تجارةٌ غير مرغوب فيها: مخاطر إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان

إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل ليس حلّاً للملاحقات القضائية المسيّسة، بل غطاءٌ للتغلغل الاقتصادي الإسرائيلي والاستيلاء على الأراضي.
تجارةٌ غير مرغوب فيها: مخاطر إلغاء قانون مقاطعة إسرائيل في لبنان

تضغط واشنطن على لبنان لإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل الصادر عام 1955. وإذا نجحت في مسعاها فإن التبعات القانونية ستتجاوز مسألة التواصل مع الإسرائيليين.

أولاً، قانون المقاطعة هو القانون اللبناني الوحيد الذي يذكر إسرائيل بالاسم، وبإلغائه يزول الحاجز القانوني الأهمّ أمام دخول الأموال الإسرائيلية إلى الشركات والمصارف اللبنانية. صحيح أنّ قانون العقوبات يحظر التبادل التجاري مع «العدو»، لكنّ هذا الوصف لن ينطبق على إسرائيل ما إذا أنهى البلدان رسمياً حالة الحرب بينهما، وهو ما أعلنا عزمهما عليه في إطار المفاوضات التي تقودها واشنطن منذ نيسان. والأخطر أنّ إلغاء قانون المقاطعة قد يتيح لإسرائيليين شراء أراضٍ في المناطق المحتلّة من جنوب لبنان، بما قد يوفّر غطاءً قانونياً لمساعيها الاستيطانية. وما دامت إسرائيل تحتلّ أراضي لبنانية، فمن شبه المؤكّد أنّ رفع هذه القيود سيُضعف قدرة لبنان على ضبط نشاط المصالح الاقتصادية الإسرائيلية فيه، دون أن يحصل في المقابل على انسحاب إسرائيلي أو ضمانات أمنية متبادلة.

في 15 تشرين الأوّل صرّح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو للرئيس جوزيف عون بأنّ قانون المقاطعة «يُستخدم في ملاحقات قضائية مسيّسة تصعّب اتخاذ خطوات نحو السلام مع إسرائيل». جاء كلامه على خلفية شكوى قُدّمت أمام القضاء اللبناني بحقّ سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوّض، على خلفية اتصالات غير رسمية مع نظيرها الإسرائيلي. وقد ردّ مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية الشكوى.

وفي الأسبوع نفسه أبلغ السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى وفداً من 11 نائباً لبنانياً أنّ الوقت حان لإلغاء قانون المقاطعة. ومن اللافت أنّ رئيس مجلس النواب نبيه برّي أكّد أنّ إلغاء القانون لن يمرّ في المجلس، إلّا أنّ الجدل انحصر منذ ذلك الحين حول مسألة تواصل اللبنانيين مع الإسرائيليين، فيما غابت عن النقاش أوجه التعامل التي يحظرها فعلياً قانون المقاطعة.

لا صفقات، ولو بالوساطة

هناك فرق جوهري بين التواصل الدبلوماسي والتطبيع الاقتصادي. ففي ظلّ قانون المقاطعة، يمكن للبنان أن يتفاوض على إنهاء الأعمال العدائية من دون أن يتخلّى عن الضمانات القانونية التي تقيّد الاستثمار الإسرائيلي والتعامل التجاري مع إسرائيل وتملّك الإسرائيليين عقارات في لبنان.

يحظر قانون عام 1955 على أيّ شخص في لبنان عقد صفقات مع أشخاص يقيمون في إسرائيل أو يعملون لحسابها. يشمل الصفقات التجارية والعمليات المالية و«أيّ تعامل آخر أيّاً كانت طبيعته» سواء عُقد الاتفاق «بالذات أو بالوساطة». ويُعاقَب المخالف بالأشغال الشاقّة من ثلاث إلى عشر سنوات. وبما أن الحظر يشمل التعامل عبر وسطاء، بإمكان الدولة ملاحقة المشترين والمستثمرين الإسرائيليين الذين يتّخذون من شخص أو شركة، في لبنان أو خارجه، واجهةً لهم. ويمتدّ أثر القانون إلى ما هو أبعد من حظر التجارة المباشرة، إذ يمنح الدولة سنداً قانونياً لضبط نشاط المصالح التجارية والمالية الإسرائيلية، حتى حين تمارسه عبر بلد ثالث أو شركة أو وسيط.

وتحظر المادة 285 من قانون العقوبات اللبناني أيضاً المعاملات التجارية وعمليات البيع والمبادلة مع رعايا الدول «العدوّة»، ولو جرت عبر وسطاء. غير أنّ هذه المادة، بخلاف قانون المقاطعة، لا تذكر إسرائيل بالاسم. لذا يتوقّف سريانها على الإسرائيليين على تصنيف إسرائيل في القانون اللبناني دولةً عدوّة.

قد يتيح إلغاء قانون المقاطعة لجهات إسرائيلية أن تنافس على العقود العامة وفق شروط الأهلية نفسها التي تسري على سائر الشركات الأجنبية.

في حين ينصّ البند الأوّل من الاتفاق الإطاري الذي وقّعه لبنان وإسرائيل في 26 حزيران بوساطة أميركية أنّ الطرفين يعتزمان إنهاء أيّ حالة حرب بينهما رسمياً. وإذا نُفّذ الاتفاق، فقد يُطرح السؤال عمّا إذا كانت المادة 285 ستظلّ سارية على الإسرائيليين، مما قد يقتضي البتّ فيه مراجعة قضائية. أمّا قانون المقاطعة الصادر عام 1955 فهو يذكر إسرائيل بالاسم ويبقى نافذاً ما لم يقوم مجلس النواب بتعديله أو إلغائه.

وإذا أُلغي قانون المقاطعة أيضاً، فلن يبقى ما ينظّم الاستثمار الإسرائيلي في لبنان سوى قوانين الشركات والمصارف ومكافحة تبييض الأموال، وهي لا تميّز بين الأموال الإسرائيلية وسائر الأموال الأجنبية. عندئذٍ تستطيع أي شركة إسرائيلية أن تستثمر مباشرةً في لبنان، شرط أن ترفع إسرائيل بدورها الحظر الذي تفرضه على التجارة معه. أمّا المستثمر الذي يفضّل ألّا يظهر اسمه في الصفقة، فيمكنه مثلاً إبرامها عبر شركة مسجّلة في قبرص. وتظلّ المصارف اللبنانية ملزمةً بالتحقّق من هويّة أصحاب الحقّ الاقتصادي وبسائر الموجبات الرقابية، لكنّ هذه الموجبات لا تشكّل في ذاتها حظراً على الاستثمارات المرتبطة بإسرائيل.

كما قد يتيح إلغاء قانون المقاطعة لجهات إسرائيلية أن تنافس على العقود العامة وفق شروط الأهلية نفسها التي تسري على سائر الشركات الأجنبية. فالشركات الأجنبية ملزمة اليوم بالحصول على موافقة مكتب مقاطعة إسرائيل للمشاركة في بعض إجراءات الشراء العام. أمّا إذا أُلغي القانون، سيكون من الضروري إعادة النظر في السند القانوني لاشتراط هذه الموافقة، إذ أن قانون الشراء العام رقم 244 لسنة 2021 لا يتضمّن آلية مماثلة للتدقيق في صلات الشركات بإسرائيل.

بالتالي، فإن إلغاء قانون المقاطعة له تبعات تتجاوز العقبات الرمزية أمام السلام. فقد يزيل حاجزاً قانونياً قائماً بذاته أمام مشاركة جهات إسرائيلية في الاقتصاد اللبناني، حتى حين تتّخذ هذه المشاركة شكل معاملات غير مباشرة يصعب رصدها وضبطها.

غطاء قانوني للاستيلاء على الأراضي

يحظر المرسوم الاشتراعي رقم 11614 لسنة 1969 بشأن تملّك الأجانب للعقارات في لبنان (بصيغته المعدّلة بقانون عام 2001) شراء عقار في لبنان على كلّ من «لا يحمل جنسية صادرة عن دولة معترف بها». إلا أن الكثير من الإسرائيليين يحملون جنسية أوروبية أو أميركية إلى جانب جنسيتهم الإسرائيلية، ما قد يتيح لهم تملّك عقارات بموجب جنسيتهم الأخرى. ويخضع التملّك في هذه الحالة للقيود التي يفرضها القانون اللبناني على تملّك الأجانب، بما فيها شروط الترخيص وعتبة الثلاثة آلاف متر مربّع.

على لبنان أن يحتفظ بوسائل تتيح له منع إسرائيل من تحقيق أطماعها في أراضيه، سواء بالصفقات التجارية أو بالقوّة العسكرية.

قد يبدو شراء الأراضي عبر سبل قانونية بعيداً عن واقع الجنوب اليوم. فالجيش الإسرائيلي يحتلّ مساحة تقارب 700 كيلومتر مربّع، سوّى فيها نحو خمسين قرية بالأرض، ولا يزال الاحتلال يحول دون عودة أكثر من 200 ألف لبناني إلى ديارهم. ومع ذلك، أبدى بعض الإسرائيليين اهتماماً بتملّك أراضٍ في الجنوب عبر معاملات قد يُعترف بها قانونياً في ما بعد.

في تشرين الثاني 2025 عرضت مجموعة «أوري تسافون» الاستيطانية الإسرائيلية قطع أراضٍ للبيع في جنوب لبنان بنحو 300 ألف شيكل للقطعة الواحدة. وفي نيسان من هذا العام وعد وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش بـ«خطوة سياسية في لبنان توسّع حدودنا». وفي الشهر الماضي أفادت صحيفة «الأخبار» بأنّ محامين يعملون في مكاتب محاماة أميركية عرضوا على كبار مالكي الأراضي على الساحل المحتلّ بين المنصوري والناقورة شراء عقاراتهم بأسعار تفوق سعر السوق. ومع أنّ هذه الوقائع لا تثبت أنّ ملكية أيّ عقار قد انتقلت قانوناً، فإنّها تبيّن لماذا على لبنان أن يحتفظ بوسائل تتيح له منع إسرائيل من تحقيق أطماعها في أراضيه، سواء بالصفقات التجارية أو بالقوّة العسكرية.

ولمنع صفقات من هذا النوع، أقرّ مجلس الوزراء اللبناني في 10 أيلول مشروع قانون تقدّم به وزير المالية ياسين جابر، يحظر بيع العقارات في المناطق المحتلّة ويستهدف من يشترونها لحساب رجال أعمال إسرائيليين. ولم يصوّت مجلس النواب على المشروع بعد، وحتى لو أقرّه بصيغته الحالية، فسينتهي العمل به بانتهاء الاحتلال الإسرائيلي. وحتى لو أقرّ مجلس النواب مشروع القانون، فالحماية التي يوفّرها أضيق نطاقاً من تلك التي يكفلها قانون المقاطعة، وقد تكون مؤقّتة. أمّا مسألة شراء عقارات لحساب جهات إسرائيلية خارج المناطق المحتلّة، فستبقى من دون حلّ.

إلغاء المقاطعة بلا مقابل

المقاطعة أداة لتنظيم العلاقات الاقتصادية، وقد تكون خيار يتّخذه أفراد أو مجموعات، أو قد تكون سياسة تعتمدها حكومات. والمقاطعة في ذاتها لا تُعدّ عملاً عدائياً، كما أنّ استمرارها لا يحول دون إجراء مفاوضات دبلوماسية أو إقامة علاقات رسمية. فقانون المقاطعة اللبناني يقيّد دخول المصالح التجارية الإسرائيلية إلى الاقتصاد اللبناني، ويُبقي للبنان حرية التفاوض على إنهاء النزاع. ومن ثمّ، لا مسوّغ قانونياً لتعديله أو إلغائه لمجرّد إتاحة التواصل الدبلوماسي.

بوسع لبنان أن ينهي حالة الحرب مع إسرائيل ويُبقي قانون المقاطعة سارياً.

كما بوسع لبنان أن ينهي حالة الحرب مع إسرائيل ويُبقي قانون المقاطعة سارياً. ففي عام 1979، أنهت معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل حالة الحرب بين البلدين، لكنّها أرجأت رفع المقاطعة المصرية إلى حين «استكمال الانسحاب المرحلي» للقوات الإسرائيلية من سيناء. أمّا ما تطلبه واشنطن من لبنان اليوم فهو أن يفتح الباب أمام التعامل التجاري مع إسرائيل في غياب اتفاق سلام، وفي الوقت الذي يواصل الجيش الإسرائيلي فيه ترسيخ وجوده على الأراضي اللبنانية.

كما أنّ إسرائيل لم تقدّم أيّ ضمانات بالانسحاب من الأراضي اللبنانية بما يكفل للبنان أمناً دائماً. وفي هذه الظروف، فإن إلغاء قانون المقاطعة لعام 1955 يعني أن يتخلّى لبنان عن أقوى ضمانة قانونية لديه في وجه التغلغل الاقتصادي الإسرائيلي، وأكثرها وضوحاً في حظر التعامل مع إسرائيل، دون أن يكسب في المقابل شيئاً يُذكر.

الآراء الواردة في هذه المقالة تعبّر حصراً عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة آراء «البديل | معهد السياسات البديلة» أو فريقه التحريري.