بعد شهور من القصف الإسرائيلي العام الماضي الذي أودى بحياة الآلاف وشرّد مئات الآلاف، ومع استمرار الهجمات رغم وقف إطلاق النار، يعاني الشعب اللبناني بصمت ظلماً من الداخل. فإن الحكومة اللبنانية وثّقت أعداد القتلى وأحصت المنازل المدمَّرة وقدّمت شكاوى دبلوماسية، لكنها لم تُباشر سوى تحقيقات محدودة للغاية للنظر في ما إذا كانت الأفعال الإسرائيلية تُشكّل جرائم حرب.
وبتخلّيها عن السعي لتحقيق العدالة في حق شعبها، تنتهك الدولة اللبنانية القانون الدولي وتسمح للآخرين بكتابة السجل القانوني لما جرى على أراضيها. كما أن الدولة التي تفشل في التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة ضمن حدودها إنما تتنازل – جوهرياً – عن سيادتها.
توفّر كلّ سمات جرائم الحرب
أعادت الأعمال العسكرية بين عامي 2023 و2024 إحياء نقاشات مألوفة حول المسؤولية والإفلات من العقاب، لكنها أثارت أيضاً سؤالاً ملحاً يمسّ جوهر السيادة: ماذا يتعيّن على الدولة اللبنانية حين تقع انتهاكات جسيمة داخل حدودها؟ الجواب في القانون الدولي أوضح بكثير من الحسابات السياسية المحيطة به.
هناك إطاران قانونيّان يلزمان لبنان بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة على أراضيه، بصرف النظر عن جنسية مرتكبيها أو إمكانية مقاضاتهم. فمن خلال اتفاقيات جنيف، يفرض القانون الإنساني الدولي فتح تحقيقات في “الانتهاكات الجسيمة” لقوانين الحرب. ويعزّز هذا الالتزامَ قانونُ حقوق الإنسان المكرَّس في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يُلزم الدول بحماية الحق في الحياة والتحقيق في جميع حالات القتل غير المشروع. وقد صدّقت لبنان على كلا المعاهدتين، وهي مُلزمة قانوناً بأحكامهما. وبالتالي فإن واجب التحقيق ليس تطلّعاً أخلاقياً، بل التزام قانوني يقع في صميم المسؤولية السيادية. في واحدة من أكثر حوادث الحرب فظاعة، قصفت القوات الجوية الإسرائيلية مبنىً سكنياً في عين الدلب في 29 أيلول 2024 وقتلت ما لا يقل عن 45 شخصاً بينهم عائلات كاملة، وأصابت نحو 70 آخرين. كما أدّت غارتان مماثلتان على يونين إلى مقتل 33 مدنياً بينهم 15 طفلاً، في أيلول وتشرين الثاني من العام نفسه. ونظرًا لضخامة الخسائر المدنية وغياب أهداف عسكرية واضحة، تُشير هذه الهجمات (وهي من الأعنف في هذا النزاع) إلى انتهاكات محتملة لمبدأي التمييز والتناسب في القانون الإنساني الدولي إذ يفرض الأول قصر الاستهداف على الأهداف العسكرية، فيما يحظر الثاني أي هجوم تفوق فيه الأضرار اللاحقة بالمدنيين أي مكسب عسكرية متوقَّع. وقد شدّدت منظمات حقوق الإنسان على ضرورة التحقيق في جميع الحوادث التي تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين. ومع ذلك، لم تبادر أي جهة لبنانية إلى فتح تحقيق قضائي أو إنشاء لجنة لتقصّي الحقائق لتحديد ما إذا كانت هذه الضربات ترقى إلى جرائم حرب.
تكرّرت حوادث أخرى بالنمط نفسه. فقد استخدمت القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة على طول الحدود الجنوبية معرِّضةً المدنيين للأذى بشكل عشوائي. وفتحت الحكومة اللبنانية تحقيقاً في الإبادة البيئية بسبب الأضرار البيئية الجسيمة لكنها لم تباشر أي تحقيق قانوني في استخدام هذه الأسلحة ضد السكان. وبين أواخر 2024 وأوائل 2025 دمّرت الغارات الإسرائيلية أو أضرّت بأكثر من 240,000 وحدة سكنية وغير سكنية. وقد وثّقت هيئات رسمية مثل مجلس الجنوب هذه الخسائر وتحقّقت منها. ومع ذلك، لم تُجرِ أي جهة لبنانية تقييماً قانونياً لهذه الضربات أو مدى التزامها بمبدأي التمييز والتناسب.
