غير أن هذا التحول لا يبدو أنه وفّر أي حماية من الجيش الإسرائيلي الذي يستهدف اليوم علناً بنى الدولة التحتية ويجتاح جنوب لبنان، ويعلن صراحة عزمه على احتلال كل الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني بشكل دائم.
في ظل هذه الظروف، فإن إعادة الاصطفاف الجيوسياسي للحكومة اللبنانية تخاطر دفع البلاد إلى القبول بنمط غريب من “السيادة” أي سيادة ترسم حدودها قوى خارجية تطالب الدولة اللبنانية بالامتثال السريع لشروطها السياسية والأمنية دون أن توفّر لها في المقابل سوى قدر ضئيل من الحماية أو الدعم.
وفوق ذلك سيتحمّل لبنان وحده كلفة هذا الترتيب. فحزب الله وإيران يتحدّيان أوامر الحكومة علناً، فيما كان الأثر الأبرز لإجراءات الدولة تصعيد التوترات السياسية الداخلية ودفع البلاد إلى تجدّد الصراع الأهلي.
جيشٌ موجَّه إلى الداخل
تتجلّى هذه الفجوة بين الامتثال والحماية بكل بوضوح في حالة الجيش اللبناني. ففي مطلع 2026 بدأ الجيش يؤسس لبعض المصداقية عبر الانتشار في المواقع التي أخلاها حزب الله في الجنوب، وقدّمت الحكومة هذا الانتشار بوصفه امتداداً ملموساً لسلطة الدولة.
لكن مع اندلاع الحرب في آذار واتساع رقعة العمليات الإسرائيلية، تراجع الجيش اللبناني من مواقعه الحدودية فيما عاد حزب الله إلى المواجهة المباشرة مع القوات الإسرائيلية المتقدّمة. من الصعب التوفيق بين هذا التسلسل وبين خطاب حكومي يقول إنه أعاد ترسيخ احتكار الدولة للقوة. والأدقّ وصف الجيش اللبناني بأنه رمز لحضور الدولة يمكنه المساعدة في ضبط الأرض وإدارتها، لكنه في لحظة الحسم فإنه لا يملك القدرة على ترجيح الميزان العسكري على الأرض.
ولم يكن ذلك هو الدور المُراد له أصلاً. فقد جرى تصميم الدعم العسكري الغربي للجيش اللبناني بما يخدم الاستقرار الداخلي: رواتب ودعم لوجستي وآليات مدرّعة ومساندة لمسار نزع السلاح. ولم يُجهَّز الجيش لمواجهة جيش نظامي تابع لدولة بل لمواكبة مساعي الدولة إلى حصر السلاح بيدها وإدارة التداعيات الداخلية لذلك. بما يعني التركيز على البعد الداخلي (أي إنفاذ القانون وسلطة الدولة) فيما يبقى البعد الآخر (الحماية من القوة الخارجية) غائباً.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى أن إعادة اصطفاف لبنان مدفوعة كذلك بالاختناق الاقتصادي. فالانهيار المالي الذي أصاب البلاد عام 2019، إلى جانب حاجاتها إلى إعادة الإعمار بعد حرب 2023-2024، منحا الجهات الخليجية والغربية نفوذاً كبيراً على وجهة البلد. وارتبط الانخراط السعودي المتجدّد في بيروت صراحةً بمسار الإصلاح فيما التزمت حكومة سلام بالتقيّد ببرنامج جديد لصندوق النقد الدولي وبإعادة هيكلة القطاع المصرفي. ومن هذا المنظور يبدو انتقال لبنان إلى محور الغرب والخليج أقلّ خياراً سياسياً منه نموذجاً للتمويل، فيما لا تزال عوائده وعوداً لم تتحقق على أرض الواقع. ولا يعني ذلك أن الحكومة بلا هامش قرار لكن حجم حاجاتها المالية يجعل إعادة اصطفافها تجري تحت وطأة ضغط شديد.
مطالب واضحة، التزامات غامضة
تُفاقم معايير الامتثال التي يروّج لها الرعاة الغربيون والخليجيون هذه الإشكالية. فنزع سلاح حزب الله ليس هدفاً محدداً بنقطة نهاية واضحة، بل شرط مرن يمكن توسيعه وإطالته وإعادة تفسيره وفق الحاجة. وفي المقابل من غير المرجّح أن ينخرط الفاعلون الاقتصاديون بجدية ما دامت الأعمال العسكرية مستمرة. وبذلك قد يجد لبنان نفسه يدفع كلفة إعادة الاصطفاف سياسياً وأمنياً من دون أن يبلغ لحظة يحصل فيها على حماية أو إعادة إعمار أو انفراج دبلوماسي.