ما بعد الزنازين: تحقيق العدالة للمعتقلين السوريين السابقين يتطلّب سياسات تواكب الخطاب

يحتاج الناجون من منظومة الاعتقال التابعة لنظام الأسد إلى مسار واضح لإعادة إدماج تقوده الدولة وتتبنّاه الحكومة السورية كمدخل أساسي لتحقيق العدالة.

حين فُتحت أبواب السجون في سوريا عقب سقوط بشار الأسد في أواخر عام 2024، تحوّلت صور المعتقلين المفرج عنهم إلى أحد أبرز مشاهد المرحلة الانتقالية. وبدت الزنازين الفارغة رمزاً للقطيعة مع منظومة القمع التي حكمت في عهد النظام السابق، وبشارةً بإمكانية تجديد سياسي في ظل حكومة الرئيس الانتقالية أحمد الشرع.

غير أنّ هذا الفصل الجديد لم يترجم إلى تعافٍ فعلي للناجين ولا إلى إغلاق ملفّات المفقودين بالنسبة لعائلاتهم. لا تزال هذه القطيعة مع النظام السابق أقرب إلى الرمزية، في ظل غياب قدرة مؤسسية حقيقية على معالجة إرث التعذيب والاختفاء القسري والإعدامات الجماعية التي شكّلت واقع الحياة داخل تلك السجون.

 

مؤسسات قيد الإنشاء

لم تسلم سوى قلة من العائلات السورية من الاعتقال التعسفي، ما جعله أحد أكثر المظالم انتشاراً وتأثيراً في تشكيل توقعات العدالة الانتقالية. لا يزال أكثر من 112,400 شخص في عداد المختفين قسراً بما يعكس الحجم الهائل لعنف الدولة. ففي الأشهر التي تلت انهيار نظام الأسد، عادت السلطات الانتقالية مراراً إلى مواقع الاحتجاز وأتاحت لوسائل الإعلام الوصول إليها بحثاً عن آثار المفقودين وتوثيق المقابر الجماعية. هذه الخطوات عكست استعداداً مبدئياً لمواجهة إرث الماضي، رغم استمرار التأخر في تطوير استجابات مؤسسية أعمق.

وبدأت ملامح ترسيخ مسار العدالة والمساءلة تتضح مع تعيين أحمد الشرع لمظهر الويس – وهو معتقل سابق – وزيراً للعدل في آذار 2025. سرعان ما أعلن الويس إلغاء المحاكم الاستثنائية متعهداً بحماية حقوق المحتجزين وضمان محاكمات عادلة وشفافة. وفي أيار 2025 أُنشئت بموجب مرسوم رئاسي هيئتان جديدتان: اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية واللجنة الوطنية للمفقودين، وكُلّفتا بالتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان وتوثيق حالات الاختفاء وتقديم الدعم للضحايا وعائلاتهم.

رغم الترحيب الدولي بهذه الخطوات باعتبارها إجراءات طال انتظارها لتعزيز المساءلة، فإن تركيز اللجنتين على جرائم الدولة حصراً يسلّط الضوء على ضيق الحيّز السياسي الذي تتحرك ضمنه العدالة الانتقالية. وتُظهر تجارب دول أخرى ما بعد النزاع أن فعالية هذه الهيئات تعتمد على مستوى التنسيق مع الوزارات والسلطات المحلية ومقدّمي الخدمات الأقرب إلى احتياجات الضحايا. وحتى الآن لم يتبلور هذا التنسيق.

 

حلول جزئية وتحديات مستمرة

تواصل عائلات المختفين قسرياً مواجهة نظام مجزّأ يفتقر إلى الشفافية، إذ تتنقّل بين المكاتب من دون وضوح بشأن الجهة المسؤولة ودون أي معلومات رسمية حول مصير أحبائهم. أما بالنسبة للسوريين في المنفى، فتتفاقم هذه التحديات بفعل البعد الجغرافي ومحدودية الوصول إلى الآليات الحكومية الناشئة. وفي ظل هذا الفراغ اضطلعت منظمات المجتمع المدني بدور الوسيط الفعلي، متحمّلة أعباء تقع أصلاً ضمن اختصاص المؤسسات العامة. وبعد سنوات من تغييب الحقائق في ظل النظام السابق، فإن هذا تخبط البيروقراطي اليوم امتداد للضرر لا قطيعة معه.

كما يواجه المعتقلون السابقون فجوات في الدعم، لا سيما الذين خرجوا من السجون بإصابات جسدية. إذ تكشف وثائق حقوق الإنسان عن نمط متكرر من الكسور غير المعالجة التي أفضت إلى تشوّهات دائمة وشلل جسدي وأضرار في الأعصاب. وحتى الآن لا يوجد حتى الآن نظام وطني لتقييم الاحتياجات الطبية وتوثيق الانتهاكات، وتوفير رعاية صحية متخصصة للناجين من التعذيب. وقد تدخلت جهات إنسانية دولية و منظمات مجتمع مدني سورية لتقديم مساعدات طارئة، غير أن هذه الجهود لا يمكن أن تشكّل بديلاً عن استجابة وطنية منسّقة.

كما أن الأضرار النفسية تُهمَل بشكل منهجي. إذ يعاني كثير من الناجين من اضطرابات ما بعد الصدمة بدرجات حادّة بما يحدّ من قدرتهم على العمل والمشاركة في الحياة العامة وإعادة بناء علاقاتهم. وفي غياب آليات رسمية تقودها الدولة يقع عبء خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي على عاتق العيادات التي تشرف عليها المنظمات الدولية ومنظمات يقوم عليهنا الناجون أنفسهم، وهي جهات تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة نتيجة تراجع التمويل الدولي. ويجد العديد من المعتقلين السابقين أنفسهم مضطرين للاعتماد على شبكات التضامن ومواردهم الشخصية لتأمين علاج ملحّ.

والمشهد الاقتصادي لا يقلّ سوءاً. فمع بلوغ معدل البطالة ما يقرب من واحد من كل أربعة سوريين فإن سوق العمل ما بعد الحرب يعيد إنتاج أشكال من الإقصاء لأفراد غيّرت سنوات الاعتقال مسارات حياتهم بشكل جذري. والناجون، بما يحملونه من آثار جسدية ونفسية عميقة، يخوضون هذه المرحلة الانتقالية من موقع الهامش وبفرص محدودة لإعادة الاندماج الاقتصادي.

 

سدّ الفجوات: من السياسات إلى الممارسة

كل هذه المؤشرات تدلّ إلى قصور أوسع في مسار المرحلة الانتقالية، إذ تتجاوز آثار الاحتجاز نطاق ما يمكن للمحاكم وحدها معالجته. ومع فرار العديد من المتورطين في الانتهاكات – أو اختفائهم أو وفاتهم – تصبح الملاحقات القضائية أكثر تعقيداً. في المقابل يُطلب من المعتقلين السابقين استعادة تجاربهم الصادمة مراراً ودون أي دعم نفسي في أغلب الحالات، فيما تظل احتياجاتهم الأساسية غير ملبّاة. هنا يجب أن يتجاوز مفهوم العدالة حدود المحاكمات ليشمل معالجة التحديات اليومية للناجين وتقديم إجابات لعائلات المفقودين. ويمكن لأربع خطوات عملية أن تبدأ في ردم هذه الفجوة.

أولاً: تحتاج عائلات الناجين والمفقودين إلى قنوات إدارية واضحة لطلب المعلومات وتقديم الوثائق. وعلى اللجنة الوطنية للمفقودين إنشاء سجل موحّد لحالات الاختفاء القسري، بالتعاون مع وزارة العدل والسلطات المحلية. ومن خلال دمج قواعد البيانات والوثائق التي جمعتها منظمات سورية ودولية، يتيح هذا السجل للعائلات تقديم الطلبات وتتبع مسار التحقيقات، من دون الاضطرار إلى التنقّل بين مكاتب متعددة ذات صلاحيات غير واضحة.

ثانياً: توحيد إجراءات توثيق الأضرار المرتبطة بالاحتجاز ضرورة وأساس لأي مسار عدالة. وعلى وزارتي الصحة والعدل تطوير بروتوكولات مشتركة تستند إلى المعايير الدولية لتوثيق التعذيب والإعاقات وسائر أشكال الانتهاك بشكل منهجي، بما قد يسهّل وصول الناجين إلى الرعاية المناسبة، مع حفظ الأدلة لاستخدامها في مسارات المساءلة والتعويض وجبر الضرر مستقبلاً.

ثالثاً: يجب أن يتجاوز تأهيل الناجين من التعذيب البرامج الإنسانية المؤقتة، بما يتطلّب إنشاء مراكز متخصصة ضمن النظام الصحي العام تدمج بين التأهيل الجسدي وخدمات الصحة النفسية والدعم القانوني. يمكن لهذه المراكز – عبر التعامل مع الإعاقات المرتبطة بالاحتجاز بوصفها قضية صحة عامة وعدالة في آن – أن توفّر رعاية مستدامة ومنسّقة وتفتح مسارات فعلية لتعافي الناجين وإعادة بناء حياتهم.

أخيراً: سياسات الإدماج الاجتماعي والاقتصادي ضرورية لمنع تهميش المعتقلين السابقين على المدى الطويل. فمن خلال برامج تشغيل موجّهة وتوفير ترتيبات تيسيرية للأشخاص ذوي الإعاقة وإدماجهم في جهود إعادة الإعمار ومبادرات القطاع العام، يمكن استعادة قدرة الناجين على العمل وتعزيز فرصهم في كسب العيش، وتمكينهم من المشاركة في الحياة العامة.

لن تُعالج هذه الإجراءات إرث الاعتقال بين ليلة وضحاها. فالعدالة الانتقالية مسار بطيء بطبيعته، لا سيما في سياقات تتسم بالهشاشة المؤسسية. لكنها تمثّل خطوات ملموسة لتحويل القطيعة الرمزية إلى تغيير فعلي. ففي بلدٍ طالت فيه تجربة الاختفاء القسري شريحة واسعة من السكان، لن تُقاس مصداقية المرحلة الانتقالية في سوريا بسقوط سجونها بل بما توفّره للناجين منها.

 

سلمى داودي زميلة غير مقيمة في البديل | معهد السياسة البديلة

الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتبة وحدها، ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد للسياسة البديلة أو فريق التحرير.

المواضيع ذات الصلة