العبودية المعاصرة في لبنان: إعادة توصيف العمالة المنزلية للوافدات

يمكن لقضية العبودية التي رفعتها ميسيريت هايلو أن تُحدث تحوّلاً في نظام الكفالة في لبنان

أُنهِكت حتى العظم ومُنعت من المغادرة، حُرمت من أجورها وضُربت، وأُجبرت على العيش في عزلة… من البديهي أن لا تُعتبر هذه ظروف عمل عادية، ويبدو أن “العبودية” هي الوصف الأدق. هذا المستند المطروح حالياً أمام المحاكم اللبنانية في قضية رفعتها عاملة منزلية سابقة من إثيوبيا ضد المواطنة اللبنانية التي عملت لديها قرابة عقد من الزمن، وضد وكالة التوظيف التي جلبتها إلى البلاد.

يمثل هذا النهج الجديد، والذي ينقل الانتهاكات الجسيمة الشائعة في قطاع عاملات المنازل الوافدات من خانة نزاعات العمل إلى الاتهام بالعبودية، فيما يمثّل تحدياً لقطاع يدرّ أرباحاً ضخمة سمح تشابك مصالحه مع النخب السياسية بعرقلة أي إصلاح. يمكن اعتبار القضية الجارية ردّاً مباشراً على الحصار التشريعي الذي يواجه جهود إصلاح نظام الكفالة في لبنان، وهو نظام يحرم العاملات الوافدات من الحماية الأساسية من خلال ربطهن قانونياً بأصحاب العمل. وبذلك تمثل هذه القضية تحولاً في أسلوب المواجهة لدى المدافعين عن حقوق العاملات المنزليات: من الضغط لإقرار تشريعات جديدة توسّع نطاق الحماية إلى تطبيق القوانين النافذة.

الكفالة: الإطار القانوني والتطبيق العملي

في 27 أيار 2025 قدّمت الإثيوبية ميسيريت هايلو، وهي عاملة منزلية سابقة في لبنان، شهادتها أمام القضاء ضد صاحبة عملها السابقة مي سعادة، طبيبة الأسنان من جونيه، وضد وكالة توظيف بتهم العبودية وتجارة العبيد، معتبرةً أن الانتهاكات المرتبطة بنظام الكفالة في البلاد تمثّل شكلاً من أشكال العبودية المعاصرة.

نشأ نظام الكفالة كآلية لتنظيم العمالة الأجنبية في الخليج العربي بعد إلغاء العبودية، حيث ربط الوضع القانوني للعامل الأجنبي بالكامل بصاحب عمله في البلد المضيف. أمّا في لبنان فقد كرّس قانون الأجانب لعام 1962 هذا المبدأ، بينما استثنت المادة 7 من قانون العمل لعام 1946 العمل المنزلي صراحةً من المعايير الأساسية لحماية العمّال.

عملياً لا تستطيع العاملات مغادرة صاحب العمل أو تغييره من دون موافقته، ولا يستفدن من أي من ضمانات قانون العمل المتعلقة بالحد الأدنى للأجور أو تحديد ساعات العمل أو يوم الراحة الأسبوعي أو أجر العمل الإضافي، أو حرية التنظيم النقابي.

يوفّر العقد الموحّد القياسي لعام 2009 للعاملات المنزليات الوافدات بعض الحماية الأساسية: مثل الأجر الشهري ويوم راحة أسبوعي وإجازة مرضية مدفوعة وتأمين صحي وتحديد ساعات العمل. إلا أن العقد يمنح أصحاب العمل أفضلية واضحة في إنهاء الخدمة، إذ لا يُسمح للعاملات بإنهاء عقودهن إلا في حال ثبوت تعرضهن لعنف جسدي أو اعتداء جنسي، فيما لا يتطرّق إلى مسألة مصادرة جوازات السفر. وعملياً لا تستطيع العاملات مغادرة صاحب العمل أو تغييره من دون موافقته، ولا يستفدن من أي من ضمانات قانون العمل المتعلقة بالحد الأدنى للأجور أو تحديد ساعات العمل أو يوم الراحة الأسبوعي أو أجر العمل الإضافي، أو حرية التنظيم النقابي.

كما أن السبل القانونية المتاحة للعاملات لإجبار صاحب العمل على دفع أجورهن تبقى محدودة. والأهم أن استثناء العمل المنزلي من قانون العمل يعني أن أدوات التنظيم الرسمية للقطاع، مثل العقد الموحد أو الرقابة على مواقع العمل، تفتقر إلى أي تطبيق عملي.

تقول جوليا، وهي عاملة منزلية وافدة من أفريقيا، لـ «البديل»: «تشعرين وكأنك رهن الاحتجاز، وتُحرَمين من الحقوق الاجتماعية».

إنّ نظام الكفالة في جوهره إطار للهيمنة المُشرعَنة يخلق بيئة حيث «تؤدي التبعية التامة إلى هشاشة تامة وتفتح الباب واسعاً أمام الاستغلال».

صحيح أن كثيراً من عاملات المنازل في لبنان لا يتعرضن للاستغلال، لكن ذلك يبقى رهناً بحُسن نية أصحاب العمل. فإنّ نظام الكفالة في جوهره إطار للهيمنة المُشرعَنة يخلق بيئة حيث «تؤدي التبعية التامة إلى هشاشة تامة وتفتح الباب واسعاً أمام الاستغلال» وفقاً لمنظمة العمل الدولية.

وبحسب الدعوى القضائية التي رفعتها هايلو بتهمة العبودية، فإنها لم تتقاضَ سوى أجور 13 شهراً مقابل ثماني سنوات ونصف من العمل، وأُجبرت على العمل 15 ساعة يومياً دون يوم راحة أو إجازة، وتعرّضت للضرب وحُرمت من الطعام بشكل متكرر، ومُنعت من التواصل مع عائلتها وصودِر جواز سفرها، ولم تغادر شقة صاحبة عملها بمفردها سوى ثلاث مرات طوال فترة إقامتها.

وليس مفاجئاً أن ينتهك نظام الكفالة في لبنان عدداً من الاتفاقيات الدولية التي التزمت بها الدولة، بما في ذلك الالتزامات الأساسية بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقيات رئيسية لمنظمة العمل الدولية. ومن اللافت أن لبنان رفض التصديق على بروتوكول عام 2014 الملحق باتفاقية العمل الجبري، والذي كان سيفرض عليه، من جملة أمور أخرى، اعتماد استراتيجيات وطنية لمنع العمل الجبري، وحماية الضحايا وإعادة تأهيلهم، وضمان الوصول إلى العدالة وسبل الانتصاف وتعزيز إنفاذ القانون وتكريس مبدأ عدم معاقبة الضحايا.

أرباح العبودية: لماذا يستمر الظلم؟

على الرغم من كل ما تنطوي عليه العبودية من ظلم لضحاياها، فإنها تدر أرباحاً طائلة على المستفيدين منها، ما يفسر استمرار نظام الكفالة. وكما سبق أن أشار تحقيق سابق لـ «البديل» فإن الصناعة القائمة على استقدام العاملات المنزليات تدر أكثر من 100 مليون دولار سنوياً على وكالات التوظيف وشركات التأمين ووزارة العمل والأمن العام، وكيانات أخرى تسهّل ما يمثل عملياً قناةً للاتجار بالبشر. ولا يشمل هذا الرقم الوفورات الهائلة التي يجنيها مئات الآلاف من الأسر والشركات من خلال استغلال اليد العاملة الرخيصة. هذه المصالح مجتمعةً شكّلت عقبة أمام أي محاولة لتفكيك نظام الكفالة.

لا يزال نظام الكفالة مقبولاً على المستوى المجتمعي، إذ يولّد اعتماداً واسعاً على الاستعانة الرخيصة بخدمات المنازل، فيما يُنظر إلى وجود «خادمة» كرمز للمكانة الاجتماعية.

في أيلول 2020، أعلنت وزيرة العمل في حكومة تصريف الأعمال، لميا يمّين، عن إصلاح شامل لنظام الكفالة. ووقّعت على «العقد الموحّد» الجديد الذي صيغ بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وهيومن رايتس ووتش، ليمنح العاملات المنزليات الوافدات حداً أدنى للأجور وإجازة مرضية مدفوعة الأجر وأيام للراحة، وحماية من مصادرة جوازات السفر وإمكانية إنهاء عقودهن، وحقوقاً أخرى. لكن نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات في لبنان (SORAL) سارعت إلى التحرك ورفعت دعوى أمام مجلس شورى الدولة أعلى محكمة إدارية في لبنان، متذرعةً بأن وزارة العمل قد تجاوزت صلاحياتها. فأصدر المجلس قراراً بوقف تنفيذ العقد الجديد.

لا يزال نظام الكفالة مقبولاً على المستوى المجتمعي، إذ يولّد اعتماداً واسعاً على الاستعانة الرخيصة بخدمات المنازل، فيما يُنظر إلى وجود «خادمة» كرمز للمكانة الاجتماعية. كما تلجأ عائلات كثيرة إلى توظيف عاملات لرعاية كبار السن تعويضاً عن ضعف شبكة الأمان الاجتماعي في لبنان. لكن إخضاع العاملات المنزليات لقانون العمل وإلزام أصحاب العمل بدفع حد أدنى للأجور سيجعل الاستعانة بهن غير متاحة لكثير من العائلات اللبنانية، ما من شأنه أن يُطيح بهذا النموذج. ويُفاقم الأمر انتشار العنصرية المُمنهجة في لبنان، التي ترسّخ لهرمية للقيمة الإنسانية على أساس الجنسية، وبالتالي للاستغلال.

قالت عاملات منزليات وافدات تحدّثن لـ«البديل» إن العنصرية والتمييز سمة دائمة في حياتهن اليومية في لبنان، بدءاً من الأنظمة المنزلية المُذلّة وصولاً إلى الإقصاء الاجتماعي الصريح. وبالتالي يتجاوز نظام الكفالة كونه مجرّد نظام قانوني، ليدعم بنية هيمنة تمتد إلى المجالات الاجتماعية والاقتصادية والمؤسسية.

في مواجهة أبشع تجاوزات نظام الكفالة، حققت المنظمات غير الحكومية وجماعات المناصرة نجاحات متواضعة. من بينها حملة «هذا هو لبنان» التي تقوم بفضح أصحاب العمل المسيئين، وبرنامج تدريب منظمة «كفى» لمساعدة الشرطة في التعرف إلى العاملات المنزليات اللواتي وقعن ضحايا. كما يواصل الاتحاد غير الرسمي للعاملات المنزليات الذي تأسس عام 2015 بدعم من منظمة العمل الدولية، نشاطه رغم إعلان وزير العمل آنذاك أنه غير قانوني. ومع ذلك، فإن «مجمل العمل الذي قام به الجميع ما هو إلا قطرة في بحر مما يجب القيام به»، وفقاً لفرح سلكا، المديرة المشاركة لحركة مناهضة العنصرية في لبنان.

بين الرهان والمخاطر: العدالة عبر القضاء

رغم مصادقة لبنان على العديد من الاتفاقيات الدولية لمكافحة العبودية بما فيها اتفاقية 1926 بشأن العبودية، إلا أن قانونه المحلي ما زال يفتقر إلى تعريف رسمي للعبودية. وتنص المادة 2 من قانون أصول المحاكمات المدنية على أولوية المعاهدات الدولية على القوانين الوطنية، غير أن القضاة اللبنانيين «ليس لديهم عادة الرجوع إلى الاتفاقيات الدولية»، كما يقول الباحث القانوني علي مراد لـ«البديل». لهذا، قد تشكّل قضية هايلو المتعلقة بالعبودية سابقة قانونية بارزة.

منذ تشرين الأول 2020، ظلت قضية ميسيريت هايلو معلّقة أمام قاضي التحقيق. وفي تموز 2024، أغلق القاضي الملف لعدم تمكن هايلو من حضور جلسة استماع مقررة. وقد رُفض طلبها الإدلاء بشهادتها عن بُعد رغم استنادها إلى سابقة قضائية لبنانية، كما رُفض الاستئناف ضد قرار الإغلاق. ووفق الإجراءات اللبنانية، عندما يغلق قاضي التحقيق قضية تُحال إلى المدعي العام، الذي يراجع الملف ويصدر توصية غير ملزمة بشأن المضي فيها أو لا. ثم في كانون الثاني 2025، وبالتزامن مع تشكيل حكومة إصلاحية جديدة، أوصى المدعي العام في جبل لبنان بعدم إقفال الملف من دون الاستماع إلى شهادة هايلو، مسلطاً الضوء على ثغرات أدلة أساسية. وبناءً على هذه التوصية أعاد قاضي التحقيق فتح الملف في آذار 2025، ما أتاح لهايلو الإدلاء بشهادتها في أيار.

من خلال تأطير محنتها كقضية عبودية ضمن إطار الاتجار، يوظّف المدافعون استراتيجياً أدوات قانونية قائمة لمواجهة غياب إطار وطني يعالج الاستغلال المنهجي.

وتتابع منظمة Legal Action Worldwide القضية نيابة عنها. ويقول مستشارها القانوني آرون كيرني إن الأهداف ثلاثة: أولاً، انتزاع اعتراف قضائي بتعريف قانوني للعبودية في لبنان؛ ثانياً، الإقرار بأن نظام الكفالة يشكّل شكلاً من أشكال العبودية؛ وثالثاً، إرساء سابقة تتيح إدراج عناصر العبودية ضمن نطاق قانون مكافحة الاتجار بالأشخاص لعام 2011. ومن خلال تأطير محنتها كقضية عبودية ضمن إطار الاتجار، يوظّف المدافعون استراتيجياً أدوات قانونية قائمة لمواجهة غياب إطار وطني يعالج الاستغلال المنهجي.

بعد شهادة هايلو في أيار، عُقدت جلسة نهائية للنظر في الأدلة المتبقية. ثم أُغلق التحقيق مجدداً وأُعيد إلى المدعي العام، الذي قدّم توصية جديدة لم تُكشف بعد. ومع ذلك، يظل كيرني متفائلاً، إذ سيقرر قاضي التحقيق في النهاية ما إذا كانت ستصدر لائحة الاتهام، الأمر الذي قد يفضي إلى أول محاكمة للعبودية في لبنان.

كما تمثل القضية اختباراً للقضاء اللبناني في ظل الحكومة الإصلاحية الجديدة. وقد قال عدد من الخبراء لـ«البديل» إن تجربتهم حتى الآن هزّت ثقتهم في العملية القضائية. فعلى الرغم من أن القانون اللبناني ينص نظرياً على استقلال القضاء، يشير رمزي قيس الباحث في «هيومن رايتس ووتش» إلى أن الواقع العملي كثيراً ما يشهد تدخلاً سياسياً يقوّض استقلاليته.

تُظهر قضية هايلو أنه في ظل غياب مبادرات تشريعية لتفكيك نظام الكفالة، تبقى إمكانية دفع التغيير النظامي قائمة عبر المحاكم. لكن ذلك يتطلب إزالة عوائق هيكلية عديدة تواجهها عاملات المنازل المهاجرات في سعيهن للوصول إلى النظام القضائي. فالكثيرات يخشين الانتقام أو الترحيل، لاسيما أن وضعيتهن القانونية في لبنان مرتبطة بأصحاب العمل. كما أن القيود المفروضة على حركتهن واتصالاتهن من قبل أصحاب العمل تقيّد فرص طلبهن للمساعدة القانونية. ويضاف إلى ذلك نقص المعرفة القانونية والحواجز اللغوية، إذ تفتقر معظم العاملات إلى الإلمام بالقوانين المحلية أو القدرة على متابعة الإجراءات بالعربية. كما تشكّل كلفة أتعاب المحاماة عبئاً مالياً يفوق قدرتهن. والمحاكم نفسها تمثل عائقاً آخر، إذ غالباً ما تستغرق القضايا بين عامين وأربعة أعوام حتى صدور الحكم، وهي فترة زمنية لا تستطيع معظم العاملات تحمّلها مالياً. وبالنسبة لكثيرات، يبقى البقاء أولوية تتقدّم على العدالة، ما يجعل النظام القضائي بعيد المنال عملياً.

توسيع الوصول إلى العدالة وتعزيز المساءلة

نظراً للعقبات البنيوية التي تعترض إلغاء نظام الكفالة، والعوائق التي تواجهها عاملات المنازل المهاجرات في سعيهن وراء العدالة، فإن تكرار تجربة ميسيريت في تحدّيها للنظام يتطلّب توسيع نطاق الوصول إلى العدالة. وقد أكّد الخبراء القانونيون الذين تحدّثنا إليهم أن ذلك يستدعي، إلى جانب توسيع المساعدة القانونية، تعزيز المساءلة القضائية ورفع الوعي والاستفادة من الحضور الجماهيري كطبقة إضافية من الردع.

يُعد توسيع الوصول إلى المساعدة القانونية خطوة أولى وأساسية، ويتطلّب نهجاً متعدّد الأبعاد يعالج العوائق المباشرة والثغرات البنيوية معاً. تشمل الحلول الممكنة إنشاء مراكز مساعدة قانونية مجانية أو منخفضة الكلفة في المناطق التي تتركّز فيها العاملات المنزليات المهاجرات، وتدريب المحامين والمساعدين القانونيين على التعامل مع التحديات الثقافية واللغوية، وتوفير خدمات ترجمة فورية في المحاكم والمراكز القانونية.

كما يمكن لخطوط الطوارئ الساخنة وفرق الاستجابة السريعة أن تضمن التدخل الفوري في الحالات العاجلة. ولتجاوز جمود السلطات، يمكن للمنظمات الدولية مثل وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية وبرامج التعاون الدولي، أن توفّر التمويل اللازم لهذه التدابير.

يمثّل إبراز القضايا في وسائل الإعلام وسيلة ردع مكمّلة. فطرحها على الرأي العام لا يردع أصحاب العمل ووكالات التوظيف عن الانتهاكات فحسب، بل يعزّز أيضاً سلطة القضاء ويضاعف كلفة التقاعس.

وتُشكّل مبادرات التوعية والتمكين خطوة أساسية أخرى، خاصة وأن نقص المعرفة يعدّ حاجزاً رئيسياً يمنع المهاجرين من طلب المساعدة القانونية. ويمكن للحملات والتدريبات المتخصّصة أن تزوّدهم بمعرفة حقوقهم والأدوات العملية لتجاوز الإجراءات. وكما تشير جوليا، فإن ورش العمل التطبيقية ومبادرات دعم الأقران تعزّز القدرة على الصمود والتمكين المجتمعي، وتؤهّل العاملات لاستخدام المساعدة القانونية المتاحة.

ويسهم تدريب الفاعلين في الصفوف الأمامية، مثل وحدة مكافحة الاتجار بالبشر وقوى الأمن الداخلي، إلى جانب التواصل مع الصحفيين والطلاب وصانعي السياسات، في ضمان فعالية شبكات الدعم. كما أن نشر الشهادات علناً، والتواصل المجتمعي، وحملات التوعية يساهم في تغيير الرأي العام وتعزيز الاعتراف الاجتماعي والمساءلة.

وكما توضح جوليا: «نحن بحاجة فعلية للاستمرار في تقديم التقارير للجمهور المناسب، وإظهار الشهادات والأدلّة وجعل هذه القضايا حاضرة في وسائل الإعلام».

الكفالة نظام عبودية

في حين أن الهدف العام للجهود التشريعية هو تكريس معادلة نظام الكفالة بالعبودية، فإن تفكيكه بالكامل يتطلّب إجراءات تصحيحية في مختلف أجهزة الدولة اللبنانية. والأهم من ذلك يشمل تعديل قانون العمل لعام 1946 ليشمل العمل المنزلي، ومراجعة أنظمة التأشيرات التابعة للمديرية العامة للأمن العام، وإرساء رقابة فعّالة من وزارة العمل على العقود وممارسات التوظيف.

«إذا كنتُ عاملة ولم أُدرج في القانون، فأنا لا شيء. أين اسمي في هذا إذن؟»

ومن شأن هذا الإدماج القانوني أن يُسهم أيضاً في تعزيز مكانة العاملات وتقديرهن اجتماعياً: فبإخضاعهن لقانون العمل، يُضفى عليهن الاعتراف كفاعلات في الاقتصاد. وكما تقول جوليا: «إذا كنتُ عاملة ولم أُدرج في القانون، فأنا لا شيء. أين اسمي في هذا إذن؟». وبعيداً عن التشريع، لا بد أن يقترن الإصلاح بإنفاذ صارم وتفتيشات دورية لأماكن العمل، ومراقبة مستقلة. كما على وزارة العمل تعزيز رقابتها على وكالات التوظيف وتطبيق نظام اعتماد يضمن محاسبتها.

 

ورغم أن محاولات تغيير الوضع الراهن في قطاع عاملات المنازل في لبنان تعطّلت لعقود، فإن إعادة فتح قضية ميسيريت هايلو في ظل الحكومة الإصلاحية الجديدة تُظهر أن التغيير الحقيقي ممكن. لقد أوجدت المحاكم، عبر السماح لهذه القضية التاريخية بالمضي قدماً، فرصةً نادرةً لمواجهة المصالح المتجذّرة والانتهاكات المنهجية. ولم يتبقَّ سوى أن يقرّ القاضي أخيراً بالحقيقة البديهية: أن الكفالة نظام عبودية.

ملاحظة المحرر:
تم تغيير اسم العاملة المنزلية التي أُجريت معها المقابلة حفاظاً على سلامتها وخصوصيتها. وأي تشابه مع أشخاص حقيقيين هو محض صدفة.

المواضيع ذات الصلة