار دولار على الجيش، خصص 76% منهالنفقات الأفراد. وفي المقابل، شكّلت النفقات الرأسمالية أقل من 2% من إجمالي الإنفاق، فيما لم يُخصّص للمعدات سوى ما يعادل 0.4% منه. وبالنسبة إلى دولة تعاني قيوداً مالية حادة، فإن الإبقاء على فاتورة أجور بهذا الحجم يأتي مباشرة على حساب الاستثمار في القدرات التي اللازمة للردع.

لذلك، يقتضي الإصلاح إعادة هيكلة تدريجية للقوة العسكرية واتخاذ قرارات صعبة بشأن أولويات الإنفاق بما يتلاءم مع الاحتياجات الاستراتيجية. غير أن تجنّب الإصلاح له بدوره كلفة استراتيجية. فإذا كان المطلوب أن يصبح الجيش اللبناني القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في البلاد، فلا بد من توجيه موارده المحدودة نحو أداء مهمته العسكرية، وإعطائها الأولوية على التوظيف والرعاية الاجتماعية. وهذا يتطلب إعادة تحديد أولويات المؤسسة على أعلى مستوى سياسي.

وسبق للبنان أن نجح في إصلاح مؤسسات عامة أخرى. فقد صمدت شركة طيران الشرق الأوسط في خلال الحرب الأهلية لكنها وجدت نفسها بعد ذلك في أزمة. بحلول عام 1997، كانت خسائرها السنوية قد بلغت 87 مليون دولار، فيما عانت تضخماً في عدد موظفيها وتقادم أسطولها. ورغم أوجه القصور التي لا تزال تعانيها، بقيت «طيران الشرق الأوسط» واحدة من المؤسسات القليلة المرتبطة بالدولة التي حافظت على انتظام عملها وحققت أرباحاً في معظم السنوات. وإلى جانب حصر السلاح وبناء الردع، ينبغي أن يشمل الطموح الإصلاحي نفسه القوات المسلحة بوصفها إحدى أهم مؤسسات لبنان وأكثرها قيمة.

من دون تصور بديل لدور الجيش اللبناني داخل البلاد، سيستمر الوجود العسكري لحزب الله، مدعوماً باعتقاد شرائح واسعة من السكان بأنه لا يمكن الاستغناء عنه.

كلفة الوقوف على الحياد

لا يمكن أن يستمر الوضع الذي يجد الجيش اللبناني نفسه فيه اليوم. فعلى من أنه لم يكن طرفاً في أي من جولتي القتال بين إسرائيل وحزب الله منذ عام 2023، تكبّد خسائر فادحة من جراء الصراع المستمر. ققد قتلت الضربات الإسرائيلية نحو 70 عسكرياً من الجيش اللبناني و18 عنصراً من الأجهزة الأمنية الرسمية الأخرى خلال عامي 2023-2024 و2026. وكتب باسل دويك في حزيران، المختص بالشأن اللبناني في «مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة وأحداثها» (ACLED)، أن خسائر كهذه تضفي صدقية على حجة حزب الله بأن القوة العسكرية هي التي تردع إسرائيل، لا الدبلوماسية ولا مؤسسات الدولة.

ومن دون تصور بديل لدور الجيش اللبناني داخل البلاد، سيستمر الوجود العسكري لحزب الله، مدعوماً باعتقاد شرائح واسعة من السكان بأنه لا يمكن الاستغناء عنه. وسيؤدي ذلك إلى استمرار الصراع مع إسرائيل، فيما سيظل حصر السلاح الذي يسعى مؤتمر باريس إلى إحراز تقدم فيه بعيد المنال. وبذلك، سيموّل شركاء لبنان جيشاً لتنفيذ مهمة جعلها نهجهم أنفسهم مستحيلة.

ولا ينبغي قياس نجاح مؤتمر باريس بحجم الأموال التي يُتعهد بها في نهاية المطاف أو بعدد الجنود الذين يستطيع الجيش اللبناني نشرهم، بل بما إذا كان لبنان وشركاؤه سيشرعون في بناء مؤسسة قابلة للاستمرار مالياً وقادرة مع مرور الوقت على جعل حصر السلاح بيد الدولة خياراً ذا صدقية استراتيجية. ولا يمكن للأطراف الخارجية أن تقول إنها تدعم سيادة لبنان في مواجهة نفوذ حزب الله، ثم تدعم زيادة عديد الجيش من دون توفير الوسائل اللازمة لبناء قدرة ردع ذات صدقية. وما لم يطوّر لبنان نموذجاً للردع يدعمه شركاؤه ويتيح للجيش بسط سلطته فعلياً على كامل أراضي البلاد، فستبقى السيادة شعاراً فارغاً سواء رُفع في بيروت أو باريس أو واشنطن.

 

ملاحظة المحرر: يتقدم فريق «البديل» بخالص الشكر إلى فيكتور ماسون على الأبحاث التمهيدية التي أجراها ومساهماته في إعداد هذا المقال.

المواضيع ذات الصلة