ومع تراجع قدرة المنشآت على العمل أو تعذّر الوصول إليها حاول مركز عمليات طوارئ الصحة سدّ الفجوات عبر نقل المرضى بين المستشفيات والمحافظات وتحويل سيارات الإسعاف بعيداً من المرافق المكتظة، وتمديد ساعات عمل مراكز الرعاية الصحية الأولية. لكن هذه التدابير لم تُعد الخدمة إلى مستواها الطبيعي بل أعادت توزيع النقص، فتركّز عدد أكبر من المرضى في عدد أقل من المنشآت التي بقيت قادرة على العمل.
ولم يقتصر الاستهداف على البنية التحتية بل طال أيضاً العاملين في القطاع الصحي أنفسهم. فقد استهدفت الغارات الإسرائيلية الكوادر الطبية بدرجة من المباشرة تميّز هذا التصعيد عن الأضرار العرضية المعتادة في النزاعات المسلحة، ما أسفر عن مقتل ما مجموعه 376 عاملاً صحياً في حربي 2024 و2026. وفي 13 آذار قتلت غارة واحدة على مركز برج قلاويه للرعاية الصحية الأولية 12 طبيباً ومسعفاً وممرضاً كانوا على رأس عملهم.
لكن الهجمات خلّفت أثراً آخر أقل ظهوراً. فقد أظهرت دراسة أُجريت بعد حرب 2024 أن 18.4% من العاملين الصحيين الذين شملهم الفحص كانوا عرضة بدرجة مرتفعة لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مع نسب أعلى بكثير بين الممرضين وبين من تعرّضوا مباشرة للحرب. ثم أضاف تصعيد 2026 طبقة جديدة من الصدمات النفسية فاقمها النزوح. واضطر عاملون صحيون إلى مغادرة المناطق المتضررة من القتال ما خلق فجوة بنيوية بين أماكن وجود الكوادر وأماكن الحاجة إليها. ولم تستمر بعض المنشآت في العمل إلا لأن موظفيها اختاروا البقاء رغم الخطر.
وفي الوقت نفسه أدّى استهداف طرق الإمداد وإغلاق المنشآت ونفاد المخزونات إلى تقليص القدرة على توفير الأدوية والمستلزمات الضرورية للعلاج، تاركاً كوادر منهكة أمام موارد أقل. وزادت من حدّة هذه الضغوط هشاشة بنيوية سابقة للحرب، إذ يستورد لبنان نحو 95% من المنتجات الدوائية التي يستهلكها، ما يجعل نظامه الصحي شديد التأثر بأي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية. وبعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر شباط، أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل ممر لوجستي أساسي تمر عبره نحو 80% من واردات المنطقة من المنتجات الدوائية. ونتيجة لذلك ارتفعت كلفة إيصال الإمدادات الطبية إلى لبنان إلى ثلاثة أضعاف. وبحلول منتصف نيسان كان 9% من أدوية الأمراض المزمنة قد نفد من الأسواق على مستوى البلاد، فيما لم يكن مخزون 26% أخرى منها يكفي لأكثر من ثلاثة أشهر.
وتركت هذه الضغوط المتراكمة النظام الصحي بقدرة محدودة جداً على استيعاب أعداد كبيرة من المصابين دفعة واحدة. ظهر ذلك بوضوح في 8 نيسان، اليوم الذي بات يُعرف في لبنان بـ«الأربعاء الأسود». ففي عشر دقائق فقط شنّت إسرائيل أكثر من 100 غارة في أنحاء البلاد، استهدفت بيروت والبقاع وصيدا وصور من دون سابق إنذار وفي وضح النهار. أسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 357 شخصاً وإصابة أكثر من 1,200، فيما تدفقت أعداد كبيرة من المصابين إلى المستشفيات الرئيسية. واستُهلكت خلال يوم واحد حُزم علاج الإصابات البليغة التي تضم الأدوية الأساسية والمستلزمات الجراحية والمعدات اللازمة لمعالجة الإصابات الخطيرة والتي تكفي عادة لثلاثة أسابيع، في وقت جعل فيه تدمير طرق الوصول تعويض المخزون وإيصال إمدادات جديدة أكثر صعوبة.
استمرارية الرعاية وشروط العودة
لا تقع الاضطرابات في سلسلة الرعاية بمعزل عن بعضها بل تتراكم آثارها، فتؤدي إلى وفيات كان يمكن تجنّبها لولا تأخر العلاج أو تعذّر الوصول إليه. بالنسبة للمصابين بجروح بالغة يرتبط التأخر في الإجلاء والعلاج مباشرة بارتفاع معدلات الوفاة والمضاعفات، لا سيما في الحالات التي تكون فيها النافذة الزمنية للتدخل الطبي ضيقة. وقد أدّت الهجمات على القطاع الصحي إلى إطالة هذه المدة بصورة ممنهجة في مختلف أنحاء الجنوب. وخلال القصف الإسرائيلي وصل مرضى (بينهم أطفال) وهم يعانون من نزيف حاد وبتر رضّي وجروح معقّدة إلى منشآت كانت أصلاً تعمل فوق طاقتها الاستيعابية في ظروف لم تكن بروتوكولات التعامل مع أعداد كبيرة من الإصابات كافية وحدها لمواجهتها.
ويتراكم نوع آخر من الضرر على المدى المتوسط لدى المرضى الذين يحتاجون إلى علاج مزمن أو إلى رعاية ضرورية لاستمرار حياتهم. فبالنسبة إلى مرضى غسيل الكلى أو السرطان، قد يؤدي تأخير العلاج لبضعة أيام أو أسابيع فقط إلى تدهور حالتهم على نحو يصعب تداركه لاحقاً. وحتى عندما نُقل المرضى إلى مناطق أبعد شمالاً لاستئناف علاجهم جعلت كلفة التنقل والمسافات الإضافية استمرارية الرعاية خارج متناول كثيرين.
ولا تعكس الأرقام الرسمية للضحايا الوفيات الناتجة عن تدهور النظام الصحي، لكن ذلك لا يعني أن حجم الخسائر غير المباشرة عصي على التقدير. فقد خلص بحث نُشر في ذا لانسيت إلى أن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن انهيار الرعاية الصحية في نزاعات حديثة مثل حرب غزة، قد تتراوح بين ثلاثة أضعاف و15 ضعف عدد الوفيات المباشرة. ولا تخص هذه التقديرات لبنان، بل تعكس نمطاً تاريخياً موثقاً في نزاعات مسلحة أخرى. غير أن أهميتها التحليلية تكمن في أن النمط الذي تستند إليه ليس عارضاً ولا غير مسبوق، إذ صرّح مسؤولون إسرائيليون بأن العمليات في لبنان تستند إلى النموذج الذي اتُّبع في غزة وهو منطق للاستهداف لن تظهر حصيلته الكاملة إلا على مدى سنوات.
ولا يقتصر أثر تدهور الخدمات الصحية على ارتفاع الوفيات بل يمتد أيضاً إلى إمكان عودة المدنيين إلى الجنوب واستقرارهم فيه. فالعودة تتطلب توافر الحد الأدنى من مقوّمات الحياة اليومية من الغذاء والمياه والمأوى والكهرباء، وإلى رعاية طبية يمكن الوصول إليها عند المرض أو الإصابة. وربط مسؤولون في مركز عمليات طوارئ الصحة العامة بين تدمير البنية التحتية الصحية والنزوح مباشرة، معتبرين أن غياب خدمات الطوارئ والرعاية الأساسية التي يمكن الوصول إليها يزيد الضغط على المدنيين للمغادرة. وينطبق المنطق نفسه على العودة: فبقاء المستشفيات مفتوحة وقابلة للوصول يشير إلى إمكان استمرار الحياة ويشجع السكان على الرجوع، فيما يصبح غياب الخدمات الصحية بسبب الإغلاق أو الدمار أو انقطاع الطرق المؤدية إليها، عاملاً يثقل قرار العودة.
وتشكّل مراكز الرعاية الصحية الأولية جزءاً من البنية التحتية الأوسع اللازمة لتثبيت العودة. فهي توفر الاستشارات الدورية والأدوية وخدمات الإحالة التي تتيح للسكان تلبية احتياجاتهم الصحية بالقرب من أماكن سكنهم. لكن إعادة تشغيل هذه المراكز، وإن كانت ضرورية، لا تكفي وحدها. فالعودة تتوقف أيضاً على توافر الطرق والمياه والكهرباء والمساكن والخدمات الطبية المتخصصة التي لا تستطيع الرعاية الأولية أن تحل محلها. ومدى تدمير هذه المنظومات هو ما يحدد المدة اللازمة للعودة وإمكان تحققها، ولا سيما بالنسبة إلى من يحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة أو متواصلة.
وقد أعطت إسرائيل هذا المنطق شكلاً جغرافياً واضحاً. فالمنطقة العازلة المعروفة بـ«الخط الأصفر» والتي أُعلنت منطقة عسكرية مغلقة في نيسان، تشمل 55 قرية جنوب الليطاني تعرّضت بناها التحتية المدنية لدمار واسع. وفي هذه المنطقة التي يُمنع السكان عملياً من العودة إليها، تعرّضت المنشآت الصحية لأشد أشكال التدمير المنهجي بالتوازي مع استهداف سائر المقوّمات الأساسية للحياة. أما في بقية مناطق الجنوب، حيث ظلت العودة ممكنة من الناحية المادية على الأقل، فلم يكن الوضع أفضل بكثير. فقد وجد المجلس النرويجي للاجئين أن وقف إطلاق النار في 17 نيسان عمّق النزوح بدلاً من الحد منه، إذ عادت عائلات لتجد منازلها متضررة وقراها محرومة من الخدمات الأساسية، ما اضطرها إلى النزوح مرة أخرى.
التكلفة الأوسع
أدّت الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع الصحي في جنوب لبنان إلى تفكيك سلسلة الرعاية تدريجياً، حلقةً بعد أخرى، عبر جولات متتالية من الحرب، وقوّضت بذلك الشروط التي تتيح استمرار الحياة المدنية في هذه المناطق. ومن هذا المنظور تندرج الممارسات الإسرائيلية في جنوب لبنان ضمن اتجاه دولي أوسع يبعث على القلق، حيث تضعف الضمانات التي يوفرها القانون الدولي الإنساني للرعاية الطبية، ودلائل ذلك واضحة من غزة وسوريا إلى السودان وأوكرانيا. حين تمر انتهاكات من هذا النوع من دون ردع، لا يقتصر أثرها على نزاع محدّد بل تضعف الإطار القانوني الذي يُفترض أن يحمي المدنيين في الحروب عموماً.
ولا يمكن اختزال حجم الدمار في لبنان بأعداد القتلى والجرحى وحدها، فقد لا تتكشّف آثاره كاملة إلا مع مرور الوقت: في وفيات كان يمكن تفاديها لو أتيح للمرضى الحصول على الرعاية في الوقت المناسب وفي تدهور أوضاع المصابين بأمراض مزمنة، وفي إطالة أمد النزوح حين تبقى الخدمات الصحية الأساسية صعبة الوصول. لذلك لا يمكن التعامل مع تدمير القطاع الصحي كأثر جانبي للحرب، بل أصبح ساحة قائمة بذاتها من ساحات إدارتها تسعى إسرائيل من خلالها إلى الحد من قدرة المدنيين على البقاء والعودة إلى مناطقهم التي تحتلها.وما لم تستعد سلسلة الرعاية قدرتها على العمل بصورة متكاملة، ستبقى تداعيات الحرب قائمة حتى بعد توقف القتال، لا في عدد من ينجون فقط، بل أيضاً في قدرة السكان على العودة والاستقرار في بلداتهم وقراهم.
مع جزيل الشكر لهشام جابر، مدير الأبحاث ومستشار السياسات الصحية، ومايكل القسيس، محلل أبحاث أول، على إسهاماتهما القيّمة من خلال ما قدّماه من رؤى وتحليلات وإجراء مقابلات في إطار هذا العمل.
سلمى داوودي زميلة غير مقيمة في بديل | معهد السياسات البديلة.