الحاجة إلى الردع
يمكن تعريف الردع بأنه القدرة على جعل كلفة الهجوم على المهاجم أعلى مما هو مستعد لتحمّله. لا يهدف الردع إلى استدراج الصراع، بل إلى العكس تماماً، إذ يرفع كلفة العدوان على جانبي الحدود ويجعل ضبط النفس الخيار العقلاني ويرسي استقراراً أكثر قابلية للاستمرار من الوضع القائم.
وتجسّد سويسرا، التي كثيراً ما يُستشهد بها نموذجاً للحياد، هذه الفكرة بوضوح. فحيادها لم يكن يوماً سلبياً، بل استند تاريخياً إلى التجنيد الإجباري والدفاع عن الأراضي واستراتيجية تجعل كلفة الغزو باهظة إلى حد يردع الإقدام عليه.
وفي الحالة اللبنانية، ينبغي السعي إلى الردع عبر إحباط أهداف العدوان وتعزيز القدرة على الصمود، لا عبر تحقيق التكافؤ العسكري. وعلى الجيش اللبناني أن يرفع كلفة الهجمات الخارجية، بما يجعل الاعتداء خياراً أقل جاذبية. ويعني إحباط أهداف العدوان جعل تنفيذ التوغلات والغارات أو الانتشار العسكري المطوّل ومواصلتها أكثر صعوبة، فيما يعني الصمود ضمان قدرة الجيش والدولة على مواصلة العمل بعد الضربة الأولى.
وبالنسبة إلى جيش محدود الموارد كالجيش اللبناني، يمكن تطبيق هذين المفهومين بأشكال عدّة، من بينها تعزيز المراقبة والاستخبارات واستخدام المسيّرات وأنظمة التصدي لها وتأمين شبكات اتصال آمنة ومدعومة ببدائل احتياطية، وتحسين حماية منشآت القيادة والأصول العسكرية. ويتطلب الصمود أيضاً القدرة على حماية البنية التحتية المدنية الحيوية واستعادة إمكانية الوصول إلى المناطق المتضررة وضمان استمرار الدولة الجيش في أداء وظائفهما الأساسية بعد أي هجوم. ومن شأن بعض هذه القدرات أن يزيد صعوبة التوغلات، فيما يضمن بعضها الآخر بقاء مؤسسات الدولة قادرة على العمل تحت الضغط.
لن يكون أي من هذه الخيارات كافياً لتجاوز اختلال ميزان القوى العسكري الذي يواجهه لبنان. ففي مواجهة حملة جوية، سيبقى لبنان معتمداً إلى حد بعيد على الحماية القانونية والسياسية في المستقبل المنظور. غير أن توظيف هذه الخيارات مجتمعة لإحباط أهداف العدوان وتعزيز القدرة على الصمود سيجعل الضغط بالقوة أقل يسراً ويحدّ من انكشاف الأراضي والمؤسسات اللبنانية أمام الاعتداءات ويرفع كلفة التوغلات المحدودة أو الهجمات المتكررة.
ويتطلب بناء عقيدة ردع ذات صدقية أيضاً إعادة تصور ما يمكن أن يوفره الدعم الدولي للجيش اللبناني. فعلى مدى عقدين قدّمت واشنطن إلى الجيش اللبناني دعماً مالياً وعسكرياً يفوق ما قدمته أي دولة أخرى؛ إلا أن طبيعة هذا الدعم ظلت مقيّدة وفق القانون الأميركي الذي يفرض على الولايات المتحدة الحفاظ على التفوق العسكري النوعي لإسرائيل على جيرانها.
وإذا كان تحقيق التكافؤ العسكري مع إسرائيل غير مرغوب فيه لدى بعض أبرز داعمي الجيش اللبناني، فلا بد في المقابل من التحذير من أن شلّ قدرته العسكرية تماماً يوفّر لحزب الله الظروف التي يحتاج إليها ليؤكد أن قواته المستقلة لا غنى عنها. وفي الوقت نفسه، ينبغي للأطراف الدولية المعنية أن تدرك أن الاستقرار الإقليمي والهيمنة العسكرية الإسرائيلية ليسا أمراً واحداً، ولا سيما في ظل الواقع السياسي الراهن في إسرائيل.
التفكير بصورة مختلفة مطلوب من الطرفين
لكي يصبح الجيش اللبناني قادراً على توفير ردع ذي صدقية في مواجهة الخارج، وفي الوقت نفسه حصر سلاح حزب الله، لا بد أيضاً من إعادة النظر جذرياً في المؤسسة نفسها. وعلى الحكومة اللبنانية أن تقدّم لشركائها الدوليين ما يتجاوز طلب تمويل إضافي لدعم البنية القائمة للجيش.
ينبغي النظر إلى ضرورة إصلاح الجيش في ضوء دوره الأوسع في المجتمع اللبناني. فالجيش، الذي يضم أكثر من 80 ألف عنصر وما يصل إلى 400 ضابط من الرتب العليا، هو أكبر جهة توظيف في القطاع العام في البلاد، ويوفر للعسكريين في الخدمة والمتقاعدين وعائلاتهم الرعاية الصحية والتعليم ومعاشات التقاعد وغيرها من التقديمات. وفي المناطق الأكثر فقراً خصوصاً، حيث تندر فرص العمل النظامي وتضعف الحماية الاجتماعية، شكّل الجيش في كثير من الأحيان مصدر أمان اقتصادي أساسياً.
لكن لهذا الدور الاجتماعي كلفة. ففي عام 2025، أنفقت وزارة الدفاع نحو 1.09 مليار دولار على الجيش، خصص 76% منهالنفقات الأفراد. وفي المقابل، شكّلت النفقات الرأسمالية أقل من 2% من إجمالي الإنفاق، فيما لم يُخصّص للمعدات سوى ما يعادل 0.4% منه. وبالنسبة إلى دولة تعاني قيوداً مالية حادة، فإن الإبقاء على فاتورة أجور بهذا الحجم يأتي مباشرة على حساب الاستثمار في القدرات التي اللازمة للردع.
لذلك، يقتضي الإصلاح إعادة هيكلة تدريجية للقوة العسكرية واتخاذ قرارات صعبة بشأن أولويات الإنفاق بما يتلاءم مع الاحتياجات الاستراتيجية. غير أن تجنّب الإصلاح له بدوره كلفة استراتيجية. فإذا كان المطلوب أن يصبح الجيش اللبناني القوة المسلحة الشرعية الوحيدة في البلاد، فلا بد من توجيه موارده المحدودة نحو أداء مهمته العسكرية، وإعطائها الأولوية على التوظيف والرعاية الاجتماعية. وهذا يتطلب إعادة تحديد أولويات المؤسسة على أعلى مستوى سياسي.
وسبق للبنان أن نجح في إصلاح مؤسسات عامة أخرى. فقد صمدت شركة طيران الشرق الأوسط في خلال الحرب الأهلية لكنها وجدت نفسها بعد ذلك في أزمة. بحلول عام 1997، كانت خسائرها السنوية قد بلغت 87 مليون دولار، فيما عانت تضخماً في عدد موظفيها وتقادم أسطولها. ورغم أوجه القصور التي لا تزال تعانيها، بقيت «طيران الشرق الأوسط» واحدة من المؤسسات القليلة المرتبطة بالدولة التي حافظت على انتظام عملها وحققت أرباحاً في معظم السنوات. وإلى جانب حصر السلاح وبناء الردع، ينبغي أن يشمل الطموح الإصلاحي نفسه القوات المسلحة بوصفها إحدى أهم مؤسسات لبنان وأكثرها قيمة.