تحديات اليوم
أول التحديات المطروحة يتمثل في ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، وهو عنوان يختزل علل المنظومتين معاً. فالتوقيفات الاحتياطية طالت أكثر مما تحتمل العدالة، فيما تكدّست القضايا بين مخالفات إقامة غير نظامية وأخطاء إدارية وملفات جنائية صِرفة لا يجوز خلطها بالملفات ذا الطابع السياسي. وتشير التقديرات إلى أنّ عدد الموقوفين والمحكومين السوريين في لبنان يتراوح بين 1800 و2200 شخص، أي ما يقارب ثلث السجناء، مقابل مئات اللبنانيين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً في السجون السورية منذ التسعينيات وما بعد 2005
هذه المعادلة المعقدة تُغري القوى السياسية بالشعبوية: فبدلاً من معالجة الملف بروح قضائية وإنسانية، يُستَخدم كوقود لتأجيج خطاب العداء للسوريين، وإقامة عدو خارجي–داخلي يسهّل التغطية على فساد المنظومة، ويبرّر العنصرية التي حمّلت اللجوء السوري كل أزمات البلد، كما يغذّي خطاباً يمينياً انعزالياً يعيد إنتاج الانقسامات ويعطل أي معالجة واقعية للملف.
والمعالجة الرشيدة تقوم على التفكيك لا التبسيط: تمييز الفئات، تسريع المحاكمات لمن تجاوزوا الحدود المعقولة للتوقيف الاحتياطي، وضع مذكرة تفاهم قضائية تتيح التعاون في تبادل المحكومين أو ترحيلهم بضمانات قانونية وإنسانية، وإنشاء لجنة مشتركة لتدقيق القوائم وتحديثها دورياً. خطوة بهذه البساطة العملية كفيلة بخفض التوتر الشعبي على ضفتي الحدود، وتمنح الحكومتين مؤشراً ملموساً على صدقية خطاب الدولة، وعلى الرغم من تعثر المسار، إلا أن هناك دفع مشترك وحتى خارجي على مقاربة الملف من خلال وزارتي العدل والداخلية في البلدين.
لتحدي الثاني هو ملف الحدود والتهريب. وهذا الملف الناطق بصمته يستنزف خزينة لبنان ويقلق دمشق من مسارات عبور خارج القانون. والمطلوب بات انتقال من إدارة الضرورة إلى إدارة مؤسساتية، عبر الحديث المستمر عن غرفة عمليات مشتركة بتواصل دائم بين الأجهزة المعنية، وخرائط مخاطر تحدّث باستمرار وتربط المسارات بالأسماء والتمويل، وإجراءات ميدانية متدرجة في نقاط الاختراق التقليدية في البقاع والشمال. النجاح هنا لا يُقاس بالتصريحات بل بالأرقام الشهرية: مصادرات، مسارات مغلقة، تفكيك شبكات التهريب، وتراجع في الكلفة الاقتصادية على الطرفين.
التحدي الثالث هو ملف تنظيم حركة الدخول والخروج وما يتصل به من واقع اللاجئين. حيث لا وجود لحل سحري قادر على تحويل أزمة إنسانية طويلة إلى تسوية سريعة. الطريق الواقعي هو عودة طوعية تدريجية داخل سوريا بضمانات معيشية وأمنية، وبتمويل عربي–دولي يواكب مناطق العودة وخدماتها الأساسية.
وإلى أن تنضج شروط هذه العودة، تبقى حماية الحقوق الأساسية للاجئين في لبنان واجباً قانونياً وأخلاقياً، بالتوازي مع نافذة زمنية لتسوية الأوضاع الإدارية وتوحيد إجراءات المعابر واعتماد أدوات تحقق رقمية تقلل الاحتكاك والفساد وتعيد الكرامة إلى التعامل اليومي، في ظل ممارسات باتت تزعج الدولة السورية.
ثم يأتي ملف السلاح في لبنان. وهذا الملف يتقاطع مباشرة مع النقاش اللبناني حول حصرية السلاح بيد الدولة، ويستدعي مقاربة متدرجة، عبر تفكيك البؤر الأكثر خطراً، وإقفال خطوط الإمداد، وتثبيت مبدأ عدم استخدام الساحتين اللبنانية أو السورية لتصفية حسابات فصائلية أو إقليمية. والتعجل مكلف لأنه يستفز ردوداً ارتدادية، والتباطؤ يقضم صدقية الدولة. الميزان الدقيق هو إنتاج نتائج صغيرة منتظمة يراها الناس وتطمئنّ إليها العواصم المعنية، وبدا أن الجانب السوري تقصد في المرحلة الماضية إظهار جوانب انزعاجه من وجود السلاح على حدوده في ظل اتهامات مستمرة لتورط حزب الله في بعض أحداث الداخل السوري مؤخراً.
أخيراً، تحضر مسألة الاقتصاد. أي تعاون طاقوي أو لوجستي يحتاج ترتيبات قانونية دقيقة وإعفاءات محددة حتى لا تتحول الوزارات والمصارف والقطاع الخاص إلى رهائن حسابات قانونية دولية. تحديث إطار الترانزيت للأفراد والبضائع، وتحديد الرسوم وقواعد المرور والأمن على الطرق الدولية، ما يمنح لبنان منفذاً برياً مستداماً ويؤمن لسوريا مورداً قانونياً ضمن القيود، وهو مكسب متبادل إذا أُحسن تصميمه.
لكن هذا المسار يحتاج لأساس منطقي، عنوانه الأبرز البعثات الدبلوماسية واعادتها ايفاد سفراء من الدولتين يقومان بجزء أساس من تنظيم هذه الملفات، ويكرسان كل مسارات النقاش السياسي والاقتصادي من تكوين بيروقراطي متدرج.
سوريا الجديدة في نظر جزء من اللبنانيين
وصول أحمد الشرع إلى الرئاسة أعاد رسم صورة سوريا في المخيال اللبناني، لكنه لم يمحُ الشروخ القديمة. ويمكن تمييز ثلاث قراءات لبنانية متجاورة ومتعارضة أحياناً.
الأولى قراءة شكية تاريخية، خصوصاً لدى شرائح يمينية وبعض التيارات السيادية التي تخشى أن يكون التغيير شكلياً وأن تعود آليات النفوذ القديمة بصيغ ناعمة. هؤلاء يطالبون بترجمة فورية لمبدأ التعامل دولة لدولة، ووقف أي تدخل مباشر أو غير مباشر في الشأن اللبناني، ويربطون أي تقدّم بإشارات قابلة للقياس لا بخطاب حسن نية.