أبنية بلا منازل: حول أزمة السكن في بيروت

كيف أدّت عقودٌ من "أمولة" العقارات إلى بناء مدينة لا يستطيع إلّا القليل العيش فيها.
روزابيل كراين

28 تموز، 2023

ملخّص تنفيذي 

بيروت اليوم هي واحدة من أسوأ المدن على وجه الأرض من حيث توفّر الإسكان ميسور التكلفة. فبعدَ النظر إلى متوسط الدخل بالنسبة إلى أسعار السكن في 332 مركزاً حضرياً في أنحاء العالم، احتلت العاصمة اللبنانية المرتبة 327 من حيث قدرة ساكنيها على تحمل التكاليف وفقاً لأرقام صادرة في حزيران (يونيو) من قبل نومبيو (Numbeo)، وهي قاعدة بيانات توفّر معلومات عن تكلفة المعيشة وظروف الإسكان في مدن مختلفة. يسجّل هذا الإحصاء الصادر في حزيران (يونيو) تراجعاً كبيراً في سهولة الحصول على مأوى بقيمة ميسورة في بيروت، فضلاً عن الأزمة الاقتصاديّة المستمرّة التي حالت دون تحقيق ذلك في تصنيفات ما يقرب من 50 مركزاً مقارنةً بعام 2019. وشهدت الأزمة أيضاً انهيار قيمة الليرة اللبنانية، وتزايد مطالبة أصحاب العقارات والملّاك أن يكون الإيجار بالدولار، مما يمنع العديد من المستأجرين الذين لا يجنون إلّا الليرة اللبنانية أن يبقوا في منازلهم. هذا في الوقت الذي توجد فيه الآلاف من الشقق الفارغة في جميع أنحاء المدينة، مما يتسبب في ندرةٍ مصطنعة في سوق الإيجار.  

وإذا كان كلّ من التهور والجشع وعدم الكفاءة من جانب النخبة السياسية والمالية في لبنان قد مهد الطريق للانهيار الاقتصادي للبلاد في عام 2019، فإن أزمة السكن الحاليّة ليست مصادفةً. والواقع أن الصعوبات السكنية المتصاعدة التي عانى منها اللبنانيون على مدى أكثر من عقدين هي نتيجة لخيارات سياسية مدروسة. فقد أعطت الحكومات المتعاقبة الأولوية لتجميع الثروة بين الأثرياء على حساب مسؤولية الحكومة المنصوص عليها قانوناً لضمان سكن مناسب وبأسعار معقولة للمواطنين. 

وكانت المصالح المتشابكة للسياسيين والمستثمرين العقاريين أساسية لهذه الديناميكية. ولعلّ المثال الأكثر شهرة على ذلك كان إساءة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري استخدام مجلس الإنماء والإعمار للتعاقد مع شركته الخاصة (سوليدير) لإعادة بناء وسط بيروت بعد انتهاء الحرب الأهلية. إضافةً إلى أن الطبقة السياسية ككلّ تمتلك كمَا هائلاً من العقارات، وقد قامت بصياغة لوائح حكومية لتسهيل الحصول على أقصى العوائد من استثماراتها العقارية. فلم يتم أخذ المساحات الخضراء بعين الاعتبار، ولا صلاحية المناطق الحضرية أو ما إذا كان عموم المواطنين اللبنانيين قادرين على تأمين سكن ملائم في ظل هذه التطورات الجديدة أم لا.  

إن التحول من رؤية الإسكان على أنه سلعة اجتماعية إلى تقييمه بكونه منتجاً استثمارياً مضارباً هي نزعة عالمية غالباً ما يطلق عليها اسم “أمولة” العقارات. وحددت الحكومات في العالم هذه الديناميكية باعتبارها من بين أكبر التهديدات للإسكان الميسور التكلفة، مع اتخاذ العديد من الخطوات لمحاولة الحد من أضرارها وإعادة تأكيد الوظيفة الأساسية للإسكان في المجتمع – أي توفير المأوى. وعلى مدى سنوات ضاعفت الحكومة اللبنانية من جهود البحث عن الربح في العقارات في كل فرصة تقريباً مما أدى إلى تفاقم أضرار الأمولة بدلاً من تخفيفها. 

لقد أدت الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في البلاد في عام 2019 إلى اضطراب الوضع الراهن على نطاق واسع في القطاعين العام والخاص، بينما تُرك المواطنون اللبنانيون ليتحملوا وطأة التداعيات. إلّا أنّ الخبراء اليوم يشيرون إلى أنّ الفوضى تمثل فرصةً لإعادة صياغة سياسة الإسكان العام. فإذا تم اغتنام هذه الفرصة، وعندما تنحسر الأزمة في نهاية المطاف، فيمكن أنّ تظهر بيئة إسكان أكثر إنصافاً وأكثر استجابة لحاجات المجتمع. 

ومن بين الخطوات التي يمكن اتباعها في ظل وضع الأساسيات لهذا التحول يمكن اقتراح تطبيق “ضريبة الشغور”. تشير بعض الإحصاءات إلى أنّ أكثر من نصف الشقق الفارغة في بعض مناطق بيروت، والتي تمثل جزءاً من مخططات استثماريّة للناس في أجزاء أخرى من البلد، لهذا فإن فرض الضرائب على هذه الأملاك من شأنه أن يحفز المالكين على عرضها في السوق، مما سيزيد من مخزون السكن، ويساعد على خفض الأسعار، وربما سيساهم أيضاً في جعل بيروت مدينة أكثر ملاءمة للعيش من خلال السماح لمزيد من الناس بأن يسكنوا بالقرب من مكان العمل أو الدراسة. 

يجب أيضاً تبني استراتيجيات تحصيل قيمة الأرض (LVC) في التخطيط الحضري. إنّ الفكرة الأساسية لـ(LVC)، وهو مفهوم يكتسب زخماً في جميع أنحاء العالم، هو أن الإيرادات العامة من التنمية الخاصة مثل الضرائب والرسوم والتصاريح يجب أن تتحول لتصبّ في مشاريع البنية التحتية الحضرية. وبهذه الطريقة يتم توفير وسيلة للاستفادة من التنمية الخاصة من خلال تحسين الطرق والحدائق ومبادرات الإسكان الاجتماعي وما شابه ذلك. 

تحتاج بيروت أيضاً إلى استراتيجية سياسيّة حضرية لمعالجة العديد من المباني المهجورة والمتداعية فيها. تقوم العديد من المنظمات المحلية والدولية بالفعل بفحص أفضل السبل لإعادة تأهيل هذه الهياكل للمساعدة في زيادة المخزون السكني الميسور التكلفة المتاح في السوق، لهذا فإنه من الضروري على الحكومة أن تساعد في قيام هذه الجهود والبناء عليها.  

يجب أيضاً إضفاء الطابع الرسمي على سوق الإيجار وتنظيمه. إذ إنّ نمو اتفاقيات الإيجار غير الرسمية والاتجاه المتزايد لمخالفة أصحاب العقارات للشروط المنصوص عليها في الاتفاقيات الموقعة يجبران أعداداً متزايدة من اللبنانيين على العيش في ظروف معيشية غير مستقرة. لهذا يجب عكس هذا التوجّه، وأن تتضمن اللوائح الجديدة أيضاً معاييراً للسكن الملائم وسقوفاً لأسعار الإيجارات. 

يجب أيضاً أن تكون هناك حاجة للتطويرات العقارية الجديدة لتخصيص جزء من الشقق لتوفير سكن ميسور التكلفة. فإن فرض اللوائح على التطورات الجديدة التي تلزمهم (أي أصحاب هذه العقارات) بتخصيص عدد معين من الشقق بأسعار مقبولة، وفقاً لمعايير اجتماعية واقتصادية محددة مسبقاً، هو وسيلة مباشرة لزيادة توفير الإسكان الاجتماعي. 

أسس سياسة الإسكان في لبنان 

في العقود بين استقلال لبنان وبداية الحرب الأهلية، أيدت الدولة على الأقل ما يشبه سياسة الإسكان الاجتماعي. ففي الأربعينيات من القرن الماضي أكدت الدولة حقها في التحكم في أسعار الإيجارات. وفي منتصف الخمسينيات من القرن الماضي دفعت الفيضانات وزلزال عام 1958 الحكومة إلى إنشاء الهيئة الوطنية لإعادة الإعمار للمساعدة في إسكان النازحين. وفي عام 1965 أصدر البرلمان قانون إسكان يعترف بحق المواطنين في السكن وواجب الدولة في ضمان الوصول إلى سكن لائق للأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض. ثم في عام 1973 تم إنشاء وزارة الإسكان والبلديات، وفي عام 1977 – أيّ بعد عامين من بدء الحرب الأهلية – جعلت الحكومة البلديات مسؤولة قانونياً عن ضمان المأوى داخل مناطقها، كما أطلقت العديد من مشاريع الإسكان العام قبل الحرب الأهلية – بما في ذلك كلّ من طرابلس وصور وفي صيدا أيضاً – وإن بدرجات متفاوتة من الفشل، مع عدم تحقيق أي منها أهداف الإسكان طويلة الأجل المنتظرة.  

إلّا أنّه، وفي ظل الحرب الأهلية أي في الفترة ما بين العام 1975 وبعدها، وكذلك الظروف المؤاتية التي صحبتها مثل النزوح بأعداد كبيرة، والذي أدى إلى توسّع فوضوي وغير منظم للمناطق الحضرية في لبنان قد أعاق الدولة اللبنانية عن التقدم نحو مشهد سكني شامل وسرعان ما بدأ يتفكك. ويعدّ الساحل اللبناني شمال بيروت مثالاً بارزاً، فقد وصلت العديد من العائلات الكاثوليكية المارونية والأرثوذكسية الفارة من القتال في مناطق مثل عاليه وبحمدون وجزين إلى تلال حريصا ومدينة جونيه الساحلية، مما تسبب في ارتفاع الطلب على السكن، وتم بعد ذلك تقليب سفوح التلال والأراضي الزراعية الحرجية لإفساح المجال لبناء جديد. 

وللتأكيد على الحالة القائمة في تلك الفترة، قال محمد سعيد فتحة، المهندس وعضو مجلس مدينة بيروت، لـ”البديل” في إشارة إلى جبل حريصا: “لم تكن ثمّة أية مبانٍ هناك عام 1970″، وأضاف أن المباني الشاهقة نشأت بشكل غير قانوني في المناطق التي لم تسمح إلا بالبناء المنخفض مع إصدار الحكومة لاحقاً غرامات لم تفلح سوى في قوننة هذه الإنشاءات فعلياً، وتابع قائلاً: “دفع هؤلاء الملاك الكثير من الأموال للبلديات”. 

وأشار إلى أنّ الغزو الإسرائيلي لجنوب لبنان في عام 1982 قد شهد بالمثل هروبَ العديد من العائلات الشيعية والسنية من جنوب لبنان إلى ضواحي بيروت، حيث اختفت الأراضي الزراعية بعد ذلك تحت المنازل والشركات الجديدة، مما أدى إلى إنشاء أحياء جديدة مثل الغبيري وبرج البراجنة، وغيرها1. 

النيوليبرالية والمحسوبية وإعادة بناء بيروت 

شهدت الانتخابات الأولى التي تلت الحرب الأهلية عام 1992 تولي رفيق الحريري رئاسة الوزراء، والذي قاد حكومة كانت إعادة الإعمار على رأس أولوياتها. وسرعان ما تحولت بيروت التي مزقتها الحرب إلى موقع بناء. 

تبنى الحريري السياسات النيوليبرالية، وصاغ نظاماً اقتصادياً ريعياً أصبح فيه الاستثمار الأجنبي المباشر محركاً أساسياً لدورة الأعمال، كما أنّ علاقاته العميقة مع الخليج (مثل جنسيته المزدوجة اللبنانية والسعودية والثروة التي جمّعها في التطوير العقاري السعودي) قد ساعدته على تسهيل تدفق رأس المال هذا إلى لبنان. 

أمّا على الصعيد المحلي فقد شهدت فترة رئاسة الحريري تقوية الروابط بين النخبة السياسية والاقتصادية على حساب المبادرات المتجاوبة اجتماعياً وشفافية الدولة2. وكان إنفاق الحكومة اللبنانية وسياساتها “وُضِعَا في خدمة المصالح الشخصية والحسابات الزبائنية للنخبة الطائفية/السياسية وشركائها في الأعمال التجارية الخاصة” كما أشار المؤلف وأستاذ العلوم السياسية باسل صلوخ3. 

يجسد هذا التداخل في المصالح في مجلس الإنماء والإعمار (CDR)، وهي المنظمة الحكومية المكلفة بإعادة إعمار وسط بيروت، إلّا أنه قد تم إعادة تعيين الحريري مع العديد من شركائه في الأعمال4. وفي حين كان من المفترض أن يدار من قبل الدولة ظاهرياً، فإن مجلس الإنماء والإعمار قد كان يعمل بشكل مستقل ويقدم تقاريره مباشرة إلى مجلس الوزراء من خلال مكتب رئيس الوزراء. ووفقاً لأدبيات المجلس فإن تجاوز هيئات التخطيط الحضري الأخرى داخل الوزارات الحكومية يهدف إلى تسريع عملية إعادة البناء، في حين أنه قد ساهم في تجزئة سياسات الإسكان العام5. 

نظم مجلس الإنماء والإعمار المكلّف في عهد الحريري، إعادة إعمار وسط بيروت من خلال التعاقد مع شركة البناء الخاصة سوليدير، والتي كانت عائلة الحريري المساهم الرئيسي فيها6. وبحسب ما ورد فقد تم دفع أصحاب الأراضي في منطقة وسط بيروت للتخلي عن أراضيهم بقيمة أقل من السوق مقابل حصولهم على أسهم في الشركة7. 

أشرفت سوليدير بعد ذلك على إنشاء المنافذ التجارية والفنادق والمساحات المكتبية والمباني الحكومية والشقق الفاخرة وسط بيروت، مما ساعد على استعادة صورة المدينة كمركز إقليمي للمصارف والأعمال والسياحة. 

إلّا أنّ المدير العام السابق لشركة سوليدير، جورج نور، قد صرّح لـ”البديل” إن “الحكومة كانت تعاني من ضائقة مالية بعد سنوات من الحرب، وأن سوليدير قدمت الوسائل المالية التي اشتدت الحاجة إليها”. 

وأضاف أنّه “لم يكن لدى الدولة المال ولم يتمكن أحد من إعادة إعمار وسط بيروت المدمر… تولت شركة سوليدير مسؤولية تنظيم الاستثمار والبنية التحتية وإنشاء قطع أراضي جديدة والبدء في تجديد المباني المحفوظة وإطلاق مبيعات الأراضي للمستثمرين المحتملين الذين يمكنهم القدوم والمشاركة في النمو الاقتصادي للبلاد”. 

وإذا كانت هذه الرؤية هي نظرة جورج نور إلى نجاح سوليدير، فإنّ هذه الرؤية هي النسخة الملمّعة عن سوليدير. إذ يصف الأستاذ والباحث جوزيف ضاهر دور الشركة في إعادة الإعمار بأنه “المثال الأكثر شهرة” على “عدم وضوح الخطوط الفاصلة بين الممتلكات العامة والخاصة” التي استخدمها الحريري بعد ذلك لترسيخ سلطته السياسية والمالية. 

ولتمويل إعادة الإعمار اقترضت حكومة الحريري مبالغ ضخمة بين عامي 1992-1998، مما ساهم في تضخّم الدّين الحكومي من أقل من 3 مليارات دولار إلى 17 مليار دولار مع ما يقرب من 85 في المائة من هذا المبلغ كونه مستحقاً للمصارف اللبنانية – وكان من بين المقرضين الأساسيين بنك البحر المتوسط المملوك لعائلة الحريري8. ووفقاً لأستاذ الاقتصاد عاطف قبرصي، فإنّه وحتى مع أخذ مخاطر إقراضِ دولة خرجت من حرب أهلية بعين الاعتبار، فإن شروط وأسعار الفائدة التي وافقت حكومة الحريري على الاقتراض بها “لا يمكن الدفاع عنها”. 

أدت الفائدة المركبة على مر السنين منذ اكتساب هذا الدين، واستمرار الاقتراض لتمويل العجز الحكومي السنوي، إلى دفع الدولة اللبنانية نحو 87 مليار دولار فوائد للبنوك في الفترة من 1993-2019. ونتيجة لذلك تجاوزت نسبة دّين الناتج المحلي الإجمالي في لبنان 150 في المائة منذ عام 2018، حيث استهلكت خدمة الدّين ما يقرب من ثلث الإنفاق الحكومي السنوي في السنوات الأخيرة. 

وكما يجادل جوزيف ضاهر فإن أجندة الحريري الليبرالية الجديدة التي ترسّخت في عام 1992، والاقتصاد السياسي الذي رسّخه (وهو الاستيلاء على الدولة من قبل النخب اللبنانية) أرسى من نواحٍ عديدة الأساس للأزمة الاقتصادية الحالية. 

“الخيمياء العقارية”: تحويل النقد الأجنبي إلى إسمنت لبناني 

أدى ارتفاع أسعار النفط في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى توليد فائض في رأس المال للعديد من المستثمرين العرب الخليجيين واللبنانيين المغتربين الذين يعيشون في المنطقة، وهو ما سعت الحكومة اللبنانية بعد ذلك إلى إدخاله في قطاع العقارات في البلاد. وكما وثقت ماريكه كريجنين، التي ركزت في أبحاث الماجستير والدكتوراه على قضايا الإسكان اللبناني، فقد تضمن ذلك رفع القيود الحكومية والحوافز الضريبية، وزيادة المساحة العمرانية المسموح بها للتطورات، فضلاً عن تسهيل ملكية العقارات الأجنبية وعمليات الشركات الأجنبية في لبنان. وكانت النتيجة أنه بين عامي 2000-2009 ارتفع الاستثمار الأجنبي السنوي المباشر بسرعة من حوالي 1 مليار دولار أميركي إلى 4.8 مليار دولار أميركي، مع توجه غالبية هذا الاستثمار إلى العقارات. وأدى الازدهار العقاري الناتج إلى أن يمثّل قطاعي العقارات والبناء ما يقرب من 18 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بين عامي 2004 و2011 وفقاً للبنك الدولي، في الوقت الذي بقيت فيه القطاعات الإنتاجية مثل التصنيع والزراعة محرومة من الاستثمار. 

وبينما دمرت الأزمة المالية العالمية 2007-2008 المؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم، استفادت تلك الموجودة في لبنان بالفعل من الأزمة. منع مصرف لبنان (البنك المركزي اللبناني) البنوك التجارية في البلاد من الاستثمار في المنتجات المالية المعقّدة التي نشأت عنها الأزمة، مما أدى إلى حماية البنوك اللبنانية من التداعيات، وساعد في أن يُنظر إليها على أنها ملاذ آمن لرؤوس الأموال الهاربة من الأسواق الدولية المتعثرة. ونتيجة لذلك شهد القطاع المصرفي اللبناني تدفقاً هائلاً للودائع نما بنسبة 15 في المائة في عام 2008، وأكثر من 20 في المائة في عام 2009. ثم تبنى مصرف لبنان سياسات لتشجيع القطاع المصرفي على إعادة تدوير هذا الفائض النقدي إلى سوق الإسكان من خلال قروض للمطورين العقاريين والرهون العقارية وفقاً لكريجنين، مما أدى إلى زيادة تحفيز القطاع العقاري. 

ارتفعت القيمة السنوية للمعاملات العقارية بشكل مطرد من حوالي 2 مليار دولار في عام 2000 إلى ما يقرب من 10 مليارات دولار في عام 2010، حين أصبح ما يقرب من 45 في المائة من الطلب على العقارات السكنية من لبنانيين يعيشون في الخارج. لكن شهد العقد التالي تقلصاً في الاستثمار الأجنبي في قطاع العقارات في البلاد بشكل كبير، ويعزى جزء كبير من ذلك إلى انخفاض أسعار النفط وتحوّل الانتفاضة السورية عام 2011 إلى صراع مسلح. بعد ذلك ركّز مصرف لبنان على استهداف الطلب المحلي لدعم سوق العقارات من خلال تقديم قروض محفزة للمصارف التجارية إلى السكان اللبنانيين المقيمين، مثل دعم أسعار فائدة الرهن العقاري للمقترضين المحليين، فضلاً عن الاستمرار في تقديم شروط قروض مواتية للمطورين. وقد ساعدت هذه التدابير جميعها على بقاء قيمة المعاملات العقارية السنوية في نطاق يتراوح بين 8 مليارات دولار أميركي و9 مليارات دولار أميركي من عام 2012 إلى عام 2018، وفقاًً لبنك عودة – باستثناء عام 2017 حين وصلت المبيعات إلى ما يقارب 10 مليارات دولار أميركي. 

وفي هذا السّياق قالت أستاذة الدراسات الحضرية والمؤسسّسة المشاركة في مختبر المدن بيروت في الجامعة الأميركية في بيروت، منى فواز، لموقع “البديل”: “لقد استخدمنا الإسكان كاستثمار أجنبي في البلاد وقمنا ببيع العقارات لأكبر عدد ممكن من الأشخاص الميسورين… مما خلق وضعاً بدأ فيه الناس العاديون يتنافسون مع البنوك والمستثمرين من أجل الوصول إلى منزل”. 

كيف بنت “الأمولة” السكنية مدينةَ أشباح 

خلال فترة النمو التي أعقبت الحرب الأهلية، ظل الإسكان الاجتماعي وإنشاء مساكن ميسورة التكلفة هامشياً في جدول أعمال الحكومة. وتجسد ذلك في حل وزارة الإسكان في عام 2000، والذي جاء مع ازدهار العقارات. ووسط نشوة الحفر والجرّافات والرافعات نما القلق من نخبة العملاء الذين سيستفيدون في نهاية المطاف من هذه الإنشاءات، وعدم قدرة اللبنانيين العاديين على شراء منزل بأسعار معقولة.  

وفي شباط (فبراير) 2014 أفادت وكالة الاستشارات العقارية اللبنانية رامكو أن متوسط تكلفة الشقة الواحدة في بيروت بلغ 1.09 مليون دولار أميركي. بينما في منطقة وسط المدينة، المنطقة نفسها التي تمّ إنشاؤها بقيادة شركة سوليدير فكان متوسط السعر حوالي 2.63 مليون دولار أميركي. وفي منطقة الأشرفية كان السعر 1.04 مليون دولار أميركي، أما بالنسبة لأحياء غرب بيروت فقد قُدّر متوسط سعر الشقة الواحدة فيها بـ994 ألف دولار أميركي9. 

وفي آب (أغسطس) من العام نفسه أشار تقرير مشترك بين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وموئل الأمم المتحدة حول قضايا الإسكان والأراضي والممتلكات في لبنان إلى أن أسعار السكن “تتجاوز بكثير إمكانيات الغالبية العظمى من السكان”، بالنظر إلى أن الحد الأدنى للأجور الشهرية يعادل 350 دولاراً أميركياً11، كما قُدّر وجود 200 ألف شقة غير مباعة في لبنان في الحقبة نفسها.  

إن التفاوت المتزايد بين أسعار المنازل، وما يستطيع عامة السكان تحمله، هو نتيجة لما وصفه المخططون المدنيون والخبراء بـ”أمولة” العقارات في لبنان. يشير هذا إلى التحول من اعتبار الإسكان سلعة ذات قيمة اجتماعية (أي توفير السكن للأفراد والعائلات) إلى اعتباره سلعة مالية للاستثمار المضارب11. وقد أشار تقريرٌ صادرٌ عن الأمم المتحدة في عام 2017 إلى أن أمولة الإسكان كان في الأساس توجهاً ناشئاً على مستوى العالم، واعتبرته عائقاً رئيساً أمام الوصول إلى السكن اللائق في جميع أنحاء العالم. 

كما جادل العديد من الخبراء بأن أمولة الأراضي والمساكن في لبنان، والتي سهلتها سياسة الأراضي غير العادلة، قد كانت العامل الأساسي الذي أدى إلى عدم المساواة في سوق الإسكان في لبنان، فضلاً عن الضرر الذي لحق بالبيئة الحضرية في بيروت. وفي هذا الإطار أشارت المهندسة المعمارية والمهندسة في منصة أبحاث “مرصد السكن”، عبير سقسوق، إلى إن قوانين البناء والتخطيط في لبنان لا تتضمن أي معايير تتعلق بالعوامل الاجتماعية أو البيئية أو الاقتصادية. 

وقالت في حديثها “للبديل”: “يتعلق الأمر كلّه بكيفية إنشاء أبنية أعلى… فقد تم تحويل الأرض إلى سلعة بدلاً من تقديم قيمة اجتماعية. وقد تبلور ذلك في العديد من القوانين والسياسات التي تم إصدارها منذ أوائل التسعينيات، والتي شجعت وسهلت الاستثمار العقاري الأجنبي في الأراضي اللبنانية “. 

ووفقاً لهشام أشقر، وهو مهندس معماري ومخطط حضري درس عمليّة التحسين في بيروت، فقد مارس المطورون العقاريّون قدراً كبيراً من التأثير على الإطار التنظيمي نظراً لأنّ “الغالبية العظمى من النخبة السياسية والاقتصادية اللبنانية التي تسنّ القوانين تستثمر أيضاً بشكل كبير في العقارات”، وبالفعل أظهر تقريرٌ جديدٌ لمبادرةغربال أنه من بين 66 سياسياً لبنانياً تم تقييمهم، كان لدى كل منهم ما معدله 27 استثماراً عقارياً. 

إلّا أن التداخل بين ملكية العقارات والسياسة الحكومية قد كان واضحاً بشكل خاص في صياغة وإقرار قاونون البناء لعام 2004، والذي مهد الطريق لبيروت للخروج من الغابة الخرسانية الفوضوية التي هي عليها اليوم. فعلى سبيل المثال سمح القانون بارتفاع الأبراج الشاهقة (المحددة بارتفاع 50 متراً) بالزيادة بنسبة 25 بالمائة. وكانت زيادة الارتفاع بمثابة فوز للمطورين، حيث زادت أسعار الشقق بشكل عام بما لا يقل عن 100 دولار لكل متر مربع مع كل طابق متتالي12. تم إجراء تعديل آخر لزيادة نسبة الاستغلال الإجمالية (TER)، وهي مقياس السماح للمطور بالبناء على أي قطعة أرض معينة13. وإذا كان هذا يزيد من العائد المحتمل للمطورين على الاستثمار، فإن التكلفة التي يتحملها عامة الناس هي فقدان المساحات الخضراء والمناطق المفتوحة. 

وقد أدى اندلاع الأزمة المالية اللبنانية في عام 2019 إلى مزيد من التشويه في سوق الإسكان، بحسب فوّاز. في حين أن الاستثمار في العقارات يعتبر بديلاً قابلاً للتطبيق للمودعين الذين يسعون إلى إخراج أموالهم من البنوك التجارية. 

كما شهد الاندفاع للشراء زيادة بنسبة 33.3 في المائة في عدد المعاملات العقارية من كانون الأول (ديسمبر) 2020 إلى كانون الأول (ديسمبر) 2021، وبلغت قيمة تلك المعاملات 15.55 مليار دولار بزيادة 8 في المائة عن العام السابق، وفقاً لبنك بلوم إنفست. لكن هذا النمو لم يدم طويلاً، ففي الأشهر السبعة الأولى من عام 2022 تراجعت المبيعات بنسبة 15 في المائة على أساس سنوي، وفقاً لتقرير بنك عودة. وأشار التقرير نفسه إلى أن الانخفاض في الأعمال يعكس تحول قطاع العقارات من قبول الشيكات إلى طلب مدفوعات نقدية بالدولار. 

ومنذ ذلك الحين ظل بيع العقارات في حالة ركود وانخفضت أسعار العقارات الإجمالية في المدينة عن مستويات ما قبل عام 2019. وقد أظهرت دراسة أجراها كل من شركة رامكو للاستشارات العقارية وصحيفة لوريان لوجور النظر في أسعار المبيعات في أحياء بيروت ضعف السوق؛ فمثلاً تم بيع شقة فاخرة واحدة في فرن الحايك في الأشرفية بمبلغ 1.1 مليون دولار في عام 2021 أو 1850 دولاراً للمتر المربع، وهو أقل بكثير من السعر المعتاد عليه للشقق الفاخرة في لبنان الذي يزيد عن 3000 دولار للمتر المربع14. 

دعم الإسكان العام: المطورون الخاصون في استفادة دائمة  

إن التزام الدولة بوعودها الدستوريّة بحقّ المواطن في السكن الملائم قد بقيَ محدوداً حتى مع جذب العقارات للاستثمار ورأس المال المصرفي خلال سنوات الازدهار، وفي هذا الصدد كانت المبادرة الأساسية للحكومة هي مخطط قروض الإسكان العام تحت ستار المؤسسة العامة للإسكان، والتي تأسست في عام 1996 داخل وزارة الشؤون الاجتماعية، وتقوم بتسيير قروض الإسكان برعاية الدولة للمساعدة في تسهيل ملكية المنازل بين الفئات ذات الدخل المتوسط. ابتكرت المؤسسة العامة للإسكان مع مصرف لبنان ووزارة المالية و30 مصرفاً تجارياً لبنانياً مخطط تملّك المنازل على أساس الرهن العقاري. 

وبين عامي 2000-2018 أصدرت المؤسسة العامة للإسكان 83 ألف قرض بقيمة 10 تريليون ليرة لبنانية (حوالي 6.6 مليار دولار بسعر الصرف قبل الأزمة) للمتقدمين الذين استوفوا المعايير اللازمة، وفقاً للمدير العام ورئيس مجلس الإدارة روني لحّود. 

وفي هذا السياق قال لحّود: “كنا نعطي قروضاً للأشخاص لبناء شققهم، أو عقاراتهم الخاصة، أو لتجديد العقارات الموجودة، أو لتوسيع ممتلكات قائمة، وكان الجزء الأكبر من القروض هو لشراء وامتلاك شقة”. وأضاف أن المؤسسة كانت معنية بأكثر من 60 في المائة من جميع قروض الإسكان المدعومة من الحكومة، فيما تشكل خطط الإسكان للقوات العسكرية والأمنية النسبة المتبقية15. 

ومع ذلك فإن فعالية سياسة القروض ما زالت قيد المناقشة. من جهتها، أشارت باحثة الإسكان في مختبر المدن بيروت-المرصد الحضري في بيروت، عبير الزعتري، إلى أن البنك المركزي قد “ركّز على دعم الطلب على العقارات من خلال تمويل القطاع السكني”. 

وقالت إن هذا أدى إلى زيادة الحد الأقصى على قروض الإسكان للمؤسسة العامة في عام 2008 من 53 دولار ألف إلى 120 ألف دولار، ومرة أخرى في عام 2011 إلى 180 ألف دولار، كرد فعل على الفجوة المتزايدة بين القوة الشرائية لمشتري المساكن وأسعار المساكن16. ووفقاً للزعتري، فإن قيم دعم القروض التي تم توفيرها للمستهلكين قد تبعت التقييمات المرتفعة للممتلكات خلال الطفرة العقارية، وبالتالي ساهمت في تفاوتها17 

كما أن التركيز الكبير لسياسة القروض على الطبقة الوسطى يعني أيضاً أن تحديات الإسكان الشديدة للطبقة العاملة قد ظلت دون معالجة، إذ إنّ مساعي الإسكان الميسور التي تديرها الدولة قد غابت تماماً عن سياسات الحكومة. لم تكن العقبة الرئيسة في كلّ هذا ضعف المقدرات المالية لمستويات الحكومة المختلفة لمتابعة مثل هذا البرنامج. فقد شهدت بلدية بيروت، على سبيل المثال لا الحصر، مكاسب مفاجئة في الإيرادات من الضرائب والتراخيص المرتبطة بالبناء خلال سنوات الطفرة العقارية. وبحلول نهاية عام 2015 كانت المدينة قد جمعت 800 مليون دولار في صندوقها الاحتياطي، وتم الحصول على نسبة كبيرة منها من رسوم تصاريح البناء والضرائب البلدية بحسب كل من فتحة، عضو المجلس، ورئيس قسم الهندسة في البلدية جهاد بقاعي18. وقد قدّر نور من شركة سوليدير أن ما بين 70 إلى 80 في المائة من هذه الإيرادات قد جاءت من تراخيص البناء وحدها. ومع ذلك، بالكاد تجاوزت مشاريع الإسكان الاجتماعي رادار مسؤولي البلدية، وفقاً لبقاعي، الذي قال إن معظم مبادرات المدينة: “تصب في مصلحة مطوّري العقارات وكل شيء آخر يأتي لاحقاً”.  

إيجار قديم وإيجار جديد 

إن البيانات حول نسبة سكان بيروت الذين يستأجرون منازلهم بدلاً من امتلاكها شحيحة، وقد أكّد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، نقلاً عن عقود إيجار مسجلة لدى البلدية في عام 2008، أن هناك انقساماً متساوياً تقريباً، بين الاثنين؛ حيثُ تمتلك نصفُ أسر المدينة مسكنها، فيما يستأجر النصف الآخر أماكن إقامتهم19، والأهم من ذلك، أنّ هذه الأرقام لا تشمل ترتيبات الإيجار غير الرسمية. وقد وجدت “مدينة مستأجرين“، وهي دراسة حديثة أجراها مختبر المدن بيروت لتقييم الظروف المعيشية، أن أكثر من نصف الأسر التي شملها الاستطلاع لديها عقود إيجار شفهية فقط، لذلك من الآمن افتراضُ أن معظم سكان بيروت مستأجرون وليسوا ملّاكاً. 

ولعلّ الخطوة المميزة التي اتخذتها حكومة الحريري لدعم الإسكان الميسور التكلفة، والتي يمكن القول إنها ساعدت المزيد من اللبنانيين في الحفاظ على سقفٍ فوق رؤوسهم أكثرَ من أيّ قرارٍ حكوميٍ آخر، هو ما أصبح يعرف بقانون “الإيجار القديم”. تم سنُّ هذا القانون في يوليو 1992، وكان من شأنه أن قامَ بتجميد قيمة جميع اتفاقيات الإيجار الموقعة سابقاً إلى الأبد، في الوقت الذي لم تواجه فيه اتفاقيات الإيجار الموقّعة بعد التشريع أيةَ ضوابطَ على الأسعار. وعلى مرّ السنين ومع التضخم وما تلاه، سمح قانون الإيجار القديم للعديد من العائلات بالبقاء في منازلها مع إعطائها إمكانية دفع إيجاراتها بأقل بكثير من القيمة السوقية. ووفقاً لبنك بلوم إنفست، فإنه في عام 2014 كان هناك 125 ألف أسرة في بيروت لا تزال تستفيد من قانون 201992. لكنّ انخفاض قيمة الإيجار على مر السنين، وإن أفاد المستأجرين ظاهرياً، فقد أدى أيضاً إلى ضعف صيانة المباني نظراً لاستمرار انخفاض إيرادات المالكين من ممتلكاتهم بالقيمة الحقيقية. 

لم يدُم هذا القانون كثيراً، ففي عام 2014 صوّت البرلمان على إنهاء الحماية التي يوفرها هذا القانون (قانون الإيجارات القديم – 1992).  

 نصّ القانون الجديد على السماح للإيجارات القديمة بالارتفاع التدريجي على مدى 9 سنوات إلى “سعر إيجار عادل” على أن يتم تحديده بنسبة 5 في المائة من القيمة السوقية التقديرية للعقار. كما دعا التشريع إلى تقديم دعم الإسكان الحكومي لذوي الدخل المنخفض للمساعدة في تغطية زيادات الإيجار. إلّا أنّ الظروف اللاحقة، والتي تمثلت باندلاع الأزمة المالية وانهيار الليرة قد أدت إلى حالة من الفوضى في تطبيق قانون الإيجارات الجديد، خاصة فيما يتعلق بكيفية حساب قيم العقارات وأسعار الإيجارات الجديدة عند التفاوض على معظم العقود القديمة بالليرة. 

وبالتالي وجد المسح الذي أجرته دراسة “منصة مدينة المستأجرين” أن نسبة المستأجرين الذين يدفعون الإيجار بالدولار الأميركي آخذة في الازدياد. ففي عام 2020 أسرّ 30-35 في المائة من المشاركين في الاستطلاع أنّهم يدفعون بالدولار الأمريكي، وبحلول عام 2022 أفادَ 75 في المائة بأنهم دفعوا الإيجار نقداً أميركياً، وفقاً لعبير الزعتري. 

لا تزال الغالبية العظمى من اللبنانيين تتقاضى رواتبها بالليرة اللبنانيّة، ومع ذلك، فإن الاتجاه نحو دولرة الإيجارات يمثل زيادة كبيرة في الإيجارات بالنسبة للكثيرين. وفي هذا السيّاق، أشارت عبير سقسوق، من مرصد السكن لموقع “البديل”، إلى أن أصحاب العقارات ينتهكون في بعض الحالات كلّاً من قوانين الإيجار وعقود المستأجرين من خلال المطالبة بأن يكون الإيجار مدفوعاً بالدولار.  

وتابعت “على الرغم من أن قانون الإيجار ينصّ على أن عقد الإيجار مدته 3 سنوات، وخلال هذه السنوات الثلاث لا يمكن للمالك إخلاء البيت، ولا يمكنه رفع الإيجار أو تغيير قيمة الإيجار، إلا أنّ هذا يحدث طوال الوقت… حين يتعلق الأمر بالممارسات، هناك انتهاكات جسيمة لقانون الإيجار”. 

كما لاحظ مسح “منصّة مدينة المستأجرين” زيادة في عدد المستأجرين الذين يعتمدون على الدعم من مجموعات المساعدة او من عائلاتهم الخاصّة لمواصلة تحمل تكلفة الإيجار والمرافق. وفي هذا الصدد قالت سقسوق أنّ مرصد السكن يتلقى دعوات متزايدة للمساعدة من الأفراد الذين يواجهون الإخلاء، وأنّ نسبة كبيرة من المتصلين هي من غير اللبنانيين مثل اللاجئين السوريين والعمال المهاجرين، وأشارت إلى وجود تباين بين هذه الحالات التي يتم فيها دفع الإيجار بالدولار أو بالليرة اللبنانية. 

وتابعت عبير، قائلةً: “اليوم حين تكون في السوبر ماركت كل شيء بالدولار. هذا ما سيحدث للإسكان بشكل تدريجي… ستزداد عمليات الإخلاء والتشرد، لذلك نحتاج بالتأكيد إلى خطة طوارئ للإسكان والمأوى. هذا أمر بالغ الأهمية لأن الأمور متجهة بالتأكيد نحو الدولرة”. 

وقال روني لحّود إنه في عام 2018 أي بعد انتهاء المخطط السكني لمؤسسة الإسكان، فإن المؤسسة بدأت العمل على “خطة إنقاذ الإسكان”، كما صرح أنه على الرغم من توقيع وزارة الشؤون الاجتماعية على الخطة إلا أنها ظلت في طيّ النسيان بسبب الجمود السياسي المستمر، وما زالت تنتظر أن يتمّ الموافقة عليها من قبل مجلس الوزراء. وبحسب لحّود تسعى الخطة إلى معالجة تجزئة السكن من خلال توحيد “عملية اتخاذ القرار لتجنّب تداخل المسؤوليات وتضارب السلطة بين مؤسسات الإسكان المختلفة”. 

وبينما كان متردداً في الكشف عن تفاصيل محددة، قال لحّود إنّ الخطط تتضمن تعديلات على قانون الإيجار لتحديد معايير السكن الملائم “لأنه في الوقت الحالي يمكنك استئجار أي شيء، حتى لو كان دون نوافذ”. وأضاف أنّ مقترح التعديلات يتضمن أيضاً تحديد سقف الإيجار وفقاً لحالة الشقة وموقعها، وإدخال مخطط “الإيجار للشراء”. 

كما تسعى خطة المؤسسة العامة إلى معالجة ما وصفه بـ”المناطق العشوائية” في بيروت، أي المنازل التي بنيت بشكل غير قانوني خلال الحرب على حد تعبيره. ومع ذلك لا يزال من غير الواضح كيف سيتم التعامل معها. 

التطلع قدماً 

إن التحديات التي تواجه الإسكان الميسور والبيئة الحضرية في لبنان هي نتيجة عقود من التراكمات، فضلاً عن الأزمة الاقتصادية الجارية التي فاقمت من معاناة الكثيرين، كما وأدّت أيضاً إلى تعطيل الوضع الراهن بشكل جذري. إلّا أنّه في ظل هذا التآكل في الظروف السابقة وما تلاها، فلا يزال هناك فرصة لرسم مسار مختلف بهدف المضي قدماً. وقد أشار العديد من الخبراء وصانعي السياسات في حديثهم لـ”البديل” في زمن كتابة هذه المقالة، إلى أنّ الوقت قد حان لإعادة تقييم وتخطيط واقتراح سياسات جديدة للإسكان والإدارة الحضرية في لبنان. ولأنّ معالجة أوجه عدم المساواة والاختلالات الهائلة في سوق الإسكان تشكل تحدياً طويل الأجل، فإن التوصيات المجمعة أدناه من آراء الخبراء تمثل نقاط دخول واقعية لبدء إجراء إصلاحات ملموسة وذات مغزى.

تركّز هذه المقالة بشكل رئيسي على توحيد عمليّة صنع القرار بشأن سياسة الإسكان الحكوميّة في كيان واحد في ظلّ التجزئة الحالية والإدارات المختلفة لهذا الملف. وتقترح الخطوات التالية لتحسين ظروف السكن والحدّ من التجاوزات:

تطبيق ضريبة العقارات الشاغرة: إن إحدى السبل المتاحة لإصلاح الإسكان تأخذ شكل ضريبة الشغور. ففي حالة بيروت، حيث يوجد عدد كبير من العقارات الشاغرة في جميع أنحاء المدينة (يقدّر أنّها تصل إلى 50 في المائة في بعض المناطق الغنية)21، يمكن أن تكون هذه الضريبة نقطة انطلاق لزيادة العرض في سوق الإيجار وبالتالي خفض الأسعار. عادة ما تأخذ ضريبة الشغور شكل رسوم سنوية كنسبة مئوية من قيمة العقار، وهي طريقة تستخدم بشكل متزايد في المدن على مستوى العالم لتثبيط النهج المالي قصير النظر للإسكان، والتي يُنظر فيها إلى الشقة على أنها أصل مادي فقط. لهذا تأتي هذه الضريبة لتحفّز أصحاب العقارات على الاعتراف بأن الدور الأساسي للإسكان هو توفير المنازل للسكان، وأنهم يتحملون المسؤولية في هذا الصدد. ففي إيجاد ضريبة على الممتلكات الشاغرة، ومن خلال زيادة وحدات الإيجار المتاحة، توجد فرصة لتنشيط الحياة في الأحياء السكنية، وتقليل حركة مرور السيارات من خلال السماح لمزيد من الناس بالعيش بالقرب من مكان العمل أو الدراسة. إلّا أنّ عدم استقرار قيمة الليرة اللبنانيّة ضمن نطاق معقول قد يشكّل عائقاً في عملية تقدير القيمة الرسميّة للعقارات لأغراض عمليّة جمع الضرائب

تنفيذ استراتيجيات تحصيل قيمة الأراضي (LVC) في التخطيط الحضري: إنّ هذه الاستراتيجية هي نهج للتخطيط الحضري لمساعدة الحكومات على متابعة مشاريع البنية التحتية الحضرية – مثل أضواء الشوارع أو الأرصفة أو المساحات الخضراء أو النقل العام – بطريقة متّسقة، يمكن التنبؤ بها ومن الممكن أن تكون مستدامة مالياً. تتمثل إحدى ركائز هذا النهج في تسييج الإيرادات الحكومية من الضرائب والرسوم والتصاريح المرتبطة بالعقارات وأنشطة التطوير للإنفاق على مشاريع البنية التحتية الحضرية. وبالتالي تصبح قيمة الضرائب والرسوم التي يدفعها رجال الأعمال والأفراد واضحة مادياً في البيئة المبنية من حولهم، وهي أمثلة من مدن أخرى قد سمحت بتحسين الامتثال الضريبي وزيادة مستويات الثقة بين الدولة والمواطنين22.

وضع استراتيجية للسياسة الحضرية لمعالجة المباني المهجورة والمتداعية:  إنّ إنشاء استراتيجية سياسة حضرية لفهم الأسباب الجذرية للتخلي عن العقارات في معالجة المباني المتداعية في المدينة، فضلاً عن تقديم طرق لتحسين ظروف المعيشة على المدى الطويل هو خطوة ضروريّة في هذا المجال، ستساعد في توفير مقاربات لتجديد مخزون المساكن في الأحياء الرسمية وغير الرسمية (أي المساكن المبنية بدون تصاريح غالباً أثناء الحرب الأهلية). ومن المبادرات التي يمكن البناء عليها في هذا الصدد الأعمال والمساحة البحثيّة في مختبر المدن بيروت – المرصد الحضري في بيروت لمعالجة العدد الكبير من المباني المهجورة والمتداعية في المدينة، والتي تتضمن أيضاً تحديد المباني التي تم التخلي عنها لعقود من الزمن، وعاشت فيها منذ ذلك الحين عائلات فقيرة.

إنّ هذه المباني المهملة لا تقلل من القدرة المعيشية الإجمالية للأحياء فحسب، بل غالباً ما تراكِم الضرائب غير المدفوعة حيث لا قيمة فعلية للبلديات التي أهملت عملها فيها23. وقد طوّر مختبر المدن بالتعاون مع وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية خططاً للعمل مع البلدية لتحسين هذه العقارات، وسداد الديون وتحويلها إلى مساكن ميسورة التكلفة.

إضفاء الطابع الرسمي على سوق الإيجار وتنظيمه: يجب إضفاء الطابع الرسمي على سوق الإيجارات ليشمل قطاع الإيجارات غير الرسمية. كما ينبغي اتخاذ خطوات لتحديد وتنظيم معايير السكن الملائم والحدّ الأقصى لزيادة أسعار الإيجارات.

الفرض على الإنشاءات العمرانية الجديدة أن تخصّص جزءاً معيناً من شققها الجديدة للسكن الميسور التكلفة: إنّ فرض اللوائح على الإنشاءات الجديدة التي تلزمها بتخصيص عدد معين من الشقق لسقوف الأسعار (للحدّ الأقصى للأسعار)، وفقاً لمعايير اجتماعية واقتصادية محددة مسبقاً، هو وسيلة مباشرة لزيادة توفير الإسكان الاجتماعي.

الهوامش:  

  1. مقابلة مع المهندس محمد سعيد فتحة عضو مجلس بيروت، أجريت في 30 أيار 2023.
  2. باسل فوزي صلوخ، ربيع بركات، جنان الحبال، لارا خطيب، وشوغيغ ميكائيليان، سياسة الطائفية في لبنان ما بعد الحرب (2015). 
  3. المصدر نفسه. 
  4. المصدر نفسه. 
  5. المصدر نفسه. 
  6. بحسب جوزيف ضاهر. 
  7. برونو ماروت، “أمولة العقارات وسوق الإسكان في لبنان” (بالإنكليزية)، المفكرة القانونية، 16 آب 2019. 
  8. عاطف قبرصي، “إعادة بناء اقتصاد لبنان” (بالإنكليزية)، مجلّة الدراسات العربية الفصلية 21، رقم 1 (1999): ص. 69-95. 
  9. جريدة الأخبار الإنجليزية، “بيروت للأثرياء فقط: مليون دولار متوسط الشقة السكنية الواحدة” (بالإنكليزية)، 14 شباط 2014. 
  10.   المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وموئل الأمم المتحدة، “قضايا الإسكان والأراضي والممتلكات في لبنان: تداعيات أزمة اللاجئين السوريين” (بالإنكليزية)، آب 2014.   
  11. “أمولة الإسكان: المقرر الخاص المعني بالحق في السكن اللائق”، تقرير الأمم المتحدة. 
  12. هشام أشقر، “لبنان وقانون البناء لعام 2004: داخل النقاشات البرلمانية” (بالإنكليزية)، مركز معرفة المجتمع المدني، تشرين الأول 2014. 
  13. المصدر نفسه. 
  14. غيوم بوديسو، “أسعار الشقق في بيروت عام 2021: ما هي تكلفة الشقة في الأشرفية؟” (بالفرنسية)، صحيفة لوريان لوجور، 5 تشرين الأول 2021. 
  15. عبير سقسوق، جنى حيدر، جوان شاكر ونادين بكداش، “القروض السكنية تفاقم اللامساواة“، تقرير حول بلاغات «مرصد السكن» للمتعثرين عن تسديد القروض السكنية في ظل الأزمة المالية، مرصد السكن.  
  16. عبير الزعتري، “الإنتاج السكني في الأحياء الحضرية غير المستوية: دراستان لحالة من بيروت (عائشة بكار وتلة الخياط)” (بالإنكليزية)، الجامعة الأمريكية في بيروت، تشرين الأول 2019. 
  17. المصدر نفسه. 
  18. مقابلة مع محمد سعيد فتحة المهندس وعضو مجلس المدينة، أجريت في 29 أيار 2023؛ مقابلة مع جهاد بقاعي رئيس قسم الهندسة في بلدية بيروت، أجريت في 10 نيسان 2023. 
  19. مقابلة مع مايا سابا عون من “استديو أشغال عامّة” أجريت في آذار 2023. 
  20. نهاية مراقبة الإيجارات في لبنان: تحليل الأثر“، تقرير صادر عن بنك بلوم إنفست. 
  21. مختبر المدن بيروت، تقرير “بيروت: مدينة للبيع؟”. 
  22. شرح معنى “تحصيل القيمة“، هارفارد بزنس ريفيو.  
  23. مقابلة مع عبير الزعتري من مختبر المدن بيروت. 

المواضيع ذات الصلة