لا عودة بلا رعاية: كلفة الهجمات الإسرائيلية على القطاع الصحي في جنوب لبنان

من لحظة وقوع الإصابة إلى إمكانية العودة، لم تسلم أي حلقة في سلسلة الرعاية الصحية في لبنان من الاستهداف.

عطّلت الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة على العاملين في القطاع الصحي والمنشآت الصحية في جنوب لبنان سلسلة الرعاية التي يعتمد عليها السكان للبقاء، ما جعل استمرار الحياة في هذه المناطق أكثر صعوبة وزاد من العوائق أمام عودة الأهالي. فمنذ اندلاع الحرب في 2 آذار استهدفت الغارات الإسرائيلية فرق الإنقاذ أثناء استجابتها للمصابين، وألحقت أضراراً بالمستشفيات أو أخرجتها من الخدمة، ودمّرت طرقاً تُستخدم للوصول إلى المرضى ونقل الإمدادات الطبية.

غالباً ما يتركّز النقاش حول هذه الهجمات على كونها انتهاكات لمبدأ الحياد الطبي وللحماية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني، وبالتالي يتركّز النقاش على كل حادثة على حدة. لكن أثرها التراكمي يتجاوز نتائج أي ضربة منفردة. ولإدراك حجم هذه التداعيات، لا بدّ من النظر إلى سلسلة الرعاية بكاملها: منذ لحظة وقوع كل إصابة ومحاولة فرق الإنقاذ الوصول إلى المصابين، مروراً بالمنشآت والموارد اللازمة للعلاج، وصولاً إلى الظروف التي تتيح لسكان الجنوب الوصول للرعاية على المدى الأطول وتؤثر في المحصلة في قدرتهم على العودة إلى بلداتهم وقراهم.

فحين ينهار النظام الصحي قد تتحوّل أمراض وإصابات قابلة للعلاج إلى مضاعفات خطيرة، وأحياناً قاتلة، بما يهدّد القدرة على البقاء ويقوّض احتمالات العودة.

لم تسلم أي حلقة في سلسلة الرعاية من الاستهدافات الإسرائيلية، إذ أن حجم الاعتداءات يشير إلى حملة ممنهجة تطال القطاع الصحي. منذ بداية حرب 2026 أسفرت أكثر من 200 غارة إسرائيلية عن مقتل 135 عاملاً في القطاع الصحي وإصابة 406 آخرين، كما ألحقت أضراراً بـ17 مستشفى و175 سيارة إسعاف وأدّت إلى إغلاق 44 مركز للرعاية الصحية الأولية. كان جنوب لبنان الأكثر تضرّراً في سياق الحملة الإسرائيلية الأوسع لجعل المناطق الحدودية غير قابلة للسكن.

ولا يقتصر أثر هذه الهجمات على تعطيل خدمات الطوارئ، بل هي تقوّض أيضاً قدرة النظام الصحي على توفير المقوّمات اللازمة لاستمرار الحياة. بالنسبة إلى المصابين بأمراض مزمنة والنساء الحوامل وكبار السن، قد يكون توافر خدمات صحية قادرة على العمل، إلى جانب الغذاء والمياه والمأوى، عاملاً أساسياً في إمكانية البقاء في بلداتهم وقراهم أو العودة إليها. لكن التداعيات لا تقتصر على الفئات الأكثر هشاشة؛ فحين ينهار النظام الصحي قد تتحوّل أمراض وإصابات قابلة للعلاج إلى مضاعفات خطيرة، وأحياناً قاتلة، بما يهدّد القدرة على البقاء ويقوّض احتمالات العودة.

نظام صحي مُنهَك

حين اندلعت الموجة الأخيرة من التصعيد كان القطاع الصحي في لبنان مُنهك من سنوات من الأزمة الاقتصادية ومن جولة سابقة من الحرب. فقد أدّى الانهيار المالي في 2019 إلى تآكل القدرة الشرائية للمؤسسات الصحية العامة بالتزامن مع خسارة الليرة اللبنانية لـ 98% من قيمتها، ما تسبب بنقص في الأدوية والمعدات والوقود. كما غادر البلاد نحو 40% من العاملين في القطاع الطبي فيما واصل الباقون عملهم في ظل نقص مزمن في التمويل انعكس على مستوى الرعاية المقدّمة لمن يحتاجون إلى علاج متواصل مثل مرضى السرطان وغسيل الكلى.

ثم جاءت حرب 2023-2024 لتضيف المزيد من الأضرار على القطاع. إذ قُتل 241 عامل في القطاع الصحي وأصيب 292 آخرون، فيما لحقت أضرار واسعة بالبنية التحتية الصحية؛ فقد خسرت محافظة النبطية (على سبيل المثال) 40% من قدرتها الاستيعابية من أسرّة المستشفيات. ومع استئناف الأعمال القتالية، كانت المستشفيات تكافح لتوفير الرعاية الاعتيادية والمتخصصة، فيما تتحمل في الوقت نفسه الأعباء التشغيلية والنفسية التي خلّفتها الحرب السابقة.

يعاني النظام الصحي في لبنان من التفكك الشديد، حيث تتوزّع خدماته على مؤسسات حكومية وهيئات مرتبطة بأحزاب سياسية ومنظمات غير حكومية. ففي الجنوب تعمل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة لوزارة الصحة العامة إلى جانب الهيئة الصحية الإسلامية المرتبطة بحزب الله، والتي توفّر خدمات طبية مجانية أو مدعومة عبر شبكة واسعة من العيادات. كما يقدّم الصليب الأحمر اللبناني والدفاع المدني خدمات الإسعاف والاستجابة للطوارئ، إلى جانب جمعية كشافة الرسالة المرتبطة بحركة أمل.

وقد استخدمت إسرائيل ارتباط بعض هذه المؤسسات بجهات سياسية لتبرير هجماتها عليها، رغم أن هذا الارتباط وحده لا يجعل العاملين الصحيين أو سيارات الإسعاف أو المنشآت الطبية أهدافاً مشروعة. كما اتهمت السلطات الإسرائيلية حزب الله باستخدام سيارات الإسعاف والمنشآت الطبية لأغراض عسكرية. وفي آذار، قالت منظمة العفو الدولية إن إسرائيل لم تقدّم أي أدلة تثبت هذه الادعاءات، وشدّدت على أن العاملين الصحيين لا يفقدون الحماية التي يتمتعون بها لمجرد عملهم لدى مؤسسات مرتبطة بحزب الله. وبموجب القانون الدولي الإنساني، لا يجوز استهداف المنشآت الطبية إلا إذا استُخدمت في أعمال «ضارة بالعدو»، وحتى عندئذ، لا يصبح استهدافها مشروعاً إلا بعد توجيه إنذار بالإخلاء وعدم الامتثال له.

وفي الشهر نفسه، أجرى الغارديان تحقيقاً ميدانياً استند إلى مقابلات مع تسعة عاملين في القطاع الطبي، وزيارات إلى ثلاثة مراكز طبية مدمّرة، ومعاينة سيارتي إسعاف متضررتين. ولم يعثر التحقيق على أي دليل على استخدام عسكري في المواقع التي شملها، ولا على ما يثبت الادعاء الإسرائيلي الأوسع بأن حزب الله يستخدم سيارات الإسعاف لأغراض عسكرية.

أوجد الاستهداف المتكرر للبنية التحتية الصحية فجوة بين القدرة الاسمية للنظام، أي ما يبقى عاملاً منه على الورق، وقدرته الفعلية على إيصال الرعاية إلى الناس.

واستمرت هذه المزاعم مع اتساع نطاق الهجمات على القطاع الصحي. ففي حزيران، وبعد استهداف ثلاثة مستشفيات في جنوب لبنان خلال أقل من أسبوع، اتهمت إسرائيل حزب الله بالسيطرة على مستشفى تبنين الحكومي. لكن وزارة الصحة رفضت الاتهام واعتبرته مفبركاً، فيما واصل المستشفى استضافة عمليات طبية تشارك فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر والصليب الأحمر اللبناني والجيش اللبناني.

وقد أوجد الاستهداف المتكرر للبنية التحتية الصحية فجوة بين القدرة الاسمية للنظام، أي ما يبقى عاملاً منه على الورق، وقدرته الفعلية على إيصال الرعاية إلى الناس. فقد تبقى المنشأة قائمة ومفتوحة، لكن الرعاية تصبح عملياً خارج المتناول عندما تعجز فرق الإسعاف عن الوصول إلى المصابين، أو تنقطع طرق نقل المرضى وإحالتهم، أو يتعذر وصول الكوادر والإمدادات اللازمة للعلاج. وتمتد هذه الفجوة على طول سلسلة الرعاية كلها، من إجلاء المصابين ونقلهم، إلى الإحالة والعلاج، وصولاً إلى الرعاية المستمرة لمرضى الحالات المزمنة.

الوصول إلى المصابين ونقلهم

بعد أي غارة إسرائيلية، قد تتوقف نجاة المصابين على سرعة وصول المسعفين إلى الموقع وإجلائهم ونقلهم إلى منشأة صحية قادرة على استقبالهم. بالتالي يشكّل الإنقاذ الحلقة الأولى في سلسلة الرعاية. بموجب القانون الدولي الإنساني لا ترتبط حماية الكوادر الطبية وحقها في أداء مهامها بهوية الأشخاص الذين تعالجهم أو صفتهم. فيمكن للفرق الطبية إسعاف المدنيين والمقاتلين الجرحى الذين خرجوا من القتال من دون أن تفقد الحماية المقررة لها، ولا يجوز تبرير استهدافها استناداً إلى هوية من تعمل على إنقاذهم، لا سيما أن التمييز بينهم ليس ممكناً دائماً في ظروف العمل الميداني.

وعملياً تعتمد عمليات الإنقاذ على ترتيبات طوعية تتبادل بموجبها المنظمات الإنسانية المعلومات مع أطراف النزاع بهدف الحد من خطر تعرّضها للنيران أثناء العمليات القتالية. لكن هذه الترتيبات لا تنشئ الالتزام القانوني بحماية الكوادر الطبية، إذ أنّ هذا الالتزام قائم أصلاً بموجب القانون الدولي الإنساني. يميّز أليكسي نعمة، مدير خدمات الإسعاف والطوارئ الطبية في الصليب الأحمر اللبناني، بين الإخطار (إبلاغ الفرق لليونيفيل أو لآلية التنسيق المعنية بتحركها أثناء تنفيذ المهمة) والتنسيق المسبق لتفادي الاستهداف والذي يتطلب الحصول على موافقة صريحة قبل دخول مناطق خطوط المواجهة. حتى بعد منح هذه الموافقة، قد يُطلب من الفرق العودة، أو قد تتعرض لضربة تحذيرية أو تُبلّغ بأن المنطقة أُعيد تصنيفها «منطقة حمراء».

تؤثر هذه العملية بشكل مباشر في الوقت اللازم للوصول إلى المصاب. فقد تتمكن الفرق من التحرك فوراً، أو تضطر إلى انتظار الموافقة، أو تعلّق المهمة إلى حين تجديد التصريح. وحين تكون الإصابة مهدِّدة للحياة، فإن أي تأخير ولو لبضع دقائق قد يكون كافياً للفصل بين النجاة والموت.

رغم أن آليات التنسيق هذه يفترض أن تحمي فرق الإنقاذ، فإنها أخفقت مراراً. ففي 12 نيسان قُتل متطوع في الصليب الأحمر أثناء نزوله من سيارة إسعاف تحمل شارات واضحة، خلال مهمة جرى تنسيقها مسبقاً في بيت ياحون بعدما أبلغ الفريق القوات الإسرائيلية عبر اليونيفيل وحصل على إذن بالتقدّم. وفي 22 نيسان أُصيبت الصحافية اللبنانية أمل خليل وزميلتها زينب فرج وحوصرتا تحت الأنقاض. تمكّن الصليب الأحمر من إجلاء فرج، التي نجت، لكنه تعرّض لإطلاق نار مباشر أثناء محاولته الوصول إلى خليل. فانسحبت الفرق وجدّدت طلبات التنسيق ثم عادت بعد ساعات. وعندما تمكّنت أخيراً من الوصول إلى خليل، كانت قد فارقت الحياة. وخلص تحقيق أعادت فيه واشنطن بوست بناء تسلسل الأحداث إلى أن فرق الإنقاذ مُنعت من الوصول إليها خلال فترة حاسمة كانت لا تزال فيها على قيد الحياة.

ضيّق استخدام إسرائيل للضربات المزدوجة والمتتابعة النطاق الفعلي الذي يستطيع نظام الطوارئ تغطيته. فلم تتراجع التغطية بسبب خسارة سيارات الإسعاف والكوادر والمعدات فقط، بل أيضاً بسبب حالة الخطر وعدم اليقين التي فرضتها الهجمات.

تبيّن هذه الوقائع أن آليات تفادي الاستهداف لا توفر حماية يمكن الركون إليها خارج ما تفترضه الترتيبات نظرياً. يتجلّى هذا الإخفاق بوضوح في تكرار الضربات التي تستهدف فرق الإنقاذ تباعاً. ففي 28 آذار قُتل تسعة مسعفين وأصيب سبعة آخرون في خمس هجمات منفصلة خلال يوم واحد. وفي 15 نيسان أصابت ثلاث غارات متتالية في ميفدون فرق إنقاذ وصلت تباعاً استجابة لنداء استغاثة من مدنيين جرحى. فقد وصل أولاً فريق من الهيئة الصحية الإسلامية وتعرّض لغارة قتلت مسعفين اثنين، ثم استُهدف فريق ثانٍ أُرسل لمساعدته فأصيب ثلاثة من أفراده، قبل أن تُضرب فرقة ثالثة من خدمات الطوارئ في النبطية وجمعية كشافة الرسالة، ما أدى إلى مقتل مسعفين إضافيين ورفع الحصيلة إلى أربعة قتلى في عملية إنقاذ واحدة. وقال الجيش الإسرائيلي إن الحادثة قيد المراجعة، من دون الإقرار بمقتل المسعفين.

وأجبرت هذه الهجمات المتكررة فرق الإنقاذ على احتساب ما إذا كان بالإمكان تنفيذ المهمة من دون أن تتحول هي نفسها إلى هدف، لتصبح المخاطر التي تواجه المسعفين عائقاً إضافياً أمام الوصول إلى الرعاية. وهكذا، ضيّق استخدام إسرائيل للضربات المزدوجة والمتتابعة النطاق الفعلي الذي يستطيع نظام الطوارئ تغطيته. فلم تتراجع التغطية بسبب خسارة سيارات الإسعاف والكوادر والمعدات فقط، بل أيضاً بسبب حالة الخطر وعدم اليقين التي فرضتها الهجمات. فقد بات على الصليب الأحمر اللبناني، وقبل إرسال أي فريق، الموازنة بين حاجة المصاب إلى تدخل فوري واحتمال استهداف المسعفين أنفسهم. يوضح نعمة أن ذلك قلّص القدرة الفعلية للنظام الصحي أكثر فأكثر: فلم يعد قرار تنفيذ مهمة الإنقاذ تحدده الضرورة الطبية وحدها بل بات مرتبطاً بإمكان تنفيذ المهمة بأمان نسبي وبضرورة الحفاظ على الكوادر المتاحة للاستجابة لحالات طوارئ لاحقة.

تتفاوت آثار هذه القيود من مهمة إلى أخرى. فبعض العمليات يتأخّر دقائق ريثما يتم تقييم الأخطار المباشرة، بينما عُلّقت عمليات أخرى لمدة تراوحت بين 24 و48 ساعة في مناطق فُرضت قيود على دخولها. ومع تضييق هذه القيود هامش عمل جهات إسعافية أخرى، قدّر نعمة أن الصليب الأحمر اللبناني تولّى في بعض الحالات نحو 90% من الاستجابات، ونفّذ ما يصل إلى 800 مهمة خلال 24 ساعة. وهكذا تركزت أعباء الاستجابة لدى الجهة التي كانت تتمتع بأوسع قدرة على الوصول إلى قنوات التنسيق، واتسع دور الصليب الأحمر من إجلاء المصابين ليشمل نقل الدم والكوادر والإمدادات وفرق الصيانة.

تلقي العلاج الفعّال

حتى بعد نجاة المصاب من الغارة وإجلائه، تبقى هناك حلقة أخرى (وأساسية) في السلسلة: وهي الوصول إلى منشأة قادرة على علاجه بما يتطلبه ذلك من كوادر وأدوية ومستلزمات ومعدات. أضعفت الاعتداءات الإسرائيلية هذه القدرة بشكل ممنهج، عبر استهداف الطرق والبنى التحتية للنقل والمنشآت الصحية والعاملين في القطاع الطبي.

استهدفت القوات الإسرائيلية في الأسابيع الأولى من الحرب الجسور الرئيسية فوق نهر الليطاني، وبذلك قطعت أهم الطرق التي تصل الجنوب ببقية البلاد. وفي 16 نيسان، دُمّر جسر القاسمية الساحلي، آخر معبر متبقٍ يربط منطقة صور بصيدا، في هجوم قالت منظمة هيومن رايتس ووتش إنه قد يرقى إلى جريمة حرب، نظراً إلى تأثيره على قدرة المدنيين على الوصول إلى مقوّمات أساسية للبقاء، من بينها المياه والغذاء والرعاية الطبية. وبحلول أواخر أيار، كان المرضى جنوب الليطاني ينتظرون ما يصل إلى 48 ساعة للحصول على إذن بالعبور إلى منشأة صحية عاملة شمال النهر.

وزاد استهداف المنشآت الصحية ومحيطها من صعوبة الوصول إلى العلاج. وفي مقابلة، وصف مسؤولون في مركز عمليات طوارئ الصحة – وهو جهاز التنسيق التابع لوزارة الصحة العامة في حالات الطوارئ – نمطاً متكرراً: قد يبقى المستشفى قائماً من دون أضرار مباشرة، لكن الغارات في محيطه أو القيود على الحركة أو تعذّر وصول المرضى والإمدادات إليه بأمان تقلّص قدرته الفعلية على تقديم الرعاية.

وفي حالات أخرى استُهدفت المستشفيات نفسها. فقد قُصف مستشفى تبنين الحكومي مرتين خلال ثلاثة أيام، وهو المنشأة الصحية الوحيدة التي كانت لا تزال تعمل في قضاء بنت جبيل. أصابت الاعتداءات 11 من العاملين فيه ودمّرت قسم الطوارئ والصيدلية ومخزون الأكسجين وأجهزة التنفس الاصطناعي. ثم أُغلق المستشفى بالكامل عندما اقتربت القوات الإسرائيلية من محيطه.

أما مستشفى جبل عامل في صور فتعرّض لما لا يقل عن خمس هجمات موثقة. وألحقت غارة في 2 حزيران أضراراً بقسم الطوارئ ووحدة العناية المركزة وأصابت 86 شخصاً بينهم عاملون في القطاع الصحي. ومع تضرر اثنين من مستشفيات صور الثلاثة واكتظاظ الثالث، فقدت المدينة قدرتها على أداء دورها كمركز لتحويل حالات الإصابات الخطيرة واستقبالها.

استهدفت الغارات الإسرائيلية الكوادر الطبية بدرجة من المباشرة تميّز هذا التصعيد عن الأضرار العرضية المعتادة في النزاعات المسلحة، ما أسفر عن مقتل ما مجموعه 376 عاملاً صحياً في حربي 2024 و2026.

ومع تراجع قدرة المنشآت على العمل أو تعذّر الوصول إليها حاول مركز عمليات طوارئ الصحة سدّ الفجوات عبر نقل المرضى بين المستشفيات والمحافظات وتحويل سيارات الإسعاف بعيداً من المرافق المكتظة، وتمديد ساعات عمل مراكز الرعاية الصحية الأولية. لكن هذه التدابير لم تُعد الخدمة إلى مستواها الطبيعي بل أعادت توزيع النقص، فتركّز عدد أكبر من المرضى في عدد أقل من المنشآت التي بقيت قادرة على العمل.

ولم يقتصر الاستهداف على البنية التحتية بل طال أيضاً العاملين في القطاع الصحي أنفسهم. فقد استهدفت الغارات الإسرائيلية الكوادر الطبية بدرجة من المباشرة تميّز هذا التصعيد عن الأضرار العرضية المعتادة في النزاعات المسلحة، ما أسفر عن مقتل ما مجموعه 376 عاملاً صحياً في حربي 2024 و2026. وفي 13 آذار قتلت غارة واحدة على مركز برج قلاويه للرعاية الصحية الأولية 12 طبيباً ومسعفاً وممرضاً كانوا على رأس عملهم.

لكن الهجمات خلّفت أثراً آخر أقل ظهوراً. فقد أظهرت دراسة أُجريت بعد حرب 2024 أن 18.4% من العاملين الصحيين الذين شملهم الفحص كانوا عرضة بدرجة مرتفعة لأعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مع نسب أعلى بكثير بين الممرضين وبين من تعرّضوا مباشرة للحرب. ثم أضاف تصعيد 2026 طبقة جديدة من الصدمات النفسية فاقمها النزوح. واضطر عاملون صحيون إلى مغادرة المناطق المتضررة من القتال ما خلق فجوة بنيوية بين أماكن وجود الكوادر وأماكن الحاجة إليها. ولم تستمر بعض المنشآت في العمل إلا لأن موظفيها اختاروا البقاء رغم الخطر.

وفي الوقت نفسه أدّى استهداف طرق الإمداد وإغلاق المنشآت ونفاد المخزونات إلى تقليص القدرة على توفير الأدوية والمستلزمات الضرورية للعلاج، تاركاً كوادر منهكة أمام موارد أقل. وزادت من حدّة هذه الضغوط هشاشة بنيوية سابقة للحرب، إذ يستورد لبنان نحو 95% من المنتجات الدوائية التي يستهلكها، ما يجعل نظامه الصحي شديد التأثر بأي اضطراب في سلاسل التوريد العالمية. وبعد الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في أواخر شباط، أدّى إغلاق مضيق هرمز إلى تعطيل ممر لوجستي أساسي تمر عبره نحو 80% من واردات المنطقة من المنتجات الدوائية. ونتيجة لذلك ارتفعت كلفة إيصال الإمدادات الطبية إلى لبنان إلى ثلاثة أضعاف. وبحلول منتصف نيسان كان 9% من أدوية الأمراض المزمنة قد نفد من الأسواق على مستوى البلاد، فيما لم يكن مخزون 26% أخرى منها يكفي لأكثر من ثلاثة أشهر.

وتركت هذه الضغوط المتراكمة النظام الصحي بقدرة محدودة جداً على استيعاب أعداد كبيرة من المصابين دفعة واحدة. ظهر ذلك بوضوح في 8 نيسان، اليوم الذي بات يُعرف في لبنان بـ«الأربعاء الأسود». ففي عشر دقائق فقط شنّت إسرائيل أكثر من 100 غارة في أنحاء البلاد، استهدفت بيروت والبقاع وصيدا وصور من دون سابق إنذار وفي وضح النهار. أسفرت الهجمات عن مقتل ما لا يقل عن 357 شخصاً وإصابة أكثر من 1,200، فيما تدفقت أعداد كبيرة من المصابين إلى المستشفيات الرئيسية. واستُهلكت خلال يوم واحد حُزم علاج الإصابات البليغة التي تضم الأدوية الأساسية والمستلزمات الجراحية والمعدات اللازمة لمعالجة الإصابات الخطيرة والتي تكفي عادة لثلاثة أسابيع، في وقت جعل فيه تدمير طرق الوصول تعويض المخزون وإيصال إمدادات جديدة أكثر صعوبة.

استمرارية الرعاية وشروط العودة

لا تقع الاضطرابات في سلسلة الرعاية بمعزل عن بعضها بل تتراكم آثارها، فتؤدي إلى وفيات كان يمكن تجنّبها لولا تأخر العلاج أو تعذّر الوصول إليه. بالنسبة للمصابين بجروح بالغة يرتبط التأخر في الإجلاء والعلاج مباشرة بارتفاع معدلات الوفاة والمضاعفات، لا سيما في الحالات التي تكون فيها النافذة الزمنية للتدخل الطبي ضيقة. وقد أدّت الهجمات على القطاع الصحي إلى إطالة هذه المدة بصورة ممنهجة في مختلف أنحاء الجنوب. وخلال القصف الإسرائيلي وصل مرضى (بينهم أطفال) وهم يعانون من نزيف حاد وبتر رضّي وجروح معقّدة إلى منشآت كانت أصلاً تعمل فوق طاقتها الاستيعابية في ظروف لم تكن بروتوكولات التعامل مع أعداد كبيرة من الإصابات كافية وحدها لمواجهتها.

ويتراكم نوع آخر من الضرر على المدى المتوسط لدى المرضى الذين يحتاجون إلى علاج مزمن أو إلى رعاية ضرورية لاستمرار حياتهم. فبالنسبة إلى مرضى غسيل الكلى أو السرطان، قد يؤدي تأخير العلاج لبضعة أيام أو أسابيع فقط إلى تدهور حالتهم على نحو يصعب تداركه لاحقاً. وحتى عندما نُقل المرضى إلى مناطق أبعد شمالاً لاستئناف علاجهم جعلت كلفة التنقل والمسافات الإضافية استمرارية الرعاية خارج متناول كثيرين.

ولا تعكس الأرقام الرسمية للضحايا الوفيات الناتجة عن تدهور النظام الصحي، لكن ذلك لا يعني أن حجم الخسائر غير المباشرة عصي على التقدير. فقد خلص بحث نُشر في ذا لانسيت إلى أن الوفيات غير المباشرة الناتجة عن انهيار الرعاية الصحية في نزاعات حديثة مثل حرب غزة، قد تتراوح بين ثلاثة أضعاف و15 ضعف عدد الوفيات المباشرة. ولا تخص هذه التقديرات لبنان، بل تعكس نمطاً تاريخياً موثقاً في نزاعات مسلحة أخرى. غير أن أهميتها التحليلية تكمن في أن النمط الذي تستند إليه ليس عارضاً ولا غير مسبوق، إذ صرّح مسؤولون إسرائيليون بأن العمليات في لبنان تستند إلى النموذج الذي اتُّبع في غزة وهو منطق للاستهداف لن تظهر حصيلته الكاملة إلا على مدى سنوات.

ولا يقتصر أثر تدهور الخدمات الصحية على ارتفاع الوفيات بل يمتد أيضاً إلى إمكان عودة المدنيين إلى الجنوب واستقرارهم فيه. فالعودة تتطلب توافر الحد الأدنى من مقوّمات الحياة اليومية من الغذاء والمياه والمأوى والكهرباء، وإلى رعاية طبية يمكن الوصول إليها عند المرض أو الإصابة. وربط مسؤولون في مركز عمليات طوارئ الصحة العامة بين تدمير البنية التحتية الصحية والنزوح مباشرة، معتبرين أن غياب خدمات الطوارئ والرعاية الأساسية التي يمكن الوصول إليها يزيد الضغط على المدنيين للمغادرة. وينطبق المنطق نفسه على العودة: فبقاء المستشفيات مفتوحة وقابلة للوصول يشير إلى إمكان استمرار الحياة ويشجع السكان على الرجوع، فيما يصبح غياب الخدمات الصحية بسبب الإغلاق أو الدمار أو انقطاع الطرق المؤدية إليها، عاملاً يثقل قرار العودة.

وتشكّل مراكز الرعاية الصحية الأولية جزءاً من البنية التحتية الأوسع اللازمة لتثبيت العودة. فهي توفر الاستشارات الدورية والأدوية وخدمات الإحالة التي تتيح للسكان تلبية احتياجاتهم الصحية بالقرب من أماكن سكنهم. لكن إعادة تشغيل هذه المراكز، وإن كانت ضرورية، لا تكفي وحدها. فالعودة تتوقف أيضاً على توافر الطرق والمياه والكهرباء والمساكن والخدمات الطبية المتخصصة التي لا تستطيع الرعاية الأولية أن تحل محلها. ومدى تدمير هذه المنظومات هو ما يحدد المدة اللازمة للعودة وإمكان تحققها، ولا سيما بالنسبة إلى من يحتاجون إلى رعاية صحية عاجلة أو متواصلة.

وقد أعطت إسرائيل هذا المنطق شكلاً جغرافياً واضحاً. فالمنطقة العازلة المعروفة بـ«الخط الأصفر» والتي أُعلنت منطقة عسكرية مغلقة في نيسان، تشمل 55 قرية جنوب الليطاني تعرّضت بناها التحتية المدنية لدمار واسع. وفي هذه المنطقة التي يُمنع السكان عملياً من العودة إليها، تعرّضت المنشآت الصحية لأشد أشكال التدمير المنهجي بالتوازي مع استهداف سائر المقوّمات الأساسية للحياة. أما في بقية مناطق الجنوب، حيث ظلت العودة ممكنة من الناحية المادية على الأقل، فلم يكن الوضع أفضل بكثير. فقد وجد المجلس النرويجي للاجئين أن وقف إطلاق النار في 17 نيسان عمّق النزوح بدلاً من الحد منه، إذ عادت عائلات لتجد منازلها متضررة وقراها محرومة من الخدمات الأساسية، ما اضطرها إلى النزوح مرة أخرى.

التكلفة الأوسع

أدّت الاعتداءات الإسرائيلية على القطاع الصحي في جنوب لبنان إلى تفكيك سلسلة الرعاية تدريجياً، حلقةً بعد أخرى، عبر جولات متتالية من الحرب، وقوّضت بذلك الشروط التي تتيح استمرار الحياة المدنية في هذه المناطق. ومن هذا المنظور تندرج الممارسات الإسرائيلية في جنوب لبنان ضمن اتجاه دولي أوسع يبعث على القلق، حيث تضعف الضمانات التي يوفرها القانون الدولي الإنساني للرعاية الطبية، ودلائل ذلك واضحة من غزة وسوريا إلى السودان وأوكرانيا. حين تمر انتهاكات من هذا النوع من دون ردع، لا يقتصر أثرها على نزاع محدّد بل تضعف الإطار القانوني الذي يُفترض أن يحمي المدنيين في الحروب عموماً.

ولا يمكن اختزال حجم الدمار في لبنان بأعداد القتلى والجرحى وحدها، فقد لا تتكشّف آثاره كاملة إلا مع مرور الوقت: في وفيات كان يمكن تفاديها لو أتيح للمرضى الحصول على الرعاية في الوقت المناسب وفي تدهور أوضاع المصابين بأمراض مزمنة، وفي إطالة أمد النزوح حين تبقى الخدمات الصحية الأساسية صعبة الوصول. لذلك لا يمكن التعامل مع تدمير القطاع الصحي كأثر جانبي للحرب، بل أصبح ساحة قائمة بذاتها من ساحات إدارتها تسعى إسرائيل من خلالها إلى الحد من قدرة المدنيين على البقاء والعودة إلى مناطقهم التي تحتلها.وما لم تستعد سلسلة الرعاية قدرتها على العمل بصورة متكاملة، ستبقى تداعيات الحرب قائمة حتى بعد توقف القتال، لا في عدد من ينجون فقط، بل أيضاً في قدرة السكان على العودة والاستقرار في بلداتهم وقراهم.

 

مع جزيل الشكر لهشام جابر، مدير الأبحاث ومستشار السياسات الصحية، ومايكل القسيس، محلل أبحاث أول، على إسهاماتهما القيّمة من خلال ما قدّماه من رؤى وتحليلات وإجراء مقابلات في إطار هذا العمل.

سلمى داوودي زميلة غير مقيمة في بديل | معهد السياسات البديلة.

المواضيع ذات الصلة