ظلمٌ فوق ظلم: فشل لبنان في التحقيق في جرائم الحرب الإسرائيلية

الدولة اللبنانية نفسها تنتهك القانون الدولي بتخلّيها عن ملاحقة الانتهاكات قانونياً وضمان حقوق مواطنيها بالعدالة

12 تشرين الثاني، 2025

بعد شهور من القصف الإسرائيلي العام الماضي الذي أودى بحياة الآلاف وشرّد مئات الآلاف، ومع استمرار الهجمات رغم وقف إطلاق النار، يعاني الشعب اللبناني بصمت ظلماً من الداخل. فإن الحكومة اللبنانية وثّقت أعداد القتلى وأحصت المنازل المدمَّرة وقدّمت شكاوى دبلوماسية، لكنها لم تُباشر سوى تحقيقات محدودة للغاية للنظر في ما إذا كانت الأفعال الإسرائيلية تُشكّل جرائم حرب.

وبتخلّيها عن السعي لتحقيق العدالة في حق شعبها، تنتهك الدولة اللبنانية القانون الدولي وتسمح للآخرين بكتابة السجل القانوني لما جرى على أراضيها. كما أن الدولة التي تفشل في التحقيق في جرائم الحرب المرتكبة ضمن حدودها إنما تتنازل – جوهرياً – عن سيادتها.

 

توفّر كلّ سمات جرائم الحرب

أعادت الأعمال العسكرية بين عامي 2023 و2024 إحياء نقاشات مألوفة حول المسؤولية والإفلات من العقاب، لكنها أثارت أيضاً سؤالاً ملحاً يمسّ جوهر السيادة: ماذا يتعيّن على الدولة اللبنانية حين تقع انتهاكات جسيمة داخل حدودها؟ الجواب في القانون الدولي أوضح بكثير من الحسابات السياسية المحيطة به.

هناك إطاران قانونيّان يلزمان لبنان بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة على أراضيه، بصرف النظر عن جنسية مرتكبيها أو إمكانية مقاضاتهم. فمن خلال اتفاقيات جنيف، يفرض القانون الإنساني الدولي فتح تحقيقات في “الانتهاكات الجسيمة” لقوانين الحرب. ويعزّز هذا الالتزامَ قانونُ حقوق الإنسان المكرَّس في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي يُلزم الدول بحماية الحق في الحياة والتحقيق في جميع حالات القتل غير المشروع. وقد صدّقت لبنان على كلا المعاهدتين، وهي مُلزمة قانوناً بأحكامهما. وبالتالي فإن واجب التحقيق ليس تطلّعاً أخلاقياً، بل التزام قانوني يقع في صميم المسؤولية السيادية. في واحدة من أكثر حوادث الحرب فظاعة، قصفت القوات الجوية الإسرائيلية مبنىً سكنياً في عين الدلب في 29 أيلول 2024 وقتلت ما لا يقل عن 45 شخصاً بينهم عائلات كاملة، وأصابت نحو 70 آخرين. كما أدّت غارتان مماثلتان على يونين إلى مقتل 33 مدنياً بينهم 15 طفلاً، في أيلول وتشرين الثاني من العام نفسه. ونظرًا لضخامة الخسائر المدنية وغياب أهداف عسكرية واضحة، تُشير هذه الهجمات (وهي من الأعنف في هذا النزاع) إلى انتهاكات محتملة لمبدأي التمييز والتناسب في القانون الإنساني الدولي إذ يفرض الأول قصر الاستهداف على الأهداف العسكرية، فيما يحظر الثاني أي هجوم تفوق فيه الأضرار اللاحقة بالمدنيين أي مكسب عسكرية متوقَّع. وقد شدّدت منظمات حقوق الإنسان على ضرورة التحقيق في جميع الحوادث التي تسفر عن سقوط ضحايا مدنيين. ومع ذلك، لم تبادر أي جهة لبنانية إلى فتح تحقيق قضائي أو إنشاء لجنة لتقصّي الحقائق لتحديد ما إذا كانت هذه الضربات ترقى إلى جرائم حرب.

تكرّرت حوادث أخرى بالنمط نفسه. فقد استخدمت القوات الإسرائيلية ذخائر الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة على طول الحدود الجنوبية معرِّضةً المدنيين للأذى بشكل عشوائي. وفتحت الحكومة اللبنانية تحقيقاً في الإبادة البيئية بسبب الأضرار البيئية الجسيمة لكنها لم تباشر أي تحقيق قانوني في استخدام هذه الأسلحة ضد السكان. وبين أواخر 2024 وأوائل 2025 دمّرت الغارات الإسرائيلية أو أضرّت بأكثر من 240,000 وحدة سكنية وغير سكنية. وقد وثّقت هيئات رسمية مثل مجلس الجنوب هذه الخسائر وتحقّقت منها. ومع ذلك، لم تُجرِ أي جهة لبنانية تقييماً قانونياً لهذه الضربات أو مدى التزامها بمبدأي التمييز والتناسب.

إن تقصير الدولة عن التحقيق المنهجي في جرائم الحرب يحرم الضحايا من حقهم الأساسي في الانتصاف القانوني.

وليست هذه سوى أمثلة من بين مئات الهجمات الإسرائيلية التي تحمل كلّ سمات جرائم الحرب. وقد أُطلق عدد محدود من التحقيقات – مثل تلك المتعلّقة باغتيال صحفي رويترز عصام عبدالله وفي ما سمّي بـ”هجوم  البيجر” إلا أنّ هذه الجهود الضئيلة لا ترقى إلى مستوى الفظائع الواسعة التي أُنزلت بالسكّان اللبنانيين. إن تقصير الدولة عن التحقيق المنهجي في جرائم الحرب يحرم الضحايا من حقهم الأساسي في الانتصاف القانوني. وهو لا يُمثّل فشلاً سياسياً وأخلاقياً فقط بل أيضاً خرقاً صريحاً لالتزامات لبنان بموجب القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

 

حيثما تقع الانتهاكات، يجب أن يتبعها تحقيق

تُلزم اتفاقيات جنيف لعام 1949 الدولَ بتجريم الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي، والبحث عن الجناة المشتبه بهم بغضّ النظر عن جنسيّاتهم، ومحاكمتهم أو تسليمهم. صحيح أنّ نصوص الاتفاقيات لا تُكثر من استخدام مصطلح «التحقيق» لكن الالتزامات كلّها تصبح غير قابلة للتطبيق من دونه. فلا يمكن للدول البحث عن مشتبه بهم أو بناء ملف لتسليمهم أو مثولهم أمام القضاء الوطني بشكل جدّي من دون جمع الأدلة والتحقّق منها وتحليلها. فالتحقيق إذاً واجب قانوني لا خيار فيه، وهو الآلية التي يقوم عليها نظام المساءلة بأكمله.

لا يقتصر هذا الواجب على «الانتهاكات الجسيمة» الواردة حصراً في اتفاقيات جنيف. فالتفسير القانوني المعاصر والممارسة الدولية المستقرّة يذهبان أبعد من ذلك: يجب على الدول التحقيق في جرائم الحرب التي يرتكبها مواطنوها أو التي تقع على أراضيها، ومقاضاة المسؤولين عنها عند الاقتضاء. قد تعتمد الملاحقة القضائية على توافر المشتبه بهم أو على الولاية القضائية أو الظروف السياسية، لكن التحقيق نفسه غير مشروط ويجب أن يتم في كل الأحوال. تؤكّد اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا التفسير في تحليلها للقواعد التي أصبحت ملزِمة بفعل الممارسة الدولية المتّسقة.

وهناك مبدآن أساسيان يخصّان لبنان مباشرة. أوّلًا، الصلة الجغرافية هي عامل الحسم: فالدولة التي وقع الانتهاك على أراضيها يقع عليها الواجب الأصلي بالتحقيق. ثانياً، فإنّ واجب التحقيق قائم سواء أفضى إلى ملاحقة قضائية أم لا، فهو الحدّ الأدنى القانوني وليس تمهيداً اختيارياً للمحاكمة.

وبمجرد تطبيق هذا المنظور، تتضح مسؤولية لبنان من دون لبس. فالدولة اللبنانية – بما أن الانتهاكات المزعومة وقعت على أراضيها – تتحمّل واجب التحقيق الأساسي حتى إذا كان المشتبه بهم أجانب، أو كانت العوائق السياسية والعملياتية تُعقّد إمكان الملاحقة القضائية. وبالمنطق القانوني فإن هذا التزام بالوسائل لا بالنتائج: أي أن المطلوب من الدولة ليس ضمان نتيجة قضائية معيّنة، بل إطلاق مسار سريع وجاد وفعّال لتحديد ما إذا كان القانون الإنساني الدولي قد انتُهِك، ومن المسؤول عن ذلك وما هي العواقب. وهذا المسار يبدأ من لحظة وقوع الحادثة ولا ينتظر تحديد هوية المشتبه بهم.

 

حيثما تقع الانتهاكات، يجب أن يتبعها تحقيق

تُلزم اتفاقيات جنيف لعام 1949 الدولَ بتجريم الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي، والبحث عن الجناة المشتبه بهم بغضّ النظر عن جنسيّاتهم، ومحاكمتهم أو تسليمهم. صحيح أنّ نصوص الاتفاقيات لا تُكثر من استخدام مصطلح «التحقيق» لكن الالتزامات كلّها تصبح غير قابلة للتطبيق من دونه. فلا يمكن للدول البحث عن مشتبه بهم أو بناء ملف لتسليمهم أو مثولهم أمام القضاء الوطني بشكل جدّي من دون جمع الأدلة والتحقّق منها وتحليلها. فالتحقيق إذاً واجب قانوني لا خيار فيه، وهو الآلية التي يقوم عليها نظام المساءلة بأكمله.

لا يقتصر هذا الواجب على «الانتهاكات الجسيمة» الواردة حصراً في اتفاقيات جنيف. فالتفسير القانوني المعاصر والممارسة الدولية المستقرّة يذهبان أبعد من ذلك: يجب على الدول التحقيق في جرائم الحرب التي يرتكبها مواطنوها أو التي تقع على أراضيها، ومقاضاة المسؤولين عنها عند الاقتضاء. قد تعتمد الملاحقة القضائية على توافر المشتبه بهم أو على الولاية القضائية أو الظروف السياسية، لكن التحقيق نفسه غير مشروط ويجب أن يتم في كل الأحوال. تؤكّد اللجنة الدولية للصليب الأحمر هذا التفسير في تحليلها للقواعد التي أصبحت ملزِمة بفعل الممارسة الدولية المتّسقة.

وهناك مبدآن أساسيان يخصّان لبنان مباشرة. أوّلًا، الصلة الجغرافية هي عامل الحسم: فالدولة التي وقع الانتهاك على أراضيها يقع عليها الواجب الأصلي بالتحقيق. ثانياً، فإنّ واجب التحقيق قائم سواء أفضى إلى ملاحقة قضائية أم لا، فهو الحدّ الأدنى القانوني وليس تمهيداً اختيارياً للمحاكمة.

وبمجرد تطبيق هذا المنظور، تتضح مسؤولية لبنان من دون لبس. فالدولة اللبنانية – بما أن الانتهاكات المزعومة وقعت على أراضيها – تتحمّل واجب التحقيق الأساسي حتى إذا كان المشتبه بهم أجانب، أو كانت العوائق السياسية والعملياتية تُعقّد إمكان الملاحقة القضائية. وبالمنطق القانوني فإن هذا التزام بالوسائل لا بالنتائج: أي أن المطلوب من الدولة ليس ضمان نتيجة قضائية معيّنة، بل إطلاق مسار سريع وجاد وفعّال لتحديد ما إذا كان القانون الإنساني الدولي قد انتُهِك، ومن المسؤول عن ذلك وما هي العواقب. وهذا المسار يبدأ من لحظة وقوع الحادثة ولا ينتظر تحديد هوية المشتبه بهم.

يمكن لأعمال التوثيق التي تقوم بها الهيئات الدولية أو المنظمات غير الحكومية أن تُسهم في دعم الجهود الوطنية، لكنها لا تُغني عن تحقيق وطني له تبعات قضائية.

وكما أن واجب التحقيق يرتبط بالنطاق الجغرافي الذي وقعت فيه الانتهاكات، فإنه يستمر أيضاً عبر الزمن ولا يسقط بالتقادم. ويظل الإطار القانوني لمكافحة الإفلات من العقاب ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب نافذاً حتى بعد وقف إطلاق النار. وبالنسبة للبنان، يعني ذلك أنّ مرور الوقت قد يضعف الأدلة لكنه لا يمحو الالتزامات القانونية.

 

ما وراء قوانين الحرب: منظور حقوق الإنسان

على الرغم من انبثاق القانون الإنساني الدولي وقانون حقوق الإنسان من تقاليد مختلفة، فإنهما يلتقيان عندما يؤدّي العنف إلى إلحاق الأذى بالمدنيين. يضع القانون الإنساني قواعد إدارة الحروب، فيما يعزّز قانون حقوق الإنسان – المنصوص عليه في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية – المساءلة عبر إلزام الدول بالتحقيق في الوفيات غير المشروعة. ويستند هذا الالتزام – وفقاً للجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة – إلى المادة 6 التي تحمي الحقّ في الحياة، والمادة 2 التي تُلزم الدول باحترام حقوق الإنسان وتوفير سُبل انتصاف فعّالة عند انتهاكها.

ويُطبَّق العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية أثناء النزاعات المسلحة، فيُرتّب على الدول واجب إجراء تحقيقات مستقلة وسريعة وشاملة في أي عمليات قتل قد تكون غير مشروعة، وإطلاع عائلات الضحايا على مجريات الأمور. وعندما تُنتهك المبادئ الأساسية للقانون الإنساني الدولي – مثل استهداف المدنيين أو شنّ هجمات عشوائية أو غير متناسبة أو استخدام الدروع البشرية – تتعامل لجنة حقوق الإنسان مع هذه الأفعال على أنها انتهاكات للمادة 6 وبالتالي تستوجب التحقيق.

وينتج عن ذلك مسؤوليتان جوهريتان على عاتق أي دولة تُرتكب هذه الانتهاكات على أرضها. أولاً، الحرمان الجسيم من الحق في الحياة يستدعي في العادة مساراً جنائياً للوفاء بمتطلبات العهود الدولية المتعلقة بالانتصاف الفعّال. وثانياً، لا يجوز للدولة أن تُفوّض هذه المسؤولية إلى أطراف أخرى: إذ يمكن لأعمال التوثيق التي تقوم بها الهيئات الدولية أو المنظمات غير الحكومية أن تُسهم في دعم الجهود الوطنية لكنها لا تُغني عن تحقيق وطني له تبعات قضائية.

خلال أشهر القصف، كانت الوقائع الظاهرة على الأراضي اللبنانية – من النزوح المدني الواسع وتدمير البنية التحتية المدنية إلى استخدام الفوسفور الأبيض في المناطق المأهولة – كافية لتجاوز العتبة المطلوبة لفتح تحقيق. وتصف المبادئ التوجيهية المشتركة اللجنة الدولية للصليب الأحمر/أكاديمية جنيف بشأن التحقيق في انتهاكات قوانين الحرب هذا الشرط بـ«اختبار الأسباب المعقولة»: فمتى ما توفرت معلومات موثوقة تُشير إلى احتمال ارتكاب جريمة حرب، يجب فتح تحقيق جنائي. كما تضع هذه المبادئ تسلسلاً أساسياً ينبغي على الدول اتباعه في زمن السلم والحرب: تسجيل البيانات العملياتية، ثم الإبلاغ عن الحوادث، ثم تقييم مصداقيتها وصفها القانوني، ثم الانتقال إلى تحقيق جنائي أو إداري. وبحسب هذه المعايير، كان لدى لبنان أساسٌ واقعيٌّ وافر للتحرك بسرعة. فالحوادث كانت علنية وموثّقة على نطاق واسع ومعترف بها من قبل السلطات الوطنية نفسها. ما كان ينقص ليس المعلومات بل القرار المؤسسي بالتحرّك.

 

توثيق الانتهاكات لا يكفي

منذ اندلاع الأعمال العدائية عام 2023 تعامل الخطاب العام في لبنان مع التوثيق وتقديم الشكاوى إلى الهيئات الدولية كما لو أنه يُعادل فتح تحقيقات. أوضحت المحامية اللبنانية ديالا شحادة، الخبيرة في القانون الجنائي الدولي، لـ«البديل» أنّ استجابة الدولة انصبّت أساساً على تسجيل الضحايا والأضرار لا على التحقيق في الجرائم. فالتحقيق الحقيقي – والذي يُجرى بإشراف قضائي – يستلزم الاستماع إلى الشهود وجمع الأدلة وخضوع العملية لإشراف النيابة العامة. قد يساهم التوثيق في كتابة التاريخ، لكنه لا يفي بالواجب الإجرائي الذي يفرضه القانون الدولي.

كما شدّدت شحادة على مبدأ النطاق الجغرافي: أي إنّ الدولة مسؤولة عن التحقيق في كل جريمة تُرتكب على أراضيها بما في ذلك الجرائم الدولية، وحتى عندما يكون المشتبه بهم من رعايا دولة أجنبية أقوى وتبدو الملاحقة القضائية غير مرجّحة. وتشير إلى أن القيود المرتبطة بالقدرة أو الوصول خلال فترات القصف والاحتلال قد تبرّر التأخير أو تؤثّر على منهجية التحقيق لكنها لا تُبرّر الامتناع عن التحرّك، خصوصاً بعد انحسار العمليات العسكرية أو حين يمكن الوصول إلى أجزاء من هذا النطاق الجغرافي.

في حديث للـ«البديل»، يؤكد يوسف وهبي وإنجي أبو العيون، المستشاران القانونيّان في مركز القانون الإنساني الدولي، واجبَ لبنان في التحقيق في جرائم الحرب التي ارتُكبت على أراضيه، وأنّ التعاون مع الآليات الدولية قد يُكمّل الجهود الوطنية لكنه لا يمكن أن يحلّ محلّها. فالنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما) يقوم على مبدأ التكامل، أي إن المحكمة لا تتدخّل إلا عندما تكون السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على التحقيق ومحاسبة مرتكبي الجرائم الدولية الجسيمة. وعلى الرغم من أنّ لبنان لم يصادق على النظام الأساسي، فإن منطق هذا المبدأ واضح: التحقيق الخارجي لا يُغني عن مسؤولية الدولة في أن تُباشر هي التحقيق.

حين تراجعت الحكومة اللبنانية العام الماضي عن قرارها قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، فقد ضيّقت خيارات المساءلة في اللحظة التي كان من الممكن فيها تكامل الجهود الوطنية والدولية.

المزاعم بأن لبنان يفتقر إلى القدرة على التحقيق بسبب ضعف مؤسساته أو صعوبة الوصول إلى مواقع الانتهاكات، أو تعذّر ملاحقة المشتبه بهم، لا يعلّق التزامات الدولة. يعترف القانون الدولي بأن القيود المرتبطة بالقدرة وبالأوضاع الأمنية قد تؤثر في كيفية إجراء التحقيقات، لا في وجوب إجرائها. وبموجب اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، تُقيَّم التحقيقات بميزان فعاليتها، لا بميزان الكمال. قد تفرض ظروف الحرب قيوداً عملية، لكن يبقى على الدولة أن تضمن مساراً حقيقياً قادراً على كشف الوقائع وتحديد المسؤولية عن الانتهاكات.

توضح ديالا شحادة أنه حتى عندما يحدّ القصف من إمكانية الوصول الميداني، تبقى الدولة قادرة على جمع إفادات الشهود من السكان النازحين، وطلب صور الأقمار الصناعية، وحفظ السجلات الطبية والجنائية. ويُعزّز الارتباط الإقليمي هذا المبدأ: فالدولة التي تُمارس السيطرة على الإقليم الذي تقع فيه الانتهاكات هي الأقدر على جمع الأدلة، وتحديد الشهود، وإجراء التقييم القانوني الأولي حتى عندما تعتمد الملاحقات القضائية لاحقًا على التعاون الدولي أو على إجراءات التسليم.

ففي القانون الإنساني الدولي تتكامل الأولوية الإقليمية مع الاختصاص القائم على الوجود لمنع نشوء فراغ في نطاق المساءلة. ولهذا تضع اتفاقيات جنيف العديد من واجبات التنفيذ، مثل الحفاظ على البنية التحتية اللازمة للتحقيق ضمن التزامات زمن السلم. فالدولة التي تنتظر اندلاع الحرب لتأسيس آليات المساءلة تكون عملياً قد أضعفت مسبقاً قدرتها على الالتزام.

 

لا حلّ دولي لعجز المحاسبة في لبنان

على الرغم من أنّ الدستور اللبناني يمنح المعاهدات المُصادَق عليها أولوية على القانون الداخلي، فإن هذا المبدأ لم يُطبَّق فعلياً. إذ لم تُنجز الدولة حتى الآن تشريعاً يعرّف جرائم الحرب ويُجرّم الانتهاكات الجسيمة، ما يترك النيابات العامة من دون الأدوات اللازمة لتطبيق القانون الإنساني الدولي أمام القضاء المحلي. وحين تراجعت الحكومة اللبنانية العام الماضي عن قرارها قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، ضيّقت خيارات المساءلة أكثر، في اللحظة التي كان يمكن فيها للجهود الوطنية والدولية أن تتكامل.

وللوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقيات جنيف والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على لبنان إنشاء إطار قانوني يُعاقب الانتهاكات الجسيمة للقانون الإنساني الدولي ويُحدّد السلطات المختصة بملاحقة مرتكبيها. وغياب هذا التشريع لا يعلّق واجب التحقيق، بل يشكّل في حد ذاته إخلالاً بالالتزامات التي تفرضها هذه الاتفاقيات.

وفي الخطاب السياسي اللبناني، غالباً ما يُقدَّم «التحقيق الدولي» بكونه رديفاً للمساءلة. ورغم أنّ الآليات الدولية – مثل بعثات تقصّي الحقائق ولجان التحقيق التابعة للأمم المتحدة – يمكن أن تُحدِّد الوقائع المتنازع عليها وتُطوّر منهجيات دقيقة وتُخفّف من دوّامة الاتهامات المتبادلة، إلا أنها لا تُعفي الدولة من واجبها في التحقيق.

يقوم إطار اتفاقيات جنيف المتعلّق بقمع الانتهاكات الجسيمة – كما مبدأ التكامل في نظام روما الأساسي – على فرضية واضحة: العدالة الدولية لا تتدخل إلا عندما تكون السلطات الوطنية غير راغبة أو غير قادرة على القيام بمهامها. والنتيجة بديهية: على لبنان أن يتعاون بشكل كامل مع الآليات الدولية بالتوازي مع مباشرة تحقيقاته الوطنية.

وقد اعتبرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة مراراً أنّ الإخفاق في التحقيق يُعدّ انتهاكاً بحدّ ذاته، حتى عندما تكون الوقائع الأساسية محل نزاع. وغالباً ما تتطلب سُبل الانتصاف في مثل هذه الحالات ما كان غائباً أصلاً: أي تحقيقات فعّالة تُفضي عند توافر الأدلة إلى إمكان الملاحقة القضائية.

أمّا من منظور السيادة، يُعدّ الامتناع عن التحقيق شكلاً من أشكال التهميش الذاتي. فالدولة التي لا تُنشئ سجلّها الخاص بما حدث على أراضيها تفسح المجال لغيرها كي يكتب الرواية القانونية. وهذا يُضعف الردع لأن الجناة المحتملين يدركون أن السلطة الوطنية في مكان الانتهاك لن تتحرك. كما يُقوّض الثقة الداخلية بحرمان الضحايا من فرصة الانتصاف على الصعيد الوطني، ويغذّي الاتهام الإسرائيلي المتكرر بأن لبنان «لا تنطبق عليه صفة الدولة».

 

للبنانيين، ظلمٌ على ظلم

مسؤوليات لبنان القانونية واضحة. يفرض نظام الخروقات الجسيمة على الدول تجريم الانتهاكات والبحث عن المشتبه بهم وملاحقتهم قضائياً أو تسليمهم عند الإمكان – وهي خطواتٌ لا تقوم من دون تحقيق. يوسّع القانون الإنساني الدولي العرفي هذا الالتزام ليشمل جميع جرائم الحرب المرتكبة على إقليم الدولة، فيما يضيف قانون حقوق الإنسان واجباً إجرائياً للتحقيق في القتل غير المشروع حتى أثناء النزاعات المسلحة. وعندما تقع الانتهاكات على الأراضي اللبنانية، فإن الدولة اللبنانية صاحبة الواجب الأصلي في التحقيق، بصرف النظر عن العوائق العملية أو هويّة الجناة.

فالسيادة تُبنى على سجلٍّ واقعي تُصدّقه العملية القانونية. ومعرفة الوقائع هي الشرط والمضمون معاً لأي مساءلة، ولهذا يشكّل بناء قدرات التحقيق في زمن السلم وظيفة أساسية من وظائف الحكم. أمّا التأخير يفتك بالأدلة وبهيبة المؤسسات، والالتزام نفسه لا يسقط.

أمّا نهج لبنان في المساءلة فهو مجزّأ وقائم على ردّات الفعل. فإن التحقيقات القليلة التي فُتحت – ومنها التحقيقات باستهداف الصحافيين – تُثبت أن التحقيق ممكن ومتاح. غير أن غياب عملية موحّدة ومرتكزة إلى السلطة القضائية يكشف عن إخفاق متواصل في احترام التزامات الدولة في القانونين الإنساني وحقوق الإنسان.

لم تُباشر الحكومة اللبنانية تحقيقاً وطنياً شاملاً في مقتل مئات المدنيين والدمار الواسع الذي لحق بالمناطق السكنية والبنى التحتية الأساسية، واستخدام أسلحة عشوائية ذات آثار جسيمة على المدنيين. وتُعقّد هذه المهام الانقساماتُ السياسية وهشاشةُ المؤسسات والقيودُ الأمنية، وفي حين أن القانون يُراعي الصعوبة إلا أنه لا يبرّر التقصير.

والضرورة القانونية هنا قاطعة: التحقيق وبناء سجلٍّ للأدلة والتعاون مع الآليات الدولية من دون التخلّي لها عن الدور الوطني. فلا يجب على لبنان أن يكتفي بالامتثال لالتزاماته الدولية، بل يستعيد أيضاً قدراً من السيادة يُمارَس لا عبر الشعارات على المنابر، بل عبر وقائع تُثبّتها الإجراءات القضائية. أمّا الامتناع عن ذلك فسيزيد من الظلم الواقع على اللبنانيين.

 تتقدّم المؤلّفة بالشكر إلى يوسف وهبي وإنجي أبو العيون، المستشارين القانونيَّين في مركز القانون الإنساني الدولي، على إسهاماتهما القيّمة.

المواضيع ذات الصلة